أن تسرق غيمة···
نشمي مهنا
من أين تستقي الصورة الشعرية أدواتها؟
الفن الأدبي بعمومه (الشعر بأنقى صوره) هو بحيرة عذبة، صافية، تعكس تجعدات وجه السماء التي تعلوها··· تعلوها فقط، أو صفاء هذا الوجه ونقاوته في حالات الصحو، وإن استعرنا عنونة سعدية مفرح لمجموعتها الشعرية الأخيرة، لنقول هو "مرآة مستلقية" تطفو على وجه تلك البحيرة، تعرض أيضاً سيقان الأشجار الملتفة حولها، أحجامها وألوانها، تناسق أو تشابك أغصانها، أو حتى روائحها الخاصة·
وبالتأكيد ستطل وجوهنا أيضاً داخل إطار الصورة ونحن نقترب من "فلاشات" الطبيعة والبحيرة!
فهل من المعقول بعد طبع الصورة "وتحميضها" (أي عندما تأخذ شكلها الفني كقصيدة) أن نرى أشجاراً لم تحتضنها ضفاف البحيرة؟ أو حالات أخرى مختلفة لسمائنا؟ أو وجوهاً أخرى تشاركنا المشهد من دون أن تقترب من البحيرة؟
فنياً يعقل ذلك إنما تتخلى الصورة هنا عن صدقها وحرارتها الواقعية·
كيف بشاعر كويتي تربى مع سدرة بيته القديم صبياً، ينتظر في "ضيعة" الحوش مواسمها "ويتعربش" على أغصانها الشائكة تحت لفح الظهيرة، أو ذلك الذي أدمن روائح النوير وعايش الدفلى والعرفج·· يفاجئنا لنرى بقصائده باقات الفل، والياسمين، وورد الليلكي والأزهار الباريسية الأخرى المغلفة!
مشهد قد يكون ّ(وردياً) إنما هو لمثال واحد فقط، بإمكاننا إيراد تناقضات أخرى لصور شعرية مستعارة·
كذلك علاقتنا بالمطر!
قد تتشابه أو تتطابق علاقة العرب جميعاً بالمطر·· ولبيان المعنى، نختار الأشد مفارقة في الصورة، فهذه الموسيقى المطرية، التي نتحرق شوقاً إليها بمرور فصل الصيف البطيء (أو فصوله الأربعة في الكويت!) لا يمكن لأحدنا أن يكتم عشقه الطفولي للمطر· يوم مختلف ذلك اليوم الملبد بالفرح، الممتلئ بعزف رعود، تتبلل الأرصفة مبتهجة برذاذه ليغتسل الأسفلت عن خطاياه المغبرة·· حينها لا يمكننا مقاومة نداء الشوارع!
هذا الوله الغامض (لا حاجة لتفسيره حتى لا نفسده!) يقابله عدم اكتراث في الشوارع الأوروبية مثلاً، أو قد يصل إلى امتعاض ناسها ومشاتها منه، وضيقهم بهذا الضيف السمائي الثقيل·
لن يجد المطر ـ كأحد وجوه الصورة ـ أكثر منا عشقاً وهياماً واحتفاء بقدومه وبرذاذه وطقوسه وسُحبه بين جميع الشعوب·
لذا·· عندما نتأمل صورتنا على وجه البحيرة، أو على مرآتنا المستلقية (القصيدة)·· فغالباً ما تبلل غيومه إطار المشهد!
***
يستاؤون منكِ كثيراً·· يتأففون
يخشون أن تبللي ملابسهم القطنية
أن تَسُدي مجاريهم الأسمنتية
أن تفسدي عليهم عطلة نهاية الأسبوع
····························
كم كان بودي أن استجمعك بجيوبي
لأنثر خراجك·· على شفاه بلاد ظامئة··
Nashmi22@hotmail.com