بعد هدوء·· "العاصمة"!
نشمي مهنا
نرى ونقرأ في هذه الأيام عن برامج ومشاريع ثقافية، حافلة بالجديد وبالكثير·· إذ يقوم مسؤولو المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بعرضها والتسويق لها في محاضرات عدة أقيمت ولا تزال في بعض المؤسسات والهيئات وجمعيات النفع العام، هي كما نرى أجندة دسمة من الفعاليات المزمع البدء بها فور انطلاقة احتفالاتنا بالعاصمة الثقافية في العام 2001·
قد تربو هذه الأنشطة والفعاليات الثقافية على 1000 نشاط، لتغطي أصبوحات وأمسيات العام المقبل بأكمله·· ولكن! مع كل التقدير للجهود الكبيرة المبذولة في هذا الإعداد الحاشد، ماذا لو استبقنا الأيام، وافترضنا أننا الآن في اليوم الـ 365 من العام 2001! وتأملنا ماذا تبقّى لنا من كل هذه الأنشطة وهذا التزاحم الجميل!
أي ما هو الأعمق جذراً، الذي من الممكن أن يبقى معنا ولنا من كل هذه التظاهرة··؟ وما الذي سيثبت بعد هدوء فورة الاحتفالية؟
كل نشاط ثقافي تقيمه مؤسسة رسمية أو أهلية أو مجموعة أشخاص ومهما صغر حجمه، هو بالطبع مثمر ومفيد، ويؤتي أُكله الثقافي، ويضيف لمداركنا معلومة أو خبرة أو متعة، أو جميعها وأكثر، ولكننا دائماً نطمح للأعمق والأبقى أثراً!
الأسابيع الثقافية العربية والدولية المدرجة ضمن البرنامج ـــ مع ضرورة وجودها ــــ هي آنية "خفيفة الوزن"، وإن كانت تزودنا بمعرفة ثقافة الآخر وتعرض لنا جوانب ثقافية دفينة نجهلها، من خلال معرض فني، أو أمسية شعرية أو عرض مسرحي أو غناء فلكلوري!
لذا نظل نتساءل·· وماذا بشأن المشاريع الثقافية الكبرى! لماذا لا تستغل هذه المناسبة الاحتفالية التي لن تتكرر في بلدنا إلا بعد عقود، في الإعلان عن إحياء "الخطة الشاملة للثقافة العربية" التي جاءت ثمرة للجهود المتعاونة بين الالكسو العربية وبين مجموعة من كبار المفكرين والمثقفين العرب، تبنت الكويت ــــ حينها ـ طباعة هذه التصورات المستقبلية للثقافة العربية، بعد أن شاركت نخبة من مثقفي الكويت على رأسهم المرحوم عبدالعزيز حسين في صياغة وإعداد هذا المشروع كما حاولوا إبرازه والعمل على تنفيذه لولا تعثر تطبيقه في خطواته الأخيرة·
مثل هذا المشروع لا يحتاج منا الآن إلا إحياءه ومناقشته على مستوى عربي، قد يعيد نفخ الروح فيه·
***
على المستوى التنظيمي·· وفي جميع الاحتفالات الثقافية العربية، توجد هناك ندوات وأمسيات متفردة، تبقى حية في الذاكرة على مرور الزمن، وتستعصي على النسيان، بل قد يكون بعضها نقطة تحوُّل في العقل العربي وطرق تفكيره، وإن كانت تحتاج إلى تضافر جهود أخرى، تلك هي الندوات التي تطرح "أسئلة كبرى"، لا يحتاج محاضروها إلى أجوبة للوصول إلى حلول، بقدر ما يكون الهدف هو تحريك الراكد في الفكر العربي، بمواجهة الواقع، والمناقشة "الجماعية" للمستقبل··!
فهل في بال مسؤولينا عقد مثل هذه الندوات الكبرى التي نسعد كثيرا عندما يشار إليها كمراجع في ثنايا الكتب والمجلات أو على لسان مثقفينا العرب·
***
ثالثة النقاط·· مُعادة ومكررة في أحد أعدادها السابقة)، ولا مانع من تكرارها، وإن لم تغب عن أذهان المنظمين "للعاصمة"، وهي أن نتخلى عن "عاداتنا" العربية الدارجة في مثل هذه الاحتفاليات الرسمية، فقد اعتدنا في عواصمنا العربية على تبادل وفود ثقافية معروفة سلفاً، ومكررة كثيراً بسبب ترشيح الجهات الرسمية في تلك البلدان لها، دون غيرها من أسماء "المغضوب عليهم"! من المثقفين والأدباء والشعراء، هذه "القوائم" الرسمية يجب أن تغربل·· ويضاف إليها أسماء أخرى وفقاً للمكانة الثقافية لا للموقف السياسي من هذا النظام أو ذاك·
فلتفتح "عاصمتنا" الثقافية ذراعيها للجميع، بمن فيهم هؤلاء "المختلَف عليهم"، أو مثيرو الشغب الفكري!
***
هذا ما نريده بعد هدوء "العاصمة" أن تظل في تربتنا جذور ثابتة كـ "الخطة الشاملة للثقافة العربية" ومحاور الندوات الفكرية الكبرى وإبداعات الأسماء المغيبة المركونة على رف السلطات العربية، فلنشرع أبواب عاصمتنا الثقافية لهم ليدخلوها آمنين·
Nashmi22@hotmail.com