كتاب: آرام دمشق وإسرائيل
المؤلف: فراس السوّاح
عرض: عبدالرحمن حلاق
إن فيض المعلومات الأركيولوجية الجديدة الذي تراكم خلال السنوات العشرين الماضية، والذي أخذ الآن فقط بالانتظام، في شبكة مفهومة أمام المؤرخ قد فرض الأرضية اللازمة لإعادة النظر في تاريخ فلسطين القديم، ومسألة نشوء إسرائيل وزوالها، في السياق العام لهذا التاريخ، وفهم علاقة تاريخ إسرائيل القديمة بالتاريخ اليهودي، وهي علاقة قد بدأت الآن بالاتضاح على خلفية المعلومات الجديدة·
لقد تبين عدم وجود صلة بين الصورة التاريخية والصورة التوراتية لإسرائيل القديمة وأن الصورة التوراتية ما هي إلا أخيولة أدبية تم ابتكارها في الأزمنة المتأخرة·
يعمد الباحث في المرحلة الأولى الى توضيح معالم "إسرائيل التوارتية" كما رسمتها الأسفار الخمسة المدعوة بالتاريخية· ثم يقوم بعملية استقصاء للوجود الموضوعي لهذه "الإسرائيل" اعتمادا على النقد النصي والتاريخي والأركيولوجي لكل سفر على حدة·
في المرحلة الثانية ينتقل الى دراسة أصول ومسار حياة "إسرائيل التاريخية" اعتمادا على نتائج نقده السابق، وعلى علم الآثار الحديث المدعم بالعلوم المساعدة مثل الأنثربولوجيا، علم السوسيولوجيا، وعلم مناخ وبيئة العصور القديمة، وغيرها من العلوم التي صارت معونتها الميدانية والنظرية أمرا لا غنى عنه لأي بحث أثري·
وأخيرا يتوقف الباحث عند فترة يدعوها بفترة التاريخ اليهودي في فلسطين وهذا التاريخ اليهودي، الذي تأخذ ملامحه بالتوضح خلال العصر الفارسي (500-400) لا علاقة له بالتاريخ الإسرائيلي، وليست الاستمرارية بين التاريخين سوى استمرارية كرنولوجية، لا تحمل صلة ثقافية حقيقية بين المرحلتين·
إن ما بدا لنا، حتى الآن، من اتصال الإسرائيلي باليهودي، ما هو إلا ابتداع أيديولوجية توراتية، استكمل المحررون التوراتيون من خلاله أخيولتهم الأدبية الرامية الى ابتكار أصول لليهودية المحدثة في فلسطين خلال العصر الفارسي·
قد يستغرب القارئ هذه الفكرة لكن صفحات الكتاب تقوم بتوثيقها وتوضيحها وفق منهجية علمية بعيدة عن السمة الإعلامية السياسية·
الخلفية التاريخية العامة للحدث التوراتي
تشير البيانات الأركيولوجية واللغوية اليوم، الى أن المنطقة السورية، الواقعة بين الفرات والبحر المتوسط، كانت مسكونة بعناصر سامية منذ أواخر الألف الرابع قبل الميلاد· وتحمل المدن أسماء سامية لا لبس فيها مثل أريحا وبيت شان، وبيت يارح، وعكا، وصيدون، وغيرها· كما أن اللقى الأثرية وبقايا الهياكل العظمية تشير الى استمرارية عرقية وثقافية واضحة، ترقى الى الألف الرابع وتتجاوزه· ويبقى التركيب السكاني دون تغيير منذ أواخر العصر النحاسي·
وفي إجابة عن هوية هؤلاء الساميين وأصلهم يشير الباحث الى أن الدراسات اللغوية المقارنة الحديثة، قد أحدثت تغييرا عميقا في معرفتنا للأصول السكانية لدرجة بات علماء الآثار على قناعة تامة بسذاجة نظرية الهجرات من شبه الجزيرة العربية· فقد توضحت الآن ملامح لغة أفرو- سامية، كانت سائدة، تفرعت فيما بعد الى سامية وإفريقية· ففيما بين الألف السادس والألف الخامس قبل الميلاد، تعرض الشمال الإفريقي الى موجة جفاف طويلة وحادة، أدت الى التشكل التدريجي للصحراء الإفريقية، والى هجرات نحو مصر وآسيا الغربية· وقد قادت هذه الهجرات الى تكوين اللغة المصرية القديمة، واللغات البربرية، فيما وراء الصحراء الليبية، واللغة السامية الأم في سورية· وهي السامية الغربية ومنها انشقت السامية الشرقية التي طورها النازحون باتجاه وادي الرافدين·
لقد ازدهرت الحضارة الزراعية في سورية منذ الألف الثامن قبل الميلاد· وكانت الثورة الثقافية (النيوليتية) ثورة العصر الحجري الحديث، قد بلغت ذروتها إبان الفترة التي وصلها النازحون من شمال إفريقية، وكان كل ما لديهم لغتهم التي تمازجت مع اللغة المحلية لينتج هذا التفاعل اللغة السامية الأصلية، التي انتقلت الى شبه الجزيرة العربية، أواخر عصر البرونز المبكر أي نحو (2000) ق·م· فقد ساد في هذا الوقت المنطقة جفاف حار وطويل، أدى الى انهيار ثقافة البرونز المبكر وبالتالي الى هجرات واسعة النطاق·
ومع أواخر الألف الرابع وخلال الثورة النيوليتية ظهرت المدن الأولى في سومر جنوب وادي الرافدين، تبعتها المدن المصرية، فمدن بلاد الشام· أما في فلسطين فقد بقيت التجمعات السكانية أقرب الى القرى الكبيرة، ذات طابع اقتصادي محلي ومع غياب البينة على وجود سلطة مركزية في أي من المناطق الفلسطينية، خلال الألف الثالث، واعتمادها على الزراعة فقط، وفقدان البضائع الكمالية، وغياب الكتابة، تجعل من الصعب التحدث عن نشوء مدن بالمعنى الحقيقي خلال هذه الفترة·
ومع بداية الألف الثاني قبل الميلاد انتهت فترة الجفاف وبدأت المدن تزدهر من جديد في سورية ومصر وبلاد الرافدين حيث بدأت الدولة البابلية القديمة بالتشكل "أشهر ملوكها حمورابي" وقد تطابقت بداية فترة الازدهار هذه مع بداية عصر البرونز الوسيط (1950-1550 ق·م) وقد أظهرت المخلفات المادية للبرونز الوسيط استمرارية، حضارية مشابهة مع الفترة الانتقالية مع البرونز المبكر وصورة لوحدة ثقافية تجمع كل المناطق في بوتقة واحدة· وكانت اللغة البابلية هي ذاتها الآكادية معدلة بعض الشيء· وفي فلسطين نضجت البنى الأساسية للمدن التي كانت أشبه بالقرى خلال الألف الثالث· أما في مصر فلم تعمد المملكة المتوسطة التي قامت مع مطلع البرونز الوسيط (الأسرة الثانية عشرة فنحو /1730 ق·م/) استولى الهيكسوس على الحكم· والهيكسوس كلمة تعني (حكام الأراضي الأجنبية)· وتبين أسماء ملوكهم أصولهم المختلطة فمنهم السامي، ومنهم الحوري والنصوص المصرية لا تبين أكثر من كونهم جاؤوا من آسيا الغربية (سورية) إلا أن بداية العصر البرونزي الوسيط قد شهدت تحركات سكانية كبيرة، من وإلى المنطقة السورية، من أهمها تلك الهجرة الواسعة لجماعات غير سامية وفدت من الشرق والشمال الشرقي، لتستقر في الشمال السوري والجزيرة العليا "مملكة ميتاتي" وكان حكامهم من أصول هندو - أوروبية·
الى جانب هذه التحركات الحورية والهندو - أوروبية، لدينا تحركات واسعة النطاق لجماعات معروفة باسم "الخابيرو"· لم تستطع النصوص في شتى الممالك السورية أن تحدد لغة تجمع بينهم، أو تشير الى انتماء عرقي محدد، كما أن النصوص لا تساعدنا على تحديد نمط حياة موحد لهذه الجماعات· فهم أحيانا جنود مرتزقة وأحيانا عمال مأجورون وأحيانا جماعات هائمة من النهابين وقطاع الطرق وأحيانا خدم في الجيش وإضافة الى ذلك تؤكد نصوص أوغاريت أن مناطق تواجدهم تشكل موئلا للهاربين من يد العدالة فالخابيرو أو "العابيرو" فئة اجتماعية، وليسوا فئة عرقية، شتات من الجماعات التي لم تجد لها مكانا في الهيكل الاجتماعي والسياسي لدويلات وممالك عصر البرونز· بعضهم وفد الى المنطقة من خارجها، وبعضهم من البوادي الداخلية وبعضهم من شذاذ الآفاق والمغامرين أو حثالة الشرائح السفلى، للمجتمعات الحضرية تبحث عن حظوظ جديدة ففي أوقات انعدام الأمن يعمدون للسلب والنهب، وفي فترات استتباب الأمن يؤجرون أو يحاربون بأجر·
وفي عصر البرونز الوسيط هذا تبدأ القصة التوراتية، على ما يجمع عليه المؤرخون والباحثون التوراتيون· مع عائلة تهيم على وجهها، انطلاقا من مدينة أور على الفرات الأدنى، على عادة تلك الجماعات الهائمة، من صيادي الحظ المقتلعين من جذورهم الاجتماعية ممن غذوا عادة تجمعات "الخابيرو" على حدود المراكز الحضارية·
المستويات النقدية عند الباحث:
حتى نهاية الباب الأول من الكتاب يتتبع الباحث أسفار التوراة· بدءا من عصر الآباء الى قصة العبودية في مصر والخروج، مرورا بعصر يشوع وعصر القضاة وصولا الى أسفار الملوك، وذلك من خلال ثلاثة مستويات للنقد· فهو يظهر التناقضات في تناول القصص - وبعضها مكرر بصيغة مختلفة - من خلال النقد النصي، ثم ينتقل الى محاولة ربط القصة التوراتية أو الحدث التوراتي كرونولوجيا وذلك في محاولة لربط الحدث بالتاريخي وتحديد زمنه وفي الغالب الأعم نجد أن القصص ترقى لفترات زمنية أبعد بكثير من زمن كتابة وتحرير التوراة· وذلك ما دعاه بالنفي التاريخي· أما على المستوى الثالث في النقد فيحاول الباحث وعبر النقد الأركيولوجي أن يربط هذا الحدث التوراتي بالأرض التي حدث عليها من خلال اللقى الأثرية، من خلال نتائج التنقيبات الأثرية في المواقع المذكورة في التوراة، ومن خلال قراءة النصوص المكتشفة في مصر أو سورية أو بلاد الرافدين·
وكذلك وفي الغالب الأعم لا يجد على الأرض أي تقاطع قبل سنة /500 ق·م/ وهو زمن تحرير التوراة في بداية ظهور الامبراطورية الفارسية·
وفي الباب الثاني يتناول الباحث في فصله الأول نظريات نشوء إسرائيل مستعرضا نظرية الباحث الألماني البريخت آلت· في التسرب السلمي، ثم نظرية الانتفاضة الداخلية ومن ثم نظرية بوتقة الانصهار وأخيرا النظرية الأركيولوجية الحديثة والتي لم تكن بمجملها سوى صياغة جديدة قام بها علماء الآثار الإسرائيليين، لنظرية آلت عن الاستقرار والتسرب التدريجي·
إسرائيل التاريخية
إن كل ما بين أيدينا من معلومات كتابية وأركيولوجية موثقة، ينفي وجود أية استمرارية إثنية وسياسية بين الإسم "إسرائيل" المذكور في نصب "مرنفتاح" ومملكة إسرائيل بعاصمتها السامرة التي قامت في منطقة الهضاب المركزية نحو (880 ق·م) وهي مملكة موصوفة في التوراة وفي النصوص الآشورية على حد سواء·
وبصرف النظر عن تلك الإشارة الغامضة الى إسرائيل في نصب "مرنفتاح"، والتي يجمع المؤرخون اليوم عن عدم صلتها بإسرائيل التوراتية، فإن النصوص المصرية عبر التاريخ، لم تتعرض لذكر إسرائيل في أية صورة أو أية صيغة·
أما النصوص الآشورية والتي ساعدت في رسم الخارطة السياسية والبشرية لمنطقة الشرق القديم خلال عصر الحديد، فلم تذكر الاسم "إسرائيل" إلا في أواسط القرن التاسع قبل الميلاد، وفي معرض الإشارة الى دولة السامرة تحديدا· وأما مملكة يهوذا، فلم يرد ذكرها إلا مع أواخر القرن الثامن قبل الميلاد· واعتمادا على ما تم بحثه يلخص لنا فراس السواح ما توصل إليه، حول إسرائيل التوراتية وعلاقتها بإسرائيل التاريخية بالنقاط التالية:
1 - نتيجة للنقد النصي والتاريخي والأركيولوجي لروايات "الآباء والخروج" يمكننا القول وبكل ثقة بأن جميع الوقائع تنفي نفيا قاطعا وجود كيان إثني اسمه "كل إسرائيل" خلال أية فترة تمتد حتى/1200 ق·م/
2 - إن الشواهد الأركيولوجية من الفترة الانتقالية من عصر البرونز الأخير الى عصر الحديد، تنفي نفيا قاطعا رواية سفر يشوع عن الاقتحام العسكري لأرض كنعان·
3 - إن نتائج المسح الأركيولوجي الشامل لمنطقة الهضاب المركزية، ولمنطقة مرتفعات يهوذا، في المستويات الأثرية العائدة لعصر الحديد الأول تنفي نفيا قاطعا ظهور مجموعة إثنية واحدة، في المنطقتين خلال الفترة المفترضة لعصر القضاة والاستقرار في الأرض·
4 - لم يتوافر خلال القرن العاشر قبل الميلاد، الأساس السكاني والاقتصادي اللازم لقيام مملكة قوية في الهضاب المركزية، أو مرتفعات يهوذا - التي كانت خالية من السكان في هذه الفترة - أما أوشليم فقد كانت بلدة متواضعة وغير صالحة لأن تكون عاصمة·
5 - لا يوجد ذكر لكيان اسمه "إسرائيل" في جميع وثائق الشرق القديم قبل أواسط القرن التاسع قبل الميلاد·
6 - لا يوجد في وثائق الشرق القديم ذكر لكيان اسمه إسرائيل بعد دمار مملكة السامرة على يد الآشيوريين عام 721 ق·م/ وسبي أهلها الذين لم يرجعوا إلى أوطانهم قط·
7 - لا يوجد أثر للمعتقد الديني التوراتي في منطقة إسرائيل ويهوذا وفي بقية أنحاء فلسطين خلال الفترة السابقة على السبي البابلي والديانة السائدة كانت كنعانية تقليدية·
آرام دمشق وآرام إسرائيل
ينتقل الباحث بعد ذلك الى توضيح العلاقة بين الدولة الآرامية في دمشق وبين إسرائيل، مبتدئا بتبيان الخلفية التاريخية العامة لصعود دمشق ومن ثم العلاقات الآرامية الفلسطينية مبينا حالات الحروب، والتحالفات بين دمشق وإسرائيل· ثم وفي الفصل الخامس يبين العقود الأخيرة لدمشق وإسرائيل ونشوء يهوذا واضعا ثلاثة مصادر تشير الى أصل السكان في هذه المنطقة وما حولها وهي:
أولا: التزايد المحلي السريع للسكان بتأثير الأحوال المناخية المؤاتية وما تبعها من انتعاش اقتصادي عام·
ثانيا: هناك شريحة لا بأس بها من السكان الزراعيين الذين أتوا من المناطق المجاورة ليهوذا·
ثالثا: هناك جماعة رعوية وفدت إلى يهوذا من المناطق الرعوية الشرقية والجنوبية، وتحولت إلى حياة الاستقرار·
ثم يعرج الباحث على الحروب الأخيرة بين دمشق وآشور، ففي عهد الملك "تغلات فلاصر الثالث (745-727 ق·م) امتدت الإمبراطورية الآشورية من إيران ضمنا في الشرق، الى مصر ضمنا في الغرب، ومن الأناضول ضمنا في الشمال، الى أواسط شبه الجزيرة العربية في الجنوب·
وقد أسس هذا الملك لسياسة الترحيل المنظم للشعوب المقلوبة، وإحلال جماعات متنوعة محلها يتم اختيارها من الشعوب المغلوبة· وقد شملت عمليات التهجير الإجباري أكثر من 100 شعب·
سياسة التهجير الآشورية وأهدافها
لقد طالت سياسة التهجير، كل المناطق الواقعة تحت سيطرة آشور· ويذكر العديد من نصوص الترحيل الآشوري، أن شعوبا بأكملها قد سيقت الى المنفى، أما عن أهداف سياسة التهجير الآشورية فمتعددة:
1 - كان التهجير بمثابة عقوبة للشعوب الثائرة·
2 - كان التوطين في المناطق الجديدة - باستثناء آشور - يهدف الى تغيير التركيب السكاني في المناطق المتمردة، وخلخلة التجانس الإثني فيها من أجل منع حدوث ثورات محتملة·
3 - كان قسم لا بأس به من المهجرين يوطن في مناطق خالية من السكان بهدف إحيائها اقتصاديا والاستفادة منها لصالح التاج الآشوري·
4 - كان التوطين في مناطق آشور يهدف الى رفد القوة العسكرية الآشورية بأفضل جنود البلاد المقهورة، والإفادة من الحرفيين المهرة، لدعم الصناعات المحلية والإفادة من الانتلجينتسيا المغلوبة في شتى وظائف القصر والإدارات العامة، وأخيرا تزويد أعمال البناء باليد العاملة المسخرة·
اليهودية والنظام العالمي الجديد للامبراطورية الفارسية:
لقد تابع البابليون وبصورة أقل سياسة التهجير هذه، ومن بعدهم الفرس كذلك· وحاول من خلال التحكم بتحركات الشعوب خلق شرائح اجتماعية مدعومة ومدربة من قبل السلطة، ولكن الى الحد الذي لا يؤدي الى خلق قوى إقليمية، تخرج في النهاية عن تابعيتها للإمبراطورية·
وكورثة لإمبراطورية مؤسسة ومستقرة، لم يكن على البابليين والفرس أن يدافعوا عن "حق المنتصر" على أراضيهم وثرواتهم فهؤلاء الورثة كانوا يتعاملون مع شعوب تم قهرها وترويضها، ولا حاجة بهم الى إعادة توكيد السلطة عليها· ومن هنا فإن الإدارة الامبراطورية الجديدة قد توجهت في سياستها الى توكيد "حق الورثة" لا "حق المنتصر" وتحولت أساليبها الدعائية من فرض الخوف والرعب الى كسب الدعم والولاء للوارث الجديد· إن نصوص التهجير البابلية أقل بكثير من مثيلتها الآشورية· وهي مختلفة من حيث أدواتها الخطابية والإعلامية، فقد دخلت نغمة إعلامية جديدة تهدف الى إقناع الشعوب بقبول السيد الجديد وما جلبه حكمه من تغييرات جذرية، والحصول على الولاء الطوعي للتركيب السكاني المعقد· فالسيد الجديد هو محرر الشعوب ومخلصهم من الحاكم الذي داس على كرامتهم، وشتتهم، وسبى آلهتهم·
لقد تابع حكام الإمبراطورية الجديدة، إذا سياسة التهجير والسبي على الطريقة الآشورية ولكنهم ابتدأوا في الوقت نفسه سياسة إعادة توطين المهجرين في آراضيهم· والنصوص البابلية كثيرة في هذا الموضوع، خصوصا في عهدي بنوخذ نصر والملك نابونيد ويعد نص الملك نابونيد على درجة من الأهمية، ذلك لكونه يشكل مفتاحا لفهم المنعطف الذي اتخذه مسار الأيديولوجية الدينية في المنطقة، والذي وجد أحد تجسيداته المهمة بعد ذلك في كتاب التوراة· فنحن هنا أمام ثلاثة أفكار رئيسة:
1 - فكرة الإله الواحد·
2 - فكرة إعادة بناء هيكل هذا الإله الواحد·
3 - فكرة بناء مجتمع جديد يتمركز حول الهيكل وإلهه· فالإدارة الامبراطورية كانت في طريقها الى جمع شعوب الامبراطورية تدريجيا تحت معتقد ديني يبحث في كل إله محلي عن صورة للإله الأوحد البابلي الذي يتخذ اسم "إله السماء" بالمفهوم الشمولي الجديد لقوة السماء، باعتبارها القوة الإلهية المطلقة· إلا أن عمر الامبراطورية القصير وسقوط بابل بيد الفرس، قد وضع إكمال هذا المشروع بين يدي القوة الجديدة الصاعدة، التي ورثت كلا من بابل وآشور لفترة طويلة مقبلة·
فقد سار الإعلام الفارسي الذي وضع مبادئه الملك "قورش" على نسق الإعلام البابلي وقد ورد في نص قورش المشهور والذي يعد بمثابة البيان السياسي للامبراطورية الفارسية: "لقد أرجعت الى المدن المقدسة، على الجهة الأخرى من الدجلة معابرها التي كانت خرابا لمدة طويلة، كما أعدت إليها صور الآلهة التي كانت تعيش فيها، وجمعت سكانها المنفيين وسقتهم الى أوطانهم"·
إلا أن الخيال يجب ألا يذهب بنا بعيدا، الى تصور الإمبراطور الفارسي في حلة المنقذ الحقيقي· ذلك أن ما هدفت إليه السياسة الفارسية، هو خلق نظام إداري للإمبراطورية بكفاءة عالية وبنفقات أقل، كما يساعد على فرض القوانين والشرائح الفارسية بعد إعطائها طابعا إقليميا محليا· فقد عملت الإدارة الفارسية على مطابقة الآلهة المحلية في المجتمعات الجديدة مع "إله السماء الفارسي "أهورافردا" الإله الواحد الحق الذي بشر به زرادشت قبل قرن من الزمان تقريبا·
في هذا السياق التاريخي، والمناخ الفكري نستطيع فهم الأخبار التوراتية حول "إعادة بنائة هيكل الرب في أورشليم· وقراءة تحليلية متأنية لسفري عزرا ونحميا اللذين يقدمان لنا معظم المادة الإخبارية عن "العودة" و"إعادة البناء" سوف تكشف لنا بقية القصة فمع هذين السفرين نغادر تاريخ إسرائيل وندخل في تاريخ "اليهودية"·
بعد عام من انتهاء العمل في بناء هيكل أورشليم، يقوم المدعو "عزرا" الكاهن بقيادة الموجة الثالثة من العائدين بأمر الملك "أرتحشتا" (أرتازكسريس) خليفة داريوس الأول، وهو كاتب ماهر في شريعة موسى التي أعطاها الرب إله إسرائيل - حسب الرواية التوراتية - وقد وجه إليه الملك أرتحشتا أمرا ذكره التوراة على الشكل التالي:
"··· أما أنت يا عزرا فحسب حكمة إلهك التي بيدك، ضع حكاما وقضاة يقضون لجميع الشعب الذي في عبر النهر، من جميع من يعرف شرائع إلهك، والذين لا يعرفون فعلمهم· وكل من لا يعمل شريعة إلهك وشريعة الملك فليقض عليه عاجلا، إما بالموت أو بالنفي أو بغرامة المال والحبس" (عزرا 7:1-26)·
إذا ًلم يأت عزرا الى أورشليم كوال سياسي بل كمتفقه في شريعة الرب وشريعة الملك· أرسله بهما الملك الفارسي من أجل تنظيم شؤون المجتمع الجديد من النواحي الاعتقادية والطقسية والإدارية بحيث تم تأييد القوانين المدنية بالأوامر والنواهي الدينية لتزويدها بسلطان ذاتي·
لقد كان مصدر شريعة عزرا، البلاط الفارسي مدعوما بعقوبة الموت عاجلا وهذا يعني أننا نوع من "عقد الإذعان" المفروض من قبل السلطات الفارسية· ومصادر سفر شريعة عزرا متعددة:
أولا: الأيديولوجية الدينية الفارسية المتعلقة بإله السماء الفارسي "أهورافردا" الذي سعى ملوك فارس الى فرضه إلها أوحد للإمبراطورية، عن طريق مطابقته تعسفيا مع الإلهة المحلية للمقاطعات المحكومة·
ثانيا: القوانين والشرائع الفارسية والتي من خلالها حاولت الإدارة الإمبراطورية تنميط أساليب الإدارة والحكم في المقاطعات·
ثالثا: لدينا التقاليد المحلية المتجذرة في المنطقة منذ القدم· والكاهن عزرا الذي يعد بحق أبا اليهودية، قد عمد فيما بعد الى توسيع وتطوير هذه النواة بما يتلاءم مع التقاليد القديمة في المنطقة من جهة، ومع مستجدات حياة الجماعة من جهة أخرى ثم جاء خلفاؤه وتلامذته ممن شكلوا كهنوتا رسميا راسخا في أورشليم فتابعوا المهمة، وخلال قرنين أو ثلاثة، تكبر الخرافة وتتسع ويتم ربط تاريخ اليهودية بتاريخ ما قبل اليهودية (تاريخ إسرائيل - يهوذا) وتتابع القصة توغلها في أصول الماضي المجهول مما سبقها· ثم كان لا بد من إيقاف هذه العملية عند حد معين· فعمد كهنة أورشليم أخيرا الى جمع هذه الأدبيات وإعادة صياغتها بشكل آخر وفق إطار أيديولوجي وكرونولوجي، يضم التقاليد المتفرقة في كل موحد· وبذلك أنجز كتاب التوراة· وظهرت إسرائيل التوراتية ككيان ذهني وأدبي على أنقاض تاريخ السامرة ويهوذا المطمور تحت ركام الدمار الآشوري والبابلي·
إن الرواية التوراتية هي قصة أصول مبتكرة لدين جديد، ومجتمع جديد، يحاول أن يثبت أقدميته وتجذره في المنطقة· وإن المحررين الذين صاغوا هذه القصة كانوا مدفوعين بهاجس تراثي لا بهاجس تاريخي· لقد جمعوا ما وصل الى أيديهم من شذرات الأخبار القديمة والأدب الشعبي الفلسطيني، ونتف الأخبار عن السامرة ويهوذا· وبعض الوثائق القليلة المكتوبة، فصاغوا منها مادة قصصهم التي ضمت الى بعضها من خلال منظوم أيديولوجي فضفاض وتسلسل زمني مليئ بالفجوات والانقطاعات·
وتجب الإشارة هنا الى أن تسمية "اليهودي واليهودية" صارت علما على دين أورشليم وعلى الأفراد المنتمين الى المجتمع الأورشليمي من دون "الإسرائيلي" فكل ما هو "إسرائيلي يتنمي الى الماضي، الى "القصة" وكل ما هو يهودي ينتمي الى الحاضر، حاضر المجتمع الجد الذي يحاول مستميتا أن يؤكد تلاحمه وتجانسه كشعب مختار· لقد اختار إله السماء هذه الفئات التي تم تجميعها في أورشليم لتكون له شعبا· ولا يوجد أي نص يؤكد تجانسها الاثني بعد ما تعرض لحالات السبي مثله مثل كثير من الشعوب الأخرى· ويتوجب علينا أن نعيد فهم مسألة السبي البابلي كحادثة تاريخية وكفكرة ملهمة في سياق القصة التوراتية من جهة أخرى، فالتقسيم الزمني "ما قبل السبي - فترة السبي - ما بعد السبي" تقسيم باطل على ضوء ما بينه البحث، فبنو إسرائيل ليس لهم وجود خارج مجال قصة الأصول التاريخية، وتاريخ دولتي السامرة ويهوذا قد انتهى وصار ملكا للذاكرة البشرية الجمعية، بعد زوال إسرائيل عام/721 ق·م/ وزوال يهوذا عام 587 ق·م·
أما التاريخ اليهودي الذي ابتدأ مع بناء أورشليم الجديدة، فليس استمرارا على أي صعيد للتاريخ الفلسطيني في العصرين (الآشوري والبابلي)، رغم النغمة الإعلامية الفارسية / الإحياء والتجديد/ إن ما تم إيجاده ليس إحياء ليهوذا القديمة ولا لإسرائيل القديمة، بل هو خلق من جديد لمجتمع قوامه فئات اجتماعية دخلت العصر الفارسي وقد تغيرت تغيرا تاما وفي الحقيقة فإن "مسألة السبي" غدت "فكرة" و"واقعة نفسانية" تساعد على فهم هذه الجماعة لنفسها، باعتبارها البقية الناجية من "إسرائيل" فأفراد هذه الجماعة - أيا كان أصلهم - يستطيع واحدهم الانتماء الى تلك الإسرائيل عن طريق تصور جذوره في المنفى البابلي، ومن خلاله صعودا نحو المجد المفقود في مملكة سليمان، ويتجاوز ذلك ليدخل كنعان مع يشوع، ثم يتطوح في الصحراء مع موسى، ويتنقل بعد ذلك مع قوافل إبراهيم وبقية الآباء المؤسسين· فالتاريخ اليهودي صفحة مستقلة تماما في الأصل والمسار والمصير، ويجب أن تدرس على هذا الأساس· ودراستها تتطلب منهجية ومرجعية مختلفة تماما عن تاريخ فلسطين القديم·
* فراس السواح مفكر سوري يبحث في الميثولوجية وتاريخ الأديان كمدخل لفهم البعد الروحي عند الإنسان، والمسائل التاريخية ذات العلاقة بهذا الميدان·
__________________
* صدرت له المطبوعات التالية:
1 - مغامرة العقل الأولى، 2 - دراسة في الأسطورة - سورية وبلاد الرافدين، 3 - لغز عشتار، 4 - كنوز الأعماق، 5 - الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم، 6 - دين الإنسان، 7 - آرام دمشق وآرام إسرائيل وكتب أخرى·