قراءة وعرض: عباس يوسف الحداد
ضمن سلسلة التراث العربي التي كانت تصدرها دائرة المطبوعات والنشر في الكويت التي آل أمر إشرافها إلى المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب صدر أخيراً كتاب "الشكوى والعتاب وما وقع للخلان والأصحاب" المنسوب لأبي منصور الثعالبي، بتحقيق الدكتورة إلهام عبدالوهاب المفتي أستاذ الأدب العباسي في كلية التربية الأساسية ـ قسم اللغة العربية في الكويت·
وتعد هذه السلسلة من أهم السلاسل الثقافية في الكويت إلى جوار سلسلتي عالم المعرفة والمسرح العالمي (إبداعات عالمية)·
وقد اهتمت هذه السلسلة بتحقيق ونشر كتب التراث العربي، وكان ذلك مواكباً لحصول الكويت على استقلالها في عام 1961، ومن الكتب المحققة والمنشورة في هذه السلسلة نذكر على سبيل المثال لا الحصر: رسائل الصابي والشريف الرضي تحقيق محمد يوسف نجم، كتاب الصبر للإمام الذهبي، أمالي ابن دريد تحقيق سيد السنعوسي، مجالس العلماء للعسكري، وكتاب المناظر للحسن بن الهيثم، لاسيما كتاب تاج العروس في جواهر القاموس للزبيدي الذي كان يشرف على إصداره وتحقيقه رئيس قسم التحقيق الأستاذ عبدالستار أحمد فراج، وصدر الجزء الأول منه في العام 1965 ثم تولى الأمر بعده الدكتور مصطفى حجازي، وقد بلغ عدد الأجزاء الصادرة منه حتي العام 2000 واحداً وثلاثين جزءاً ومن المؤمل أن يصل إلى أربعين جزءاً في حال تمامه كاملاً·
ويأتي نشر هذا الكتاب التراثي بعد توقف هذه السلسلة نتيجة لما ألم بالكويت من دمار شامل طال جميع البنى الاقتصادية والثقافية والفكرية عشية غزو العراق للكويت في الثاني من أغسطس 1990· بعد عشر سنوات من الغزو يصدر أول كتاب من هذه السلسلة ليكون شاهداً على استمرارية الوجود الثقافي للكويت في الساحة العربية، وباكورة لنشر الكثير من الأعمال التراثية المحققة تحقيقاً علمياً أكاديمياً منضبطاً·
وربما كان عنوان الكتاب "الشكوى والعتاب وما وقع للخلان والأصحاب" دالاً على تلك المرحلة الصعبة التي عانتها الكويت من الخلان والأصحاب وما آلت إليه الحال بعدها من فرقة وشتات لوحدة الصف العربي والإسلامي، إلى جانب ضياع الجهود والأموال التي كان من المؤمل أن تكرس لمقاومة قوى الظلام الصهيونية وتحرير القدس (مقلوبها الصدق) من أيدي أئمة الرجس والكذب في العالم·
إن لتحقيق كتب التراث فضائل عدة ولكن من أهم تلك الفضائل في تقديري إخراج النص إخراجاً مضبوطا سياقياً ولغوياً ونحوياً، معززاً بهوامش تضيف إلى النص المحقق بقدر ما يستفيد منه القارئ من دون إرهاق الكتاب والقارئ معاً بهوامش قد لا يكون لها فائدة تذكر، فالزيادة كالنقصان في هذا المقام، وليست كل زيادة دالة على علم بل ربما كانت تحمل في طياتها جهلاً يضر الكتاب المحقق والقارئ معاً، والعلم هو أن يعرف المرء كيف يفيد الآخر معرفياً من دون حشو·
والأمر الآخر متعلق بنسبة النص إلى المؤلف، وتحري الدقة في ذلك، مع عدم الاطمئنان كثيراً إلى سهو النساخ من جهة، وعلمية المؤلف وشهرته في عصره من جهة أخرى وهذا أمر مهم جداً فهو يعيد الأمور إلى نصابها، ويصحح خطأ تناقلته الأجيال من دون وعي منها ومعرفة بصاحب الكتاب الحقيقي، وهذا عينه ما تم مع كتاب "الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان" المنسوب لابن القيم الجوزية خطأ والمطبوع في العام 1327هـ وقد ظل هذا الكتاب ينسب لابن القيم حتى جاء أحد تلامذة الشيخ محمود شاكر وهو الدكتور زكريا سعيد علي فكشف النقاب عن الحقيقة الغائبة ونسب الكتاب إلى مؤلفه الحقيقي وهو الإمام أبو عبدالله جمال الدين محمد بن سليمان البلخي المقدسي الحنفي الشهير بابن النقيب (ت 698 هـ) وأوضح أن هذا الكتاب هو مقدمة وضعها ابن النقيب لتفسيره الضخم المسمى "التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير في معاني كلام السميع البصير" وقد قال عنه أبوحيان الأندلسي:
"هو أكبر كتاب رأيناه صنف في علم التفسير، بلغ في العدد مئة سفر أو يكاد إلا أنه كثير التكرير قليل التحرير مفرط الإسهاب"، وقد صدرت هذه المقدمة محققة تحقيقاً علمياً رفيعاً في العام 1995 عن مكتبة الخانجي في القاهرة·
ولعل أمراً قريباً من هذا الأمر حدث مع هذا الكتاب الذي نقصده وننشئ عليه هذه المقالة، فقد عثرت المحققة فيما عثرت عليه أثناء دراستها لنيل درجة الدكتوراه في العصر العباسي على عنوان لمخطوط ينسب لأبي منصور الثعالبي، فسعت نحو الحصول عليه من أماكن عدة، فلم تسعف في ذلك ولم يتحقق لها ما أرادت، حتى شاء الله أن تلتقي بالدكتور محمد يوسف نجم ومن خلال حديثهما مع بعضهما بعضا ذكرت له المخطوط ورغبتها في تحقيقه، فوعدها بإرسال نسخة منه، وبالفعل أرسل إليها نسخة يتيمة من المخطوط، فعكفت عليه تحقيقاً وتحريراً وضبطاً حتى فرغت منه وبات معداً للنشر، ولكن كان هناك أمر يشغلها متعلق بنسبة المخطوط للثعالبي، وشك لم يخمده المخطوط بل زاده اضطراماً·
لقد كان الدكتور محمود عبدالله الجادر هو أول من شك في نسبة المخطوط للثعالبي وذلك من خلال دراسته "الثعالبي ناقداً وأدبياَ"، قال: "وقد لاحظت أن مادة الكتاب غريبة على ما هو مألوف من مادة كتب الثعالبي في الاختيارات، فأكثر النصوص للقدماء لا المحدثين، ووردت فيها نصوص عامية لا نعهدها في كتب الثعالبي"·
أما بالنسبة للشكوك العائدة إلى متن الكتاب فتقول المحققة:
1 ـ يفتقد الكتاب مقدمة المؤلف التي اعتدناها في مؤلفات الثعالبي المطبوعة منها على الأقل، والثابت نسبتها إليه·
2 ـ في المخطوط أبيات للأمير الصليحي القائم باليمن (الخبر 772) ومن المعروف أن ثورة الصليحي في اليمن لم تبدأ إلا في سنة 429 هـ وهي السنة التي توفي فيها الثعالبي، ولم يشتهر ذكر الأمير إلا في سنة 455 هـ حين استولى على الممالك اليمنية·
3 ـ عنوان المخطوط غريب عن محتواه، فمادة الكتاب متنوعة متباينة الأغراض لا تختص بالشكوى والعتاب أو ما يقع بين الخلان والأصحاب فقط·
ولم تتوقف المحققة عند هذه الشكوك في النسبة المعتمدة على المتن، وما قاله الدكتور محمود عبدالله الجادر بل برزت لديها شكوك من خارج المتن تتعلق بالذين ترجموا للثعالبي كالصلاح الصفدي وابن شاكر الكتبي وابن القاضي شهبة لم يذكروا هذا الكتاب من بين مؤلفاته·
كل هذه الشكوك تجمعت لدى المحققة أثناء عملها في تحقيق المخطوط، وعندما لم تجد يقيناً يقطع شكها في نسبة الكتاب واصلت العمل بالتحقيق وتركت امر نسبته إلى الأيام المقبلة·
وفي عام 1995 وقعت في يدها نسخة من كتاب "ربيع الأبرار ونصوص الأخبار" للزمخشري (ت 538 هـ) بتحقيق سليم النعيمي، وهنا تقول: "ولفت نظري وأنا أقلب صفحات الخواتيم من الجزء الثاني ومطلع الجزء الثالث منه أن النصوص في المخطوط وفي ربيع الأبرار تتوالى على نسق واحد ويطابق بعضها بعضاً طباقاً لا تفاوت فيه، فبدأت مع هذا الكشف أراجع أبواب الكتابين باباً باباً، واردد النظر بينهما لأتأكد أخيراً أن المخطوط المنسوب للثعالبي ما هو في حقيقته إلا أبواب مستقلة من كتاب الزمخشري "ربيع الأبرار ونصوص الأخبار"·
من هنا ثبت للمحققة بما لايقبل الشك أن الكتاب هو جزء من كتاب أكبر للزمخشري، وأنه كتاب محقق وصادر في بغداد في أربعة أجزاء، فما الجدوى من تحقيق هذا الجزء المبتسر من الكتاب ونشره تحت اسم الشكوى والعتاب؟ إنه السؤال الذي سألته المحققة لنفسها قبل أن يوجهه القارئ إليها·
وقد انطلقت في مسوغات إعادة نشرها لما هو محقق ومنشور من أن نشر أي مخطوط لا يمنع نشره مرة أخرى إذا ما توافرت الدواعي الحافزة إلى ذلك، كما أن إعادة نشر المخطوط لا تعني انتقاصاً من جهد المحقق الأول، وإنما ربما يكون الخلاف واقعاً في منهج التحقيق نفسه، فقد أهمل النعيمي في تحقيقه في جميع أجزاء الكتاب تخريج النصوص شعرية كانت أم غير شعرية، واكتفى بتخريج الآيات القرآنية وما وقع عليه في نهج البلاغة من أقوال للإمام علي بن أبي طالب ]، كما جاء في النص خلوا من ضبط للأشعار والأقوال وأسماء الأعلام مما أدى إلى التباس المراد أحياناً، وأشكال المعنى في مواطن كثيرة أو كاد هذا إلي جانب عدم اعتناء المحقق بمواقع السقط في النص إلى جانب عدم دقته في إحالاته في الهوامش، خصوصاً فيما يتعلق بإحالته على الكتاب نفسه، فضلاً عن فوات الدقة في ترجمة بعض الاعلام والاكتفاء بعبارة "لم أعثر له على ترجمة"·
ولم يكن الأمر ليتوقف عند هذا الحد، فقد أهمل النعيمي أمراً على قدر من الأهمية وهو الفهارس، فأهمل إيراد ثبت بالمصادر التي اعتمد عليها في تحقيق المخطوط، وترك صنع الفهارس جميعها، فالكتاب في أجزائه الثلاثة لا ينطوي على الفهارس إلا فهرس المحتويات، أما الجزء الرابع منه فقد أضاف إلى فهرس المحتويات فهرساً للاعلام وآخر للأشعار فيما يخص هذا الجزء دون سائر أجزاء الكتاب، ولا تخفى على القارئ أهمية الفهارس في مثل هذه الكتب التراثية·
- أقسام الكتاب:
قسمت مادة الكتاب الى أحد عشر بابا هي:
الباب الأول: في العتاب والشكوى والتثريب والبث والاستعطاف وما أشبه ذلك·
الباب الثاني: في العبيد والإماء والخدم والأمر بالاستيصاء بالمماليك خيرا والنهي عن سوء الملكة ونحو ذلك·
الباب الثالث: في العداوة والحسد والبغضاء والشماتة وذكر الأضغان والطوائل والوعيد والتهديد·
الباب الرابع: في العدل والإنصاف واستعمال السوية في القسمة وغيرها من عدل وأوصى بالعدل·
الباب الخامس: في العجز والتواني والكسل والبطء والتردد في الأمر وما أشبه ذلك·
الباب السادس: في العفاف والورع والعصمة وذكر الحلال والحرام ومن تحرج وتنزه من الرجال والنساء·
الباب السابع: في التعجب وذكر العجائب والنوادر وما خرج من العادات·
الباب الثامن: في العشق وذكر من بلى به وقال فيه الشعر ومن مات منهم كمدا ومن رق لهم وترحم عليهم·
الباب التاسع: في العقل والفطنة والشهامة والتدبير والرأي والتجارب والنظر في العواقب·
الباب العاشر: في العمل والكد والتعب والشغل والجد والعزم والنية والكفاية والكيس والعجلة والسرعة والعدو وحسن التأني في الأمور وانتهاز الفرص·
الباب الحادي عشر: العز والشرف وعلو الخطر والتقدم والرياسة والجاه والهيبة والاحتشام والشهرة·
وجميع هذه الأبواب تبدأ بحديث نبوي شريف ثم تأخذ في إيراد الأشعار والأخبار والأقوال المأثورة التي تدور في عنوان الباب حتى تأتي عليه·
ومن يقرأ الكتاب بعناية سوف يقف على جهد التحقيق الذي بذلته المحققة لإخراج النص على هذا النحو المتكامل، فلم تترك شاردة ولا واردة إلا أحصتها بيانا وأثبتتها في هامش الكتاب لتنير بها النص للقارئ دون أن تحمله مشقة الهوامش، فجل الهوامش الواردة في الكتاب ذات فائدة في فهم النص من جهة وإيضاح غامضة من جهة أخرى·
وقد قامت المحققة بترقيم جميع مواد الكتاب، ليحمل كل خبر رقما يفصله ويمايزه عن الخبر الذي يليه، وقد بلغ عدد الأخبار الواردة في الكتاب 785 خبرا، ثم قامت بتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأقوال الشعرية والأقوال المأثورة والتعريف بالأعلام الواردة في ثنايا الكتاب، مقسمة الصفحة الى ثلاثة أقسام، القسم الأول يحمل متن الكتاب، والقسم الثاني الهوامش الشارحة للكتاب "أما القسم الثالث فقد خلصته للفروقات النصية بين المخطوط وكتاب ربيع الأبرار والمطبوع بتحقيق سليم النعيمي·
أما الفهارس وهي أهم ما يميز هذا الكتاب - أيضا - فقد وضعت المحققة فهرسا للآيات القرآنية وآخر للأحاديث والآثار والأخبار وثالثا للأعلام ورابعا للأشعار ثم أردفت الكتاب بفهرس للمصادر والمراجع التي اعتمدت عليها في تحقيق المخطوط·
وتبقى هناك ملاحظة لا أجد بدا من ذكرها، وهي تتعلق بعنوان الكتاب ومؤلفه، فالكتاب طبع تحت عنوان "الشكوى والعتاب وما وقع للخلان والأصحاب" وعلى غلافه كتب المنسوب لأبي منصور الثعالبي، ثم استتبع هذه عبارة تحرير للنسبة وتحقيق للنص، فجميع هذه البيانات الواردة على غلاف الكتاب تشير للوهلة الأولى الى أن هناك كتابا يحمل هذا العنوان وينسب للثعالبي، وتحرير هنا بمعنى التحسين والإصلاح، أي قد يفهم وللوهلة الأولى ـ أيضا - أن المراد إثبات أن الكتاب للثعالبي ولخلاف في نسبته إليه وضعت هذه العبارة·
وبالتالي لا يستطيع قارئ العنوان بداية إلا أن يفهم أن الكتاب الذي يحمل هذا العنوان هو كتاب للثعالبي حقا، ولا يستطيع أن يدرك الحقيقة إلا القارئ الفاحص الذي غادر الغلاف الى قراءة نحو أربع وعشرين صفحة ليتبين أن الكتاب هو جزء من كتاب أكبر ولمؤلف آخر لم يذكر على غلاف الكتاب أصلا·
وإنني أظن أن العنوان الذي حمله الكتاب الى جانب ورود اسم المؤلف غير الحقيقي على غلافه في حاجة الى مراجعة ومطالعة، فمن خلال ما ذكرته المحققة من شواهد ودلائل وقرائن لا يوجد كتاب أصلا يحمل عنوان "الشكوى والعتاب" وعليه، فكيف تنفي المحققة علميا أن يكون هناك كتاب يحمل عنوان الشكوى والعتاب أصلا وتثبت بما لا يقبل الشك أن الكتاب هو جزء من كتاب ربيع الأبرار للزمخشري ثم تتخذ من العنوان المنفي عنوانا للكتاب؟؟
فقد كان من الأجدى - في رأيي - أن يعنون الكتاب على أنه أبواب من كتاب ربيع الأبرار للزمخشري ثم يذكر المنسوب خطأ لأبي منصور الثعالبي تحت عنوان الشكوى والعتاب· ويكون هذا كله على غلاف الكتاب، ليتبين القارئ منذ البداية الخطأ، أو ليس الكتاب بعنوانه؟
وأخيرا:
فلا بد من أن ننحني لهذا الجهد الذي بذلته المحققة واستغرق عشر سنوات من الكد والعناء حتى خرج لنا على هذا النحو، مطالبينها باستكمال تحقيق بقية أبواب كتاب "ربيع الأبرار" على هذا النمط من التحقيق·
وشأننا والمحققة كما قال عمـر بن الخطاب عندما قبضت روح أبـي بكـر رضـي اللـه عنـه وأرسلوا إليه جميع ما كان عند أبي بكر من فيئ فقال: رحم الله أبا بكـر لقـد أتعـب مــن بعده·