· طلاب كويتيون في "مدرسة خدام الدين"
· "الحكم في إسلام أباد لا يعجبنا ونريده مثل "طالبان"
· "الشركة الدولية للجهاد" تتغذى بأموال دولية بعضها خليجية
في الربيع الماضي، أفادت وزارة الخارجية الأمريكية أن جنوب آسيا حل مكان الشرق الأوسط باعتباره المكان الأبرز للإرهاب في العالم· وبرغم كتابة الكثير من المقالات بشأن المتشددين الدينيين في الشرق الأوسط وأفغانستان فليس هناك غير القليل مما يعرفه الغرب عن أولئك (الإرهابيين) المقيمين في باكستان، وربما لأنهم يعملون أساسا في كشمير، الآن على الأقل، ولا يهددون الأمن خارج جنوب آسيا· ويطلق الحاكم العسكري لباكستان الجنرال برفيز مشرف على هؤلاء اسم "مقاتلي الحرية"، وينصح مشرف الغرب بعدم الخلط بين الجهاد والإرهاب· ويعتبر مشرف على حق بشأن التمييز لأن الجهاد يضع حدودا للسلوك الحربي المقبول ويحرم الإرهاب، لكنه يخطئ بشأن أنشطة الجماعات المتشددة· فطرفا الحرب في كشمير وهما الجيش الهندي و"المجاهدون" الباكستانيون يستهدفان آلاف السكان المدنيين وينتهكان تقاليد الحرب الإسلامية العادلة والقانون الدولي·
هناك سببان يجعلان باكستان تساند من يسمون المجاهدين، الأول هو أن الجيش الباكستاني مصمم على أن يجعل الهند تدفع ثمن تغذيتها المزعومة للنزعة الانفصالية في ما كان يسمى باكستان الشرقية عام 1971، وصار يعرف باسم بنغلادش· والسبب الثاني هو أن الهند تقزم باكستان في عدد السكان، القوة الاقتصادية والقدرة العسكرية· ففي عام 1998، أنفقت الهند نحو اثنين في المئة من دخلها القومي القائم وهو 469 مليار دولار على الدفاع، بما في ذلك قوات مسلحة ناشطة قوامها نحو مليون ومئة ألف جندي· وفي السنة نفسها أنفقت باكستان نحو خمسة في المئة من دخلها القومي القائم الذي يبلغ 61 مليار دولار على الدفاع، فما حصلت على غير قوات مسلحة لا يتعدى قوامها نصف الجيش الهندي· وتقدر الولايات المتحدة أن الهند تنشر نحو 400 ألف جندي في كشمير الواقعة تحت الحكم الهندي، أي قوة تعادل ثلثي الجيش الباكستاني كله· وهكذا تساند باكستان المقاتلين غير النظاميين باعتبارهم أداة رخيصة لإيقاف القوات الهندية عند حدها·
لكن ماذا يستتبع مثل هذا الدعم؟ هو يشمل في الحد الأدنى تسهيل مرور المتشددين نحو كشمير الخاضعة للهند· وهذا ما يعترف به المسؤولون الباكستانيون سرا على الأقل· وتعتقد الولايات المتحدة أن باكستان تمول وتدرب وتجهز المقاتلين غير النظاميين· وفي هذه الأثناء، تعتبر الهند أن باكستان تستعملهم باعتبارهم حركة فدائية لتنفيذ "دسائس رخيصة"، وأعمال قتل وإرهاب في الهند· وبدورها تتهم باكستان الاستخبارات الهندية بارتكاب الإرهاب وقتل مئات المدنيين في باكستان·
الآن، تواجه باكستان معضلة الرأس المدبر - العميل: ذلك أن مصالح الرأس المدبر (أي باكستان) والجماعات المتشددة (العميل) ليست متطابقة تماما· فبرغم أن المقاتلين غير النظاميين قد يخدمون المصالح الباكستانية في كشمير عندما يستهدفون الجيش الهندي، فإنهم يقتلون المدنيين ويرتكبون الإرهاب في انتهاك للقوانين والأعراف الدولية· وهذه الجرائم تؤذي السمعة الدولية لباكستان وهي متردية أصلا، وأخيرا، والأكثر أهمية بالنسبة الى الباكستانيين هو أن الجماعات المتشددة التي تساندها باكستان والقتلة الطائفيون من السنة الذين تقول إنها تريد القضاء عليهم يتكاثرون بمعدلات عالية· ذلك أن الحكومة الباكستانية بمساندتها المقاتلين غير النظامين في كشمير تغذي الانقسام الطائفي داخل البلاد وتساند الإرهابيين الدوليين وتنشر تفسيرا عنيفا ومتزمتا للإسلام في المنطقة وتزيد التوترات مع الهند، وكل ذلك يناقض مصالح باكستان ككل·
باكستان: النمط الطالباني
ترقى الحرب بين باكستان والهند الى يوم قيام الدولتين· فعندما تشكلت باكستان رسميا عام 1947، كان على حكام الولايات ذات الغالبية المسلمة داخل الهند البريطانية أن يختاروا الانضمام إما الى الهند أو الى باكستان· وقد اختار الحاكم الهندوسي لولاية جامو وكشمير ذات الغالبية المسلمة الانضمام الى الهند مدفوعا الى ذلك جزئيا بفعل تمرد قبلي وقع في الولاية· وقد ردت باكستان على ذلك بإرسال قواتها· وانتهى القتال الناجم من ذلك باتفاق على وقف النار في عام 1949، لكن الحكومة الباكستانية واصلت سرا مساندة المقاتلين غير النظاميين في كشمير· وقد جادلت إسلام أباد آنذاك على نحو ما تفعل الآن بأنها لا تستطيع السيطرة على المتطوعين الذين لا يشملهم وقف إطلاق النار باعتبار أنهم مجرد أفراد (من جهة ثانية، أفتى مولانا أبو الأعلى المودودي وهو مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان بأن الأفراد المجاهدين لا يمكنهم إعلان الجهاد)·
يعترف المسؤولون الباكستانيون بأنهم حاولوا مرارا تغذية النزعة الانفصالية في كشمير في العقود التي أعقبت وقف إطلاق النار لعام 1948· وهذه المحاولات كانت غير ناجحة، ذلك أنه عندما انفلت عنف الانفصاليين في الثمانينات، كانت الحركة عفوية· فالمسؤولون الهنود يعترفون بذنبهم ومسؤوليتهم عن نشوء وضع لا يطاق في المنطقة· فقد تجاهلوا المشكلات الاقتصادية الكبيرة في كشمير والفساد المستشري والانتخابات المغشوشة وتدخلوا في السياسات الكشميرية بطريقة تناقض دستور الهند نفسه·
واستنادا الى العالم الأمريكي سوميت غانغولاي، كانت الانتخابات التشريعية المحلية المزورة لعام 1987 القشة التي قصمت ظهر البعير بعد سلسلة من الإهانات فأفضت بحلول عام 1989 الى استشراء حركة العنف· وبحلول عام 1992، انضم مواطنون باكستانيون وبعض خريجي الحرب الأفغانية الى القتال في كشمير·
وهكذا، تحول ما بدأ حركة عفوية غير دينية من أجل الاستقلال الى حملة إسلامية متصاعدة لاستكمال السيطرة الباكستانية على كشمير· وهكذا صارت الجماعات الإسلامية (ومنها حزب الماهدين وهو جماعة متمركزة في كشمير أسستها الجماعة الإسلامية وتمولها باكستان جزئيا) أكثر قوة من الجماعات غير الدينية التي تتخذ كشمير مقرا لها· وتقدر الحكومة الهندية أن نحو 40 في المئة من المتشددين في كشمير هم باكستانيون أو أفغان، وأن 80 في المئة هم مراهقون· وبرغم أن العدد الحقيقي لهؤلاء غير معروف، تقدر الحكومة الهندية أن هناك من 3000 الى 4000 "مجاهد" في كشمير في أي وقت·
أيا كانت الأعداد الحقيقية لتلك الجماعات الباكستانية المتشددة، ومنها جماعة "لاشكار - إي - تايبا" و"حركة المجاهدين" فهي تنطوي على خطر بعيد المدى على الأمن الدولي، والاستقرار الإقليمي وعلى باكستان نفسها· فبرغم أن جدول أعمالها يقتصر حاليا على "تحرير" كشمير التي يعتقد المجاهدون أن الهند ضمتها بطريقة غير شرعية، فإن غايتها اللاحقة هي تحويل باكستان دولة إسلامية حقا· فإسلام أباد تستعمل هؤلاء المتطوعين لتحقيق التوازن مع الهند· غير أنها تربي في هذه العملية وحشا يهدد بافتراس المجتمع الباكستاني·
مدارس الحقد
في باكستان كما في كثير من البلدان النامية ليس التعليم إجباريا· والبنك الدولي يقدر أن نحو 40 في المئة فقط من الباكستانيين متعلمون، في حين أن كثيرا من المناطق الريفية ليس فيها مدارس· غير أن المدارس الدينية الإسلامية موجودة في جميع أنحاء البلاد وما تقدمه لا يقتصر على التعليم المجاني وحده، إنما يشمل التغذية والإسكان والكساء مجانا أيضا· وفي المناطق الفقيرة لجنوب ولاية البنجاب تتلقى المدارس الدينية تمويلها من حزب "جيش الصحابة" السني الطائفي، بل يقال إنه يدفع أموالا للأهالي حتى يرحلوا أطفالهم·
في الثمانينيات، عمل الدكتاتور الباكستاني الجنرال ضياء الحق على رفع شأن المدارس الدينية باعتبارها طريقة للحصول على مساندة الأحزاب الدينية لنظامه وتجنيد المقاتلين لخوض الحرب ضد السوفييت في أفغانستان· وفي بعض الأحيان، كانت المدارس تتلقى تمويلها من الزكاة، أي الأموال التي تجمعها الدولة فيكون للحكومة شيء من السيطرة على المدارس· لكن مزيدا ومزيدا من المدارس صار يتلقى تمويله الآن من جهات خاصة مثل الصناعيين الباكستانيين الأغنياء في داخل البلاد أو خارجها ومن جهات خاصة وهيئات حكومية وغير حكومية في دول الخليج وإيران· وهكذا تدعو هذه المدارس من دون أي رقابة حكومية باكستانية الى تفسير متزمت وعنفي للإسلام·
معظم المدارس لا يقدم غير التعليم الديني متجاهلا الرياضيات والعلوم والموضوعات الأخرى غير الدينية ذات الأهمية في تسيير المجتمعات الحديثة· وعلى نحو ما حذر المودودي عام 1960 في كتابه "المبادئ الأولى للدولة الإسلامية" فإن "أولئك الذين يختارون الجانب اللاهوتي في التعليم يجعلون أنفسهم جاهلين (للموضوعات غير الدينية) فيبقون عاجزين عن تقديم أي مساعدة للناس في ما يخص المشكلات السياسية المعاصرة"·
والأسوأ من ذلك أن بعض مدارس المتطرفين تدعو الى الجهاد وتعلمه من دون أن تدرك مفهومه، فهذه المدارس تشجع خريجيها الذين لا يستطيعون في غالب الأحيان العثور على فرصة عمل لفقدانهم التعليم التطبيقي على "تأدية التزاماتهم الروحية" بمقاتلة الهندوس في كشمير أو بمحاربة المسلمين غير السنة في باكستان· ويعتقد المسؤولون الباكستانيون أن ما بين عشرة و15 في المئة من عشرات آلاف المدارس الدينية تتبنى مثل هذه العقائد المتطرفة·
يعترف وزير الداخلية الباكستاني معين الدين حيدر بوجود هذه المشكلات· وقال إن "التفسير الحالي للإسلام الذي تدعو إليه المدارس لا يصب في مصلحة باكستان· فبعض المدارس يبث روح العنف الطائفي تحت مسحة التعليم الديني فيسمم عقول الناس"· وفي يونيو الماضي أعلن حيدر خطة إصلاحية تطلب من جميع المدارس أن تسجل نفسها لدى الحكومة وأن توسع المنهاج الدراسي وأن تكشف مصادرها المالية وأن تطلب الإذن قبل قبول الطلاب الأجانب وأن توقف إرسال الطلاب الى مخيمات التدريب العسكري·
ليست هذه المرة الأولى تعلن الحكومة الباكستانية مثل هذه الخطة، وحتى الآن يبدو أن إصلاحات حيدر أخفقت، إما بسبب لا مبالاة النظام أو رفض المدارس لخطة التنظيم أو للسببين معا· فمن أصل نحو 40 ألفاً الى 50 ألف مدرسة لم يتقدم الى التسجيل غير نحو 4350 مدرسة· وبعضها ما زال يرسل الطلاب الى التدريب العسكري برغم رفض الأهالي· وفوق ذلك، يرفض بعض مديري المدارس توسيع المنهاج الدراسي، مؤكدين أن المدارس هي أقدم من باكستان نفسها لما كانت نشأت في العراق منذ 1200 سنة، كما يقول مدير مدرسة خدام الدين· ويرفض مدير مدرسة دار العلوم الحقانية ما يسميه محاولة الحكومة "القضاء على روح المدارس تحت غطاء توسيع المنهاج"·
وقد أبلغني مجيب الرحمن إنقلابي الرجل الثاني في قيادة "جيش الصحابة" أن خطة حيدر هي "معادية للإسلام" واشتكى من أنه حين سيطرت الدول على المدارس كما حصل في الأردن ومصر "انطفأ محرك الجهاد، وقال إن أمريكا على حق لأن المدارس هي خطوط إمداد الجهاد·
"الشركة الدولية للجهاد"
إذا كانت المدارس تقدم القوة البشرية العاملة الى "الجهاد" فإن أغنياء باكستانيين وعربا في أنحاء العالم يقدمون رأس المال· ففي عيد الأضحى، يستطيع بعضهم تقديم أضحية تكون بمثابة تغطية تحت اسم عمل الخير· والجماعات الباكستانية المتشددة تطلب مثل هذه الهبات التي تعتبرها مصدرا مهما لتمويل أنشطتها في كشمير·
غير أن الجزء الأعظم لتمويل الجماعات المتشددة يأتي من تبرعات سرية مرسلة مباشرة الى حساباتها المصرفية· فجماعة "جيش الأطهار"، وجماعة "أهل الحديث" المتنامية بسرعة تجمعان التبرعات عبر شبكة الإنترنت· وقد جمع "جيش الأطهار" والمنظمة التي انبثق منها وهي "مركز الدعوة والإرشاد" كثيرا من الأموال ومعظمها من متبرعين من دولة خليجية كبيرة، ويقال إنه يخطط لفتح بنك خاص به·
يستفيد "المجاهدون" الأفراد (حسب تعبير باكستان) أيضا من هذا التمويل السخي· وقد أبلغني أحمد رشيد وهو صحافي باكستاني بارز أن هؤلاء المجاهدين يستفيدون من هذه الغنيمة· وقال لي مدير متوسط الرتبة في "جيش الأطهار" أنه يتلقى راتبا شهريا قدره 1500 روبية، أي أكثر من سبعة أضعاف ما يجنيه الباكستاني العادي حسب صندوق النقد الدولي· بل إن الزعماء الكبار للجماعات المتشددة يحصلون على المزيد، فقد أخذني أحد الزعماء الى منزله الضخم الذي يعج بالخدم ويزدان بالأثاث الضخم· أما المقاتلون العاديون فيتلقون أجورا أقل لكنهم ينالون مكافآت نظير مهماتهم الناجحة· ومثل هذه المداخيل مغرية في بلد تبلغ نسبة الفقر فيه 40 في المئة حسب إحصاءات الحكومة·
لقد ضخت الولايات المتحدة الأمريكية وإحدى الدول الخليجية 3,5 مليار دولار الى أفغانستان وباكستان إبان الحرب الأفغانية، استنادا الى ميلت بيردن رئيس محطة الاستخبارات المركزية الأمريكية في باكستان من عام 1986 الى عام 1989 وصار "الجهاد" والاتجار بالأسلحة والمخدرات أهم بيزنس في المنطقة· وما زال بيزنس "الجهاد"، الذي سماه العالم الباكستاني الراحل إقبال أحمد "الشركة الدولية للجهاد" يجتذب المستثمرين الأجانب ومعظمهم أغنياء عرب في دول الخليج وأفراد من الدياسبورا (الانتشار) الباكستاني في العالم (وكما لاحظ اقتصادي البنك الدولي بول كولييه غالبا ما تعمل الشعوب المنتشرة في العالم على تطويل النزاعات العرقية والدينية لا بالتمويل وحده إنما أيضا ببث التطرف لما كانت حماسة السكان المحليين تقف عند حدود خسارة أبنائهم في القتال)·
ومع مواصلة ما يسمى حركة الجهاد الحصول على زخمها المالي، سيصعب على باكستان أكثر فأكثر أن تغلق المدارس إذا حاولت ومتى فعلت· فطالما بقيت "الشركة الدولية للجهاد" رابحة ومفيدة، سيواصل أصحاب المصلحة في استمرار الحرب تمويلها· وبقدر ما تطول الحرب في كشمير يزداد تجذر هذه المصالح·
الإدمان على الجهاد
على نحو ما يكون بعض المقاتلين معتمدين ماليا على ما يسمونه جهادا فإن آخرين صاروا يعتمدون عليه روحيا وسيكولوجيا· فكثير من المقاتلين غير النظاميين الذين حاربوا في أفغانستان صاروا يحاربون الآن في كشمير، ويتطلعون على الأرجح الى خوض حروب جهادية أخرى حتى ضد باكستان نفسها· فقد قال لي المقاتل خليل وهو "مجاهد" منذ 19 عاما ولا يتصور أن يعيش أي حياة أخرى أن "المدمن على الهيرويين يمكنه أن يقلع عنه إذا حاول حقا، لكن المجاهد لا يستطيع ترك الجهاد"· وقال لي مقاتل آخر من حركة الجهاد "أنا مدمن روحيا على الجهاد· ونحن لن نتوقف حتى لو أعطتنا الهند كشمير (···) حسنا سنقوم بالجهاد هنا أيضا· وهناك الآن حركة تريد أن تجعل باكستان دولة إسلامية نقية· فكثيرون يدعون الى الإسلام، لكنهم لا يعرفون ماذا يعني· ونحن نريد أن نرى نظاما مثل نظام (حركة) طالبان هنا"·
مثل هذه التطلعات شائعة في صفوف المقاتلين غير النظاميين الذين قابلتهم في السنتين الماضيتين· ذلك أن حركة "الجهاد" تنمي زخما روحيا الى جانب زخمها المالي· فالمدارس، لا سيما مدارس المتطرفين، غالبا ما تعلم طلابها أن الجهاد، أو بالأحرى الإرهاب تحت صبغة الجهاد، هو واجب ديني· وفي حين أن العائلات الباكستانية الغنية تفضل أن تقدم أموالها لهذه الحركة لا أبناءها، فإن العائلات الفقيرة ترسل أبناءها الى "الجهاد" على اعتقاد منها أن هذا هو الطريق الوحيد لتأدية الواجب الديني·
وقد قالت لي أم لقي ابنها حتفه أخيرا وهو يقاتل في كشمير إنها ستكون سعيدة لو سقط أبناؤها الستة الباقون شهداء· وقالت: "سيساعدونني في الحياة الآخرة التي هي الحياة الحقيقية"·
عندما يسقط فتى شهيدا، يجتمع آلاف الناس لحضور جنازته وتغدو العائلات الفقيرة عائلات مشهورة· فالكل يعاملها بمزيد من الاحترام من بعد أن تفقد أحد أبنائها، حسب ما قال لي والد أحد الشهداء· وأضاف: "عندما يسقط للقرية شهيد، فهو يشجع أطفالا آخرين على الانضمام الى الجهاد· إنه يرفع الروح المعنوية للقرية كلها"· وفي العائلات الفقيرة ذات الأطفال الكثيرين يمكن الأم أن تتوقع وفاة بعض أبنائها بالمرض إن لم يكن بالحرب· وهذا يسهل عليها أن تمنح أحد أبنائها لما ترى أنه قضية عادلة·
كثير من هذه العائلات يتلقى معونة مالية من الحركات المتشددة· وتقول "مؤسسة شهداء الإسلام" التي أنشأتها "الجماعة الإسلامية" الباكستانية عام 1995 إنها انفقت 13 مليون روبية على عائلات الشهداء· وهي تؤكد أنها تؤمن معونة مالية لـ 364 عائلة بدفع ديونها وإقامة مشروعات صغيرة لها أو مساعدتها في بناء المساكن· وفوق ذلك، تقدم المؤسسة عونا روحيا ونفسيا للعائلات بإقناعها أنها فعلت الصواب بتقديم أبنائها لمساعدة إخوتهم في الدين في كشمير· وقد أنشأ كل من "جيش الأطهار" و"حركة المجاهدين" أيضا منظمتين لمكافأة عائلات الشهداء في ممارسة كانت شائعة لدى العصابات في الأحياء الداخلية لمدينة لوس أنجليس ولدى منظمة "القاعدة" ــــ بزعامة أسامة بن لادن ــــ وإذا كانت مثل هذه المنظمات تقدم الدعم المالي والروحي فهي تعمل في الوقت نفسه على تأييد ثقافة العنف·
إن المقارنة بين العصابات والجماعات الإرهابية مناسبة تماما لما كانت منظمات المقاتلين غير النظاميين تجند مجرمين محترفين لتنفيذ المهمات القذرة، ولأن هذه المنظمات تتحول بنفسها الى الجريمة المنظمة، فهي تجند المجرمين للقيام بتفجيرات وأعمال قتل قد يمتنع بعض المقاتلين غير النظاميين عن تنفيذها· فعلى سبيل المثال، اعترف أعضاء عصابة تتخذ إحدى الدول الخليجية مقرا لها بعدما فجروا مبنى سوق الأسهم في بومباي في مارس من عام 1993 أنهم وصلوا الى إسلام أباد في فبراير حيث دربهم مقاتلون باكستانيون غير نظاميين على إلقاء القنابل اليدوية وإطلاق النار برشاشات كلاشنكوف· وقد لاحظت السلطات الأمنية الباكستانية أن جوازات المنفذين لم تحمل أختام دخول باكستانية ما يعني أن حكومة إسلام أباد كانت متواطئة·
يكون المجرمون المنضمون الى حركات المجاهدين أقل التزاما لأهداف هذه الحركات وأشد ميلا الى العنف لحد ذاته أو من أجل المال· فعندما ينضم المجرمون الى الجيوش الخاصة غير النظامية تنهار الحواجز الأخلاقية التي تمنع القتل الجماعي والهجمات العشوائية· ويؤدي انضمام المجرمين الى الحركات الى تفاقم مشكلة الرأس المدبر - العميل في باكستان: فالمرتزقة غالبا ما تكون السيطرة عليهم أصعب من السيطرة على الأفراد الذين تكون غاياتهم متساوقة على الأقل جزئيا مع غايات الدولة·
تصدير الجهاد
ما يؤدي أيضا الى تفاقم مشكلة "الرأس المدبر - العميل" هو أن الجماعات الباكستانية المتشددة تصدر نسختها الخاصة للجهاد الى جميع أنحاء العالم· فاستنادا الى مديرها، تعمل "مدرسة خدام الدين" على تدريب طلاب من بورما، النيبال، الشيشان، بنغلادش، أفغانستان، اليمن، منغوليا والكويت· ومن أصل 700 طالب في المدرسة هناك 127 طالبا أجنبيا· وفي "مدرسة العلوم الحقانية" التي تأسست فيها حركة طالبان، نصف الطلاب أفغان، وهي تدرب أيضا طلابا من أوزبكستان، طاجيكستان، روسيا وتركيا، وتعمل الآن على توسيع طاقتها الاستيعابية حتى تضم من مئة الى خمسمئة طالب أجنبي حسب ما أفاد مديرها· وقد أبلغني طالب شيشاني أن غايته بعد العودة الى الشيشان هي مقاتلة الروس· واستنادا الى وزارة الخارجية الأمريكية، تعمل الجماعات والأفراد الباكستانيون من التيار المتشدد على تدريب وتمويل "الحركة الإسلامية في أوزبكستان" وهي منظمة إرهابية تريد إطاحة الحكومات العلمانية في آسيا الوسطى·
كثير من الجماعات المتشددة الملازقة للمدارس الدينية الراديكالية يعلن عزمه على إدخال الجهاد الى الهند نفسها كما الى الغرب الذي تعتقد الجماعات أن اليهود يحكمونه· فقد أعلن "جيش الأطهار" عزمه على "رفع الرايات الإسلامية في دلهي، تل أبيب وواشنطن" ويحتوي أحد مواقع الإنترنت لهذه الجماعة قائمة مزعومة لأسماء يهود يعملون في إدارة كلينتون ومنهم مدير الطاقم الرئاسي الشخصي للرئيس روبرت ناش (وهو أفريقي أمريكي من ولاية اركنساس) ومدير الاستخبارات المركزية جورج تينيت (أمريكي من أصل يوناني) وتتهم الجماعة إسرائيل أيضا بدعم الهند في كشمير· وعندما سئل أحد زعماء حركة المجاهدين عن قائمة الكتب التي يفضلها قال إنه يفضل تاريخ هتلر "لأنه أدرك أن اليهود والسلام لا يتعايشان" وكثير من الجماعات الإسلامية يعرض صورا عن إحراق أعلام أمريكية في روزناماتها·
الجهاد الداخلي
ربما كان "الجهاد" ضد الغرب حتى الآن على الأقل مجرد حماسة خطابية، لكن الحرب الطائفية التي اندلعت منذ عشر سنين بين السنة والشيعة في باكستان هي حقيقية وقاتلة· فقد تشكلت "الحركة الجعفرية الباكستانية" لحماية مصالح الشيعة الباكستانيين الذين شعروا بالتمييز عندما طبق الجنرال ضياء الحق القوانين السنية في ما يخص الميراث وجمع الزكاة· وقد ساعدت إيران في تمويل هذه الحركة على أمل منها في أن تكون بمثابة قاطرة لثورة إسلامية بالطريقة الإيرانية في باكستان· وبعد خمس سنين أسس حق نواز جنقوي وأحد شيوخ "جماعة علماء الإسلام" ما يسمى "جيش الصحابة" حتى يتصدى للحركة الجعفرية وليحمي مصالح السنة الباكستانيين· وقد تلقى هذا التنظيم تمويلا من دولة خليجية كبرى والعراق· ومذ ذاك تشكلت عصابات القتل لدى كل من الطرفين·
بعدما حاولت عصابة "لشكري - جنقوي" اغتيال رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف مطلع عام 1999 اقترح شريف توسيع المحاكم العسكرية الخاصة التي تحاكم الجرائم الإرهابية حتى تمتد من كراتشي الى بقية باكستان· ولكن المحكمة الدستورية الباكستانية قضت لاحقا بأن هذه المحاكم غير دستورية·
ثم واصل الجنرال مشرف محاولة السيطرة على الجماعات الإرهابية بتنفيذ "خطة نزع سلاح" الى جانب خطط أخرى لخفض توافر الأسلحة للعصابات الطائفية والمجرمين·
لكن مشكلة مشرف تكمن في أنه يستحيل تعزيز "الجهاد" في كشمير وفي أفغانستان من دون تغذية الروح الطائفية في باكستان حتما· فهذه الحركات تتقاسم مدارس دينية ومخيمات تدريب وأجهزة بيروقراطية وعناصر تنفيذية· فقد ساعدت "حركة علماء الإسلام" التي أنشأت "جيش الصحابة" أيضا في تأسيس حركة "طالبان" و"حركة المجاهدين"· وتصدر مدارس ديوباندي فتاوى معادية للشيعة، ويتعلم الفتيان الذين يتدربون للقتال في كشمير أن الشيعة كفار· ويقال إن "جيش محمد" الذي انبثق من الحركة ليكون أحدث التنظيمات المتشددة في كشمير أنه استفاد من جماعة "جيش الصحابة" لجمع التبرعات هذه السنة·
ويقول انقلابي الذي أطلق سراحه في الآونة الأخيرة بعدما قضى أربع سنوات في السجن لإدانته بالتورط في جرائم طائفية إنه "وقتما يرغب أحد فتياننا في القيام بالجهاد فهو ينضم الى الطالبان أو الى حركة المجاهدين أو "جيش محمد" وكلها جماعات من ديوباندي يعتبرها قريبة من "جيش الصحابة"·
أدت الاشتباكات الطائفية والي مقتل وجرح آلاف الباكستانيين منذ عام 1990· واستنادا الى ما يقول البروفسور الأمريكي والي نصر، تحولت الاختلافات الفقهية بين المسلمين السنة والشيعة الى حرب سياسية معلنة ذات تداعيات على القانون والنظام والتماسك الاجتماعي وسلطة الحكومة فالحكومة الباكستانية العاجزة تركت إحدى الدول الخليجية وإيران خوض حرب بالواسطة على الأراضي الباكستانية ذات عواقب مدمرة بالنسبة الى الشعب الباكستاني·
الى أين تسير باكستان؟
باكستان دولة ضعيفة، وسياساتها تزيد ضعفها· فاقتصادها الكارثي الذي يزيده سوءا سلسلة من الزعماء الفاسدين هو منشأ جميع مشكلاتها· وبرغم الفقر، تنفق باكستان مئات ملايين الدولارات على الأسلحة بدلا من المدارس والصحة العامة· والمفارقة أن السياسات الحكومية الرامية الى خفض التكاليف تؤدي الى مزيد من المشكلات· ففي محاولة لخفض انفاق الأموال في المدى القصير باستعمال المقاتلين غير النظاميين في كشمير والاعتماد على المدارس الدينية لتعليم شبانها، صارت باكستان تسير في طريق يقودها الى الكارثة حتما في المدى البعيد لأنه يسمح لثقافة العنف أن تتجذر·
لقد طلبت الولايات المتحدة من باكستان أن تقمع الجماعات المتشددة وأن تغلق بعض المدارس، غير أن الولايات المتحدة ينبغي عليها أن تقوم بأكثر من مجرد التوبيخ· فقبل كل شيء، ساعدت الولايات المتحدة وإحدى الدول الخليجية في تأسيس أول "جهاد" دولي لمحاربة الاتحاد السوفييتي خلال الحرب الأفغانية· وقد تساءل أحد المسؤولين الباكستانيين: "هل تنتظر الولايات المتحدة أن نرسل قواتنا لإغلاق المدارس· الجهاد هو نظام عقلي تطور عبر سنين طويلة خلال الحرب الأفغانية· ولا يمكنك أن تغيره في 24 ساعة"·
إن المساهمة الأهم التي يمكن أن تقدمها الولايات المتحدة هي المساعدة في تقوية نظام التعليم غير الديني في باكستان· ونظرا الى ضياع كثير من المساعدات الدولية لباكستان بفعل الفساد، يمكن تقديم المعونات من الجهات الحكومية والخاصة بصورة سلع غير قابلة للبيع مثل الكتب والمباني والمدرسين والتدريب، بدلا من تقديم الأموال· وينبغي إرسال معلمين ناطقين بالأوردو من جميع أنحاء العالم الى باكستان للمساعدة·
فوق ذلك، تؤدي مساعدة باكستان بهذه الطريقة الى جعل العالم أكثر أمانا· فكما يلاحظ المراقبون باستمرار، يشكل النزاع بين باكستان والهند أحد أقصر الطرق نحو الحرب النووية في عالم اليوم· فأعمال التسلل الى كشمير من جانب المقاتلين غير النظاميين تؤدي الى تصاعد النزاع فيزداد خطر الحرب النووية·
وإذا كانت الولايات المتحدة قادرة على المساعدة، ينبغي على باكستان أن تودي بدورها ما يجب عليها: محاربة الفساد، تعزيز المؤسسات الديمقراطية وإعطاء التعليم أولوية أعلى· لكن أيا من ذلك لن يحصل إذا واصلت باكستان تخصيص 30 في المئة من موازنتها الوطنية للدفاع·
والأهم من ذلك أن على باكستان أن تعترف بحقيقة الجماعات المتشددة كما هي: عصابات خطرة تزداد مواردها وقدراتها المالية نموا فتهدد بزعزعة استقرار المنطقة كلها· بل إن استمرار باكستان في مساندة هذه الجماعات يوحي بأنها لا تعترف بضعفها إزاء ثقافة العنف التي أنشأت·
بقلم جيسيكا شتيرن محاضرة في السياسة العامة لدى كلية كينيدي لنظم الحكم في جامعة هارفرد وعضو رديف في مجلس العلاقات الخارجية·
("فورين أفيرز")