رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء17-23رمضان 1421هـ الموافق13-19ديسمبر 2000
العدد 1457

اليمين المسيحي وتأثيره على السياسة الأمريكية*(1-2)

·  من الملاحظ أن حركة الانبعاث الديني البروتستانتي تبدو اليوم حية ومزدهرة وخاصة بعد تحالفها مع الجناح المحافظ في الحزب الجمهوري، الذي كان سببا رئيسيا في فوز رونالد ريغان في انتخابات الرئاسة خلال الثمانينيات

 

·  الائتلاف المسيحي له اهتمام خاص بدعم إسرائيل وتعزيز موقعها واستقلالها· وعلى الرغم من الشعور المعادي للسامية الذي كان يسود أوساط الإنجيليين في الماضي فإن اليمين المسيحي بدأ يدعم إسرائيل منذ حرب 1967

 

·  على الرغم من تبني النظام الأمريكي مبدأ الفصل بين الدين والدولة فإن الملاحظ أن الدين قام بدور مهم - ولا يزال - في المجتمع الأمريكي إذ يظهر لدى الأمريكيين نزعة قوية للانتماء إلى عضوية الكنائس

 

عبدالله جمعان الغامدي **

لاحظ المتابعون للسياسة الأمريكية في الآونة الأخيرة أن هناك تنامياً ملحوظاً لتأثير اتجاه اليمين المسيحي في الولايات المتحدة وبخاصة في أوساط الحزب الجمهوري· وقد أصبح هذا التأثير مهماً بدرجة كبيرة منذ انتخابات 1994 التي نجحت فيها منظمات هذا الاتجاه في إيصال عدد كبير من المرشحين المؤيدين لها إلى مناصب مهمة على المستويات المحلية والقومية، كما أثبتت أن لها مقدرة كبيرة في تحديد "أجندة" النقاش وقيم الأسرة والشذوذ الجنسي والصلاة في المدارس والدعم الأمريكي لإسرائىل· وتهدف هذه الدراسة إلى تسليط بعض الضوء على هذا الاتجاه بغية تعرف أسباب ظهوره والمواقف التي يتبناها ومدى تأثيرها على السياسة الأمريكية، وذلك من خلال التركيز على دراسة واحدة من أبرز منظمات هذا الاتجاه وأكثرها نشاطاً، وهي منظمة الائتلاف المسيحي التي أنشأها ويرأسها حالياً القس والسياسي الأمريكي "بات روبرتسون"·

ولم تقتصر ظاهرة العودة إلى الدين التي سادت منذ أواخر السبعينات على العالم الإسلامي فقط بل امتدت لتشمل الدول الصناعية الرأسمالية عموماً والولايات المتحدة على وجه الخصوص، مما حدا بمجلة نيوزويك إلى اعتبار سنة 1976 سنة الإنجيليين· ومع أن عدداً كبيراً من أفراد النخبة المثقفة الأمريكية كان يعتقد قبل ثلاثة عقود فقط بأن الأصولية المسيحية تحتضر وأنها في طريقها إلى الاختفاء- فيما عدا بعض الجيوب المعزولة في الجنوب التي لم تصل إليها مؤثرات المدنية بشكل كبير مع محدودية تأثير المنظمات الدينية حينذاك على المجتمع الأمريكي لاهتمامها بالخلاص الفردي أكثر من اهتمامها بالتغيير الثقافي، فإن الملاحظ أن حركة الانبعاث الديني البروتستانتي تبدو اليوم حية ومزدهرة وبخاصة بعد تحالفها الوثيق مع الجناح المحافظ في الحزب الجمهوري، الذي كان سبباً رئيسياً في فوز "رونالد ريغان" في انتخابات الرئاسة خلال الثمانينات· ومنذ ذلك الحين استقطبت الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة اهتمام كثير من المفكرين ووسائل الإعلام، نظراً لأن كثيراً من أتباعها أصبحوا أكثر اهتماماً بالتأثير على العملية السياسية من خلال انشائهم منظمات اليمين المسيحي، الذي اعتبر من أكثر الحركات السياسية والاجتماعية إثارة في القرن العشرين· بل إن المتابع لحملة انتخابات الرئاسة الأمريكية الحالية سيلاحظ أن هناك حضوراً قوياً للدين في برامج معظم المرشحين فيها، ويظهر ذلك جلياً في تنافس مرشحي الحزبين الرئىسيين في تأكيد أهمية القيم الدينية، وبخاصة ما يتعلق بموضوع الولادة الجديدة كمسيحي born again christian، الذي يعتبر الشعار الأبرز لقادة منظمات اليمين المسيحي، والذي أكده كل من "جورج بوش" الابن مرشح الحزب الجمهوري و"ألبرت جور" مرشح الحزب الديمقراطي· كما ينظر البعض إلى مبدأ المحافظة الرحيمة compassionate conservatism الذي طرحه "جورج بوش" الابن شعاراً لحملته الانتخابية، والذي يؤكد ضرورة دعم الحكومة للمشروعات الخيرية التي تقدمها الكنائس والمنظمات الدينية، على أنه خطوة أخرى تجاه تطبيق الأفكار الإنجيلية على السياسة، مما دفع ببعض المتابعين للانتخابات الحالية إلى انتقاد ما يجري واعتباره لا يتفق مع مبادئ الدستور الأمريكي التي تؤكد ضرورة الفصل بين الدين في الحياة السياسية الأمريكية، من خلال التركيز على اتجاه اليمين المسيحي- لا سيما منظمة الائتلاف المسيحي- باعتبارها المنظمة الأبرز بين مجموعات هذا الاتجاه·

 

التدين في المجتمع الأمريكي

 

على الرغم من تبني النظام السياسي الأمريكي مبدأ الفصل بين الدين والدولة فإن الملاحظ أن الدين قام بدور مهم ولا يزال في المجتمع الأمريكي، إذ يظهر لدى الأمريكيين نزعة قوية للانتماء إلى عضوية الكنائس، مع حرص على حضور المناسبات الدينية، كما يزداد احتمال اعتقادهم في الإله والقول بأن الدين يقوم بدور محوري في حياتهم بالمقارنة إلى شعوب الديمقراطيات الرأسمالية ما بعد الصناعية الأخرى·

والتدين في الولايات المتحدة قديم سبق نشأة الدولة ذاتها، إذ إن أحد أهم الأسباب التي دفعت أوائل المهاجرين للاستقرار هناك كان يتمثل في الرغبة في ممارسة شعائرهم الدينية بعيداً عن الاضطهاد الديني الذي لاقوه في بلادهم السابقة- أوروبا- ومن أبرز الشواهد على ذلك ما جاء في الميثاق الشهير الذي وقعه ركاب إحدى سفن المهاجرين في عرض المحيط، وعرف باسم السفينة ذاتها ميثاق "مي فلاور"، والذي نص على إقامة مدينة مسيحية مثالية على الأرض، وطبق الأمر في مستوطنة "بلايموث"، حيث ألزم السكان بإطاعة الطقوس الدينية وطبقت فيها تعاليم الإنجيل بحرفيتها ولا سيما ما يتعلق بيوم الأحد· ومنذ ذلك الحين والدين يؤدي دوراً محورياً في الثقافة العامة والسياسات العامة، وامتد تأثيره ليمتزج بالتعليم والطب والفنون والسياسة· وكما يقول "شنايدر" فإنه "عن طريق الدين يمكن القيام بكل شيء"·

ومع أن الدين لعب دوراً مهماً في بعث الحماسة لدى الناشطين السياسيين طوال التاريخ الأمريكي، بدءاً بالبيوريتانيين (المطهرين) مروراً بالثورة الأمريكية وحركات إلغاء الرق وتحريم الخمور إلى النضال من أجل الحقوق المدنية، حيث كان الإنجيليون يشكلون واجهة تلك الحركات، فإن موجة الانبعاث الحالية تختلف عن الحركات السياسية والإصلاحية الماضية في نقطة مهمة تتمثل في أن نشاطها السياسي كان نتيجة للاعتقاد السائد في أوساط الفئات الإنجيلية، التي كانت ساكنة سياسياً منذ إخفاق مرحلة تحريم الخمور، بأن النخبة العلمانية المهيم على مختلف الجوانب الفكرية والثقافية للمجتمع الأمريكي تحاول إقصاء المتدينين عن النقاش السياسي وانتهاك قيمهم ومعتقداتهم، وتنظر إليهم بوصفهم مواطنين من الدرجة الثانية في مجتمع كانوا قد أسهموا في إنشائه· ولقد صرح القس "جيري فالويل"· زعيم منظمة الأغلبية الأخلاقية  المسيحية قائلاً: "لقد بارك الله هذه الأمة لأنها في أيامها الأولى حاولت الإخلاص لله والإنجيل، وسيجد أي طالب مجتهد للتاريخ الأمريكي أن أمتنا العظيمة أنشئت من قبل رجال ربانيين لتكون أمة مسيحية"·

وعلى الرغم من التوقعات بأن التوازن السياسي الذي تركه برنامج العهد الجديد  في الثلاثينات سيؤدي إلى نمط من التوازنات الانتخابية تهيمن عليها الطبقة الاجتماعية، فإن الأهمية السياسية للانقسامات الدينية برهنت على قدرتها على الاستمرار طوال القرن العشرين؛ إذ وفر كل من الكاثوليك واليهود قاعدة دعم قوية للحزب الديمقراطي في حين استمرت طوائف البروتستانت الرئيسة في دعمها للحزب الجمهوري قبل برنامج العهد الجديد وبعده، وبسبب هذا الاستقرار فإن الدور الذي أدته الانقسامات الدينية في تشكيل السلوك الانتخابي ربما لم ينل الاهتمام الكافي، إذ يلاحظ أن العلماء الاجتماعيين لم يبدأوا بإعادة النظر في العلاقة بين عضوية الجماعات الدينية والسلوك الانتخابي بشكل منتظم إلا في السنوات الخمس عشرة الماضية (Leege, 1993a)· ويعزى معظم هذا الاهتمام إلى ظهور جماعات اليمين المسيحي الناشطة سياسياً·

ويشار إلى أن الجدل حول حجم الانقسام الديني في السياسة الأمريكية تأثر بوجود تحولين بارزين، فمن جهة دفعت الشهرة العامة المتناهية للمنظمات الناشطة ضمن اليمين المسيحي إلى افتراض تنامي أهمية الدين في السياسة الأمريكية، إذ يعتقد بأن اليمين المسيحي استطاع تسييس مجموعة مهمة من القيم الاجتماعية والدينية مما أدى إلى دفع المحافظين المتدينين إلى الانخراط في العملية السياسية، والذي تمثل في ازدياد تفضيل تلك الفئة للمرشحين الجمهوريين ومن ثم فإن الانقسام الاجتماعي الأكثر شهرة للائتلافات الحزبية سيتمحور حول المتدينين أو الذين لا يؤدي الدين دوراً مهماً في حياتهم من جهة أخرى·

أما التحول الثاني الذي أحدث جدلاً واسعاً حول الدين والسياسة في كل من وسائل الإعلام وفي أوساط المحللين السياسيين فيتمثل في إمكانية حدوث إعادة تنظيم أخرى في أوساط الناخبين البروتستانت المسيحيين؛ وذلك لأن البروز المفاجئ لليمين المسيحي في نهاية السبعينات- بوصفه عاملاً في السياسة الأمريكية- فضلاً عن الدور الذي أدته بعض أوائل منظمات اليمين المسيحي، مثل منظمة الأغلبية الأخلاقية  في انتخابات الثمانينات بدا وكأنه يشير إلى نموذج لخلاف سياسي تحتل فيه القيم الدينية موقعاً محورياً فيما يتعلق بقرارات الناخبين·

 

بروز اليمين المسيحي

 

لليمين المسيحي المعاصر جذور عميقة في التاريخ الأمريكي، تعود إلى البدايات الأولى للمجتمع الأمريكي في الصور المتنوعة لليوتوبيا البروتستانتية التي استمرت منذ ذلك الحين في موجات متتالية من الإحياء الديني· إلا أن موجة الانبعاث المعاصرة لم تبدأ إلا بعد الحرب العالمية الثانية· وفي هذا السياق يعتبر "مارتن" Martin، في معالجته للتعبئة السياسية للإنجيليين (وهم عصب اليمين المسيحي) بعد الحرب العالمية الثانية، القس "بيلي جراهام" أباً روحياً لهذا الانبعاث الجديد، وذلك لأنه هو الذي وفر التبرير الإنجيلي لمقاومة الشيوعية في الخمسينات، حيث أصبح شخصية سياسية مؤثرة خلال إدارة الرئىس "أيزنهاور"، كما طور فيما بعد علاقات وثيقة مع الرئىس "نيكسون"· ومع أن "جراهام" تأثر سلبياً بأحداث فضيحة ووترجيت واضطر إلى الانزواء عن المسرح السياسي، فإنه نجح في جعل الوجود الإنجيلي السياسي والاجتماعي مقبولاً في الحياة العامة لأمريكا المعاصرة·

لكن "جراهام" لم يكن وحده على الساحة، إذ إن الصراع حول الحقوق المدنية في الستينات أضفى شرعية على الانخراط الإنجيلي في السياسة، على الرغم من أن تلك الشرعية أضعفت نوعاً ما نظراً لوجود المؤسسات والرموز الإنجيلية على جانبي الصراع· ثم جاءت فترة الستينات والسبعينات التي شعر فيها الإنجيليون بأن المجتمع الأمريكي والثقافة الأمريكية يقفان ضدهم في ظل التغيرات الجذرية السياسية والاجتماعية التي حدثت حينذاك، ولا سيما بعد صدور قراري المحكمة العليا بمنع الصلاة في المدارس في عام 1962 والسماح بالإجهاض في عام 1973، وتزامن ذلك مع الثورة الثقافية في أواخر الستينات التي مثلت تحدياً صارخاً للقيم الإنجيلية· ولذلك يرى Lechner (1989) أن النشاط السياسي بين المحافظين المسيحيين في السبعينات يعود في جزء منه إلى الطريقة التي من خلالها تم تحديد (وتعريف) الوضع العام في أمريكا اجتماعياً من قبل الأصوليين والمراقبين الناقدين ووسائل الإعلام· وقد نظر زعماء دينيون محافظون إلى الستينات باعتبارها تمثل فترة من الانحلال والشذوذ الواسع النطاق وعبروا عن قلقهم المتزايد حيال الوجهة التي كانت تسير في اتجاهها الولايات المتحدة خلال تلك الفترة، وبخاصة مع تزايد معدلات الجريمة والتطبيق الصارم للفصل بين الكنيسة والدولة، وإباحة الإجهاض، والثورة الجنسية، وحركة حقوق الشاذين جنسياً، وإخراج الدين من التعليم العام، وتزايد الإباحية الجنسية في التلفاز والأفلام، وانتشار الصور الفاضحة، وتحدي الأدوار التقليدية للجنسين، والارتفاع المذهل لحالات الطلاق، لا سيما أن تلك الأمور تعتبر ذات صلة وثيقة بالأسرة والتنشئة الاجتماعية للجيل القادم من المسيحيين· وقد تزامن ذلك القلق مع تنامي المكانة الاقتصادية والاجتماعية للمسيحيين البروتستانت مما مكنهم من تطوير بناءات مؤسسية قوية·

وإضافة إلى ذلك يذكر يوسف الحسن عوامل أخرى يمكن إيرادها لتفسير موجة الانبعاث الحالي للحركة المسيحية المعاصرة منها:

1- تزايد ميل الرأي العام الأمريكي نحو الكنيسة وما تطرحه من قيم وتقاليد في مواجهة ما عاناه المجتمع الأمريكي من هزائم عسكرية في فيتنام وفضيحة ووترجيت التي أدت إلى استقالة "نيكسون" من منصبه في عام 1974، وهذا الأمر أدى إلى ولادة كثير من المؤسسات والبرامج الكنسية واعتبار عام 1974 عام المسيحيين الأصوليين·

2- وصول الرئىس "جيمي كارتر" إلى منصب الرئاسة في الولايات المتحدة معلناً عن ولادته من جديد كمسيحي، ومؤمناً بأن تأسيس إسرائىل هو تحقيق للنبوءات التوراتية·

3- تولي "مناحيم بيجن" رئاسة الحكومة في إسرائىل في عام 1977 مما أضفى مشروعية على التطرف الديني اليهودي، واستخدام الإشارات والتعابير التوراتية لتبرير الاستراتيجية الصهيونية، وكان حريصاً على إقامة علاقات وثيقة مع قادة الحركة المسيحية الأصولية في الولايات المتحدة·

4- تنبه المنظمات الصهيونية اليهودية إلى أهمية تنامي الحركة المسيحية الأصولية في الولايات المتحدة، ومسارعتها إلى إقامة تحالف متين معها ودعم اتجاهاتها، باعتبارها أسرع وأضخم كتلة مؤيدة لإسرائىل في الولايات المتحدة·

5- انتشار شبكة واسعة من "الكنيسة المرئية" ببرامجها الاستعراضية الدينية المسيحية وبقادتها من نجوم التلفزة، وبما تمتلكه من المحطات المسموعة والمرئية فضلاً عن المؤسسات الإعلامية والاستثمارية والتربوية، وبما تستخدمه من أجهزة تقنية حديثة في الاتصالات والإدارة·

6- صعود اليمين السياسي المحافظ في الولايات المتحدة مع وصول "رونالد ريغان" إلى البيت الأبيض في عام 1980، إذ أسس هذا اليمين الجديد برامجه السياسية والاقتصادية والثقافية على تحالفات مع حركة اليمين المسيحي الأصولية، وعلى مبادئ دينية محافظة، ولقاء على أرضية مشتركة في دعم غير مشروط لإسرائىل (ص 190)·

وفي ظل هذه الظروف برزت منظمات عدة لليمين المسيحي على الساحة السياسية القومية الأمريكية، ابتداء بمنظمة الأغلبية الأخلاقية التي أنشأها القس "جيري فالويل"، كانت تهدف جميعها إلى "إعادة الشخصية المسيحية للثقافة الأمريكية وإيجاد حل مسيحي للمشكلات الاجتماعية لمجتمع حديث"·

وفي هذا المجال يؤكد "بات بيوكانن" قائلاً:

إن العهد القديم والعهد الجديد لا يمثلان فقط خطوطاً إرشادية مهمة للإنقاذ الشخصي، بل إنهما يحتويان أيضاً على الوصفات اللازمة للقوانين العادلة والمجتمع الفاضل من أجل بناء مجتمع فاضل على الهضبة··· إن الدين يمثل جذور الأخلاق التي تعتبر قاعدة للقانون··· ومن ثم فإن الخيار الوحيد المتاح للتقليديين والمحافظين هو الاستمرار في الكفاح حتى نتمكن من إعادة بناء حكومة وبلد ينسجمان جداً مع منظورنا للمجتمع الفاضل، أي بلد رباني (ص 91)·

ويعتقد أنصار اليمين المسيحي أن هناك عقبتين رئيستين تقفان في طريق ذلك الهدف هما العلمانية الإنسانية والشيوعية· ويرون أن العلمانيين الإنسانيين، من خلال إيمانهم بأن العقلانية الإنسانية يمكن أن تحل المشكلات ويقود الإنسانية إلى حياة أكثر عقلانية وإقناعاً، إنما يجحدون بوجود الله ويحاولون أن يستبدلوا به عالماً يتمحور حول الإنسان دون الحاجة إلى الهداية الإلهية· وأن هذه العلمانية تصبح في المناهج التعليمية التي نادراً ما يشار فيها إلى الله، وتتجاهل حقيقة خلق الله للكون· وفي هذا السياق يفصح تيم لاهاي أحد أبرز قادة منظمة الائتلاف المسيحي عن هذه المشكلة عندما يقول:

إن الإنسانية ببساطة محاولة من الإنسان لحل مشكلاته بعيداً عن الله، نظراً لأن الظروف الأخلاقية ازدادت سوءاً بالتوازي مع تزايد التأثير العلماني الإنساني الذي حول بلادنا من مجتمع إنجيلي إلى مجتمع ديمقراطي لا أخلاقي خلال الأربعين سنة الماضية· ومع أنه كان متوقعاً أن يعترف الإنسانيون بفشلهم لكنهم رفضوا بشدة مواجهة حقيقة إخفاقهم، ونجدهم بدلاً من ذلك يحاولون عزو فشلهم إلى الدين التقليدي أو الجهل أو الرأسمالية أو الخرافات الدينية·

ويشير قادة اليمين المسيحي بأصابع الاتهام إلى منظمات مثل رابطة النساء الوطنية NOW، واتحاد الحريات المدنية ACLU، والرابطة القومية لتقدم الملونين NAACp باعتبارها تقود مؤامرة علمانية إنسانية تهدف إلى إنشاء مجتمع علماني، ونظام اقتصادي اشتراكي، وحكومة عالمية، ونزع سلاح الجيش، وإخضاع الشعب إلى سيطرة الحكومة·

أما العقبة الثانية التي تقف في وجه إعادة أمريكا إلى الله من وجهة نظر اليمين المسيحي فهي الشيوعية· ولا يقتصر خطر الشيوعية في نظر هؤلاء على نسق المعتقدات التي تؤمن بها، والتي تعتبر مناقضة تماماً لكل ما يناضل من أجله اليمين المسيحي، بل يتعداه إلى الوجود العسكري الذي تمثله الشيوعية والذي يهدد وجود الولايات المتحدة· ونظراً لأن الشيوعية تتحين أي فرصة وتستخدم أي وسيلة لفرض سيطرتها على العالم فإنه لا يمكن إيقافها إلا بقوة مضادة مساوية في القوة، إن لم تكن أكثر تفوقاً، وأن ذلك لن يتأتى إلا من خلال زيادة الإنفاق العسكري· وبرغم انهيار الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشيوعية وانتصار الأيديولوجية الرأسمالية في الحرب الباردة وتبني معظم الدول الشيوعية السابقة- وعلى رأسها روسيا- للأيديولوجية الرأسمالية فإن كثيراً من قادة هذا الاتجاه يعتقدون بأن خطر الشيوعية بوصفها عقيدة مازال قائماً، وان ما حدث لا يعدو كونه تكتيكاً جديداً في المواجهة·

ويرى اليمين المسيحي أن كلا من العلمانية الإنسانية والشيوعية تلتقيان في الاعتقاد بأن الإنسان خيّر بطبعه، وأن السلوك السيئ للأفراد يرجع إلى الطبيعة المحيطة بهم، وهو ما يمكن تحسينه من خلال العقلانية الإنسانية· إلا أن قادة اليمين المسيحي يؤمنون بأن الطبيعة الإنسانية غير عقلانية وأنانية بطبعها، ومن ثم فإن الأفراد في حاجة دائمة للإرشاد الإلهي، وبالتالي فإنه ينبغي عند الضرورة إجبارهم على العيش وفق الشرائع الإلهية، وأن على الحكومة تأكيد أهمية السلوك الصحيح، أو على الأقل فإن عليها أن تسهل مهمة عمل المؤسسات الأخرى للقيام بتلك المهمة، أي أن عليها أن تدعم جهود الكنائس والمنظمات الدينية· كما ان الديمقراطية لا تكون مناسبة إلا إذا كانت تسير وفقاً للقواعد الإلهية، أما عندما تتخذ الأغلبية قراراً مضاداً لمشيئة الله فإنها يجب أن تقاوم· لذا فإن الحرية في هذه الحالة تعني فقط حرية العمل ووقاً للتعليمات الإلهية·

ويبدو أن دائرة الخلاف والجدل حول اليمين المسيحي ازدادت اتساعاً في التسعينات مع إيراد عدد من المحللين شواهد تشير إلى أن الناخبين الإنجيليين المسيحيين (وهم يشكلون أهم أنصار اليمين المسيحي في أوساط البروتستانت) تحولوا بشكل متزايد إلى تأييد الحزب الجمهوري، على الرغم من الانتكاسات التي مني بها اليمين المسيحي في الآونة الأخيرة·

ومن الجدير بالذكر أن التحولات السياسية خلال السبعينات والثمانينات أسفرت عن انتهاء هيمنة الحزب الديمقراطي في الجنوب مع تجاوب الجنوبيين مع خطاب الحزب الجمهوري، في الوقت نفسه الذي بدأ فيه لاعبون أساسيون- مثل "جيري فالويل" و"بات روبرتسون"- يؤكدون الحاجة الملحة لنشاط ديني محافظ في المجال السياسي· وقد مثل هذا حشداً أولياً لتشكيل منظمات اليمين المسيحي·

وكانت البداية مع حملة انتخاب الرئىس "كارتر" في عام 1976 الذي كان إنجيلياً، مما دفع منظمات اليمين المسيحي التي يغلب عليها الإنجيليون البروتستانت إلى دعمه في الانتخابات· لكنه سرعان ما خيب آمالهم بعد تبنيه سياسات ليبرالية سياسية واقتصادية واجتماعية لم يرض عنها المسيحيون البروتستانت لا سيما في مجال الأسرة· وقد تحولت خيبة الأمل تلك لدى أنصار اليمين المسيحي إلى العمل السياسي الذي اتخذ شكل إنشاء شبكات مختلفة للحفاظ على القيم الأسرية ومعارضة الإجهاض· وقد جذبت تلك الأساليب انتباه خبراء اتجاه اليمين الجديد في الحزب الجمهوري، الذين اعتقدوا أن بإمكانهم الفوز بالرئاسة وجزء مهم من الكونجرس في انتخابات عام 1980، من خلال توظيفهم لأصوات اليمين المسيحي، مما أدى إلى حدوث نوع من التقارب في المواقف بين الحزب الجمهوري واليمين المسيحي· وقد جاء ذلك متزامناً مع استمرار التدخل الحكومي في المدارس الأصولية الجنوبية (التي أسس عدد منها خلال فترة الفصل العنصري) فضلاً عن التدقيق المتكرر من قبل أجهزة الأمن ومصلحة الضرائب في حملات جمع التبرعات التي يقوم بها رجال الكنيسة من خلال التلفاز، وهذا أدى إلى إقناع قادة لم يكونوا يهتمون بالسياسة سابقاً، مثل "جيري فالويل" و"بات روبرتسون"، بأهمية الانخراط في العملية السياسية· ومن هنا وجد هؤلاء القادة أنفسهم في خندق واحد مع اتجاه اليمين الجديد وتبنوا استراتيجيات ذلك الاتجاه، مما جعل جماعات اليمين المسيحي منذ البداية تمثل جزءاً من ائتلاف سياسي لجناح يميني جديد·

وعلى الرغم من الاهتمام الإعلامي الذي حظي به اليمين المسيحي في البداية فإن بدايته كانت ضعيفة، إذ كان يتكون في بدايته من مجموعة كوادر ذات ترابط هش تشترك في الغالب في عضوية مجالس مشتركة، وكان ينظر إليه حينذاك على أنه على هامش المجتمع الأمريكي، وانتقد من قبل بعض السياسيين على اعتبار أنه يمثل يميناً متعصباً جديدا· كما اقتصرت جهود منظماته مثل الأغلبية الأخلاقية، والطاولة المستديرة الدينية، والصوت المسيحي، على تعبئة وتحريك القساوسة الأصوليين من منطقة حزام الشمس· ودفعت تلك البداية المتواضعة- فضلاً عن إخفاق "بات روبرتسون" في مسعاه للفوز بمنصب الرئىس في انتخابات عام 1988م، وتضاؤل دور منظمة الأغلبية الأخلاقية، وتورط عدد من أبرز رموز الكنيسة المرئية مثل "جيمي سواجارت، وجيم بيكر، واورال روبرتز" في فضائح جنسية ومالية- ببعض المراقبين إلى الزعم بانتهاء اليمين المسيحي، إلا أنه سرعان ما أذهلهم الانبعاث الجديد لذلك الاتجاه مرة أخرى مع بروز منظمة الائتلاف المسيحي، التي برزت بوصفها قوة دينية وسياسية واجتماعية ذات تأثير مهم على الساحة القومية، وبخاصة في أوساط الحزب الجمهوري· ومع أن "روبرتسون" لم ينجح في الانتخابات فإنه فاجأ الصحافة ومناوئيه بحجم تأييده السياسي، إذ فاق عدد الأفراد الذين تبرعوا لحملته الانتخابية عدد الأفراد الذين تبرعوا لبقية مرشحي الحزب الجمهوري مجتمعين· وقد دفع هذا "بات روبرتسون" إلى أن يطلب من "رالف ريد" تشكيل منظمة الائتلاف المسيحي التي تعرف اختصاراً بـ CC، والتي أصبحت المنظمة الأبرز لليمين المسيحي على أنقاض منظمته التي خاض بها الانتخابات الرئاسية·

ويستمد اليمين المسيحي دعمه بشكل أساسي من الجماعات البروتستانتية المحافظة، التي شهدت نمواً ملحوظاً خلال الثلاثين سنة الماضية مقارنة بطوائف البروتستانت الرئىسة الأقدم· ويعزو Belah (1991) زيادة الإقبال على جماعات اليمين المسيحي وبخاصة الائتلاف المسيحي إلى حالة الحصار التي فرضها الاتجاه الرئيسي للبروتستانت على أتباعه، إذ يزعم بأن التحالف الذي تم بين قيادات ذلك الاتجاه ودولة الرفاهية الاجتماعية الليبرالية أفقد ذلك الاتجاه دعم وولاء كثير من أتباعه الذين استاؤوا من تزايد دور الحكومة وتوسع دور الكنيسة·

ويزعم كل من فنك وستارك أن النمو المتزايد للتقاليد الأصولية أو المحافظة يعود إلى المسؤوليات الاجتماعية التي فرضتها تلك الجماعات على أعضائها، في الوقت الذي لم تكن فيه كنائس الاتجاه السائد تفرض فيه التزامات كافية· فالناس كما يقولون "يميلون بطبعهم إلى تقييم الدين على أساس قدر الالتزام الذي يفرضه عليهم- فكلما ازدادت التضحيات التي يقدمها الفرد لكي يحسن من وضعه من الناحية الدينية ازدادت أهمية الدين بالنسبة له"· ومن الملاحظ أن الكنائس المحافظة، وبخاصة من خلال منظورها المحدد للمعايير على الولاء لها، والانخراط في تقاليدها في الوقت نفسه الذي تصر فيه على بقاء أعضائها في عزلة عن الثقافة الكبيرة المتفسخة·

ومع أن بعض المحللين السياسيين قد يقبلون من دون تحفظ بأن الأيديولوجية السياسية لليمين المسيحي تقوم على اعتقاداتهم الدينية فإن جذور جماعات اليمين المسيحي، وبخاصة الائتلاف المسيحي، وتحالفاته غير المتوقعة تشير إلى أن الدوافع الدينية ليست القوة الوحيدة وراء نشاط اليمين المسيحي· فها هو "رالف ريد" أحد أبرز قيادات اليمين المسيحي، والذي كان يشغل منصب المدير التنفيذي لمنظمة الائتلاف المسيحي حتى بداية عام 1999، يعترف بأن اقتناعاته السياسية كانت دائماً تسبق اعتقاداته الدينية، فضلاً عن أن مواقف اليمين المسيحي السياسية ليست مشتقة بالضرورة من الكتابات الإنجيلية والتقاليد المسيحية لا سيما أن هناك تاريخاً موثقاً للنزاع والخلاف في الديانة المسيحية فيما يتعلق بموقف الفرد حيال المشكلات الاجتماعية·

 

منظمة الائتلاف المسيحي

 

يرى كثير من المحللين السياسيين أن إنشاء منظمة الائتلاف المسيحي قد مثَّل منعطفاً رئيساً في جهود المسيحيين اليمينيين في بعث القيم المسيحية وترسيخها في المجتمع الأمريكي، وذلك لأن هذه المنظمة تستمد وظيفتها الأساسية من إيمان مؤسسها "بات روبرتسون" بأن القوى الإلحادية والعلمانية التي تشمل وسائل الإعلام، والتعليم، ونخبة هوليوود، والمحاكم، والجماعات الليبرالية حولت البلاد من أمة مسيحية إلى أمة معادية للمسيح، ومن ثم فإن الهدف الأساسي للائتلاف هو العودة بالبلاد مرة أخرى إلى الله· وقد صرح "روبرتسون" قائلاً: "إنني أدعوكم للانضمام إلى جيش الوطنيين المسيحيين المتنامي الذي يعمل من أجل إعادة أمريكا إلى الله مرة أخرى· وتتميز منظمة الائتلاف المسيحي عن غيرها من منظمات اليمين المسيحي الأخرى في إدراكها لطبيعة المواجهة مع القوى المعادية لها والمهيمنة على المؤسسات السياسية، مما يتطلب وضع استراتيجيات جديدة ومبتكرة للتأثير على العملية السياسية عبر دفع أكبر عدد ممكن من المعتنقين لمبادئها إلى الانخراط في العمل السياسي على مختلف المستويات، بدءاً بالقاعدة الشعبية· ولذلك أصبحت عبارة الخروج من مقاعد الكنيسة إلى الحلبة العامة مفهوماً محورياً لمنظمة الائتلاف المسيحي منذ إنشائها في أعقاب انتخابات الرئاسة لعام 1989، التي أصبحت تمثل المنظمة الأكثر نشاطاً وحيوية لليمين المسيحي المنبعث في السياسة الأمريكية خلال هذا العقد·

وقد أخذ الائتلاف المسيحي بقيادة "بات روبرتسون" زمام القيادة المحورية لحركة اعتقد كثير من المحللين بأنها قد ماتت بعد فشل محاولة "روبرتسون" خوض انتخابات الرئاسة في عام 1988م، لكن الذي لا يعرفه كثيرون هو أن "روبرتسون" استفاد كثيراً من ذلك الإخفاق في المجال السياسي، بعدما أدرك أن جهود الإنجيليين المسيحيين لانتشال المجتمع الأمريكي من المأزق الأخلاقي والسياسي الذي يعيشه لا يمكن أن يحالفها النجاح على أي مستوى حكومي دون أن تكون مصحوبة بدعم سياسي منظم على مستوى القاعدة الشعبية، مما دفعه إلى تغيير استراتيجيته السياسية بكاملها، عندما وضع كلمة الجذور الشعبية نصب عينيه وقرر نسيان البريق القومي والرئاسي في الوقت الحاضر على الأقل، والتركيز- بدلاً من ذلك- على استخدام الكنائس الإنجيلية الأمريكية ذات التأثير المهم كمراكز محلية لحملة تعليمية ومبادرة على مستوى القاعدة الشعبية، من خلال الوصول إلى مجالس المدارس والسلطة التشريعية في الولايات والانخراط في الدوائر الحزبية المحلية·

وفي هذا السياق يقول متحدث بارز للائتلاف المسيحي في ولاية ميشيغان "إن العقد القادم ينطوي على الفرصة الأكبر للعمل على مستوى القاعدة الشعبية، وإن الوقت حان لصرف أنظارنا عن البيت الأبيض والتركيز بدلاً من ذلك على الجذور"· كما ينقل "مارتن" عن أحد قادة هذا الاتجاه قوله:

إذا أردت أن تكون ذا تأثير على العملية السياسية في هذه البلاد فإن عليك أن تنتخب أناساً على المستوى المحلي، ومن ثم البناء على ذلك من القاعدة إلى القمة، ونتيجة لتبنينا هذه الاستراتيجية فإن لدينا الآن عدداً كبيراً من الأصدقاء في المجالس المدنية ومجالس المقاطعات والمدارس وفي الهيئات التشريعية الولائية، وهو الشيء الذي كنا نفتقده في الماضي· وهذا هو السبب الذي يجعلنا نتحدث بجدية في الوقت الحاضر عن ضرورة إجراء تغييرات جذرية في واشنطن؛ وذلك لأنه أصبح لدينا حكام ولايات ومشرعون ورؤساء بلديات يتبنون مواقفنا المحافظة·

ولكي يتمكن المحافظون الإنجيليون من العمل بفعالية على هذا المستوى كان عليهم أن يواجهوا ويتغلبوا على العقبة النفسية التي أدت إلى تحجيم نشاطهم في المجال السياسي، فهم لم يصبحوا رقماً مؤثراً في المجال السياسي الأمريكي بعد، ويرجع ذلك في جزء منه إلى الشكوك المتجذرة في الأوساط اللاهوتية الإنجيلية حيال ملاءمة العمل السياسي للحياة المسيحية· ويعود هذا التردد إلى الخلاف بين التقوية (حركة دينية نشأت في القرن السابع عشر كانت تؤكد أهمية دراسة الكتاب المقدس والخبرة الذاتية الشخصية) من جهة، والدين السياسي من جهة أخرى·

ومن المؤكد أن السياسة الإنجيلية تأرجحت خلال تاريخها الممتد عبر قرنين من الزمن ما بين الانخراط في المشهد السياسي الأمريكي والانزواء عنه· إلا أن الانغلاق الكامل سواء على الغريزة السياسية أو التقوية كان يبدو مستحيلاً ربما حتى في الوقت الحاضر· ويبدو أن الانبعاث الهادي لمنظمة الائتلاف المسيحي بزعامة "روبرتسون"، الذي أكد بعد إخفاقه في الانتخابات الرئاسية أنه ولد من جديد، لتعميد العمل المسيحي في المجال السياسي وتطهيره من أجل أن يمثل تقوية لاهوتية صحيحة خلال التسعينات، أخرج الإنجيليين من هذا المنعطف الحرج لا سيما بعد أن أسند "روبرتسون" رئاسة تلك المنظمة إلى "رالف ريد" الذي يعتبر واحداً من أبرز العقول المفكرة في السياسة الأمريكية المعاصرة·

ولتحقيق ذلك الادعاء استخدم "روبرتسون" إمبراطوريته الإعلامية وشهرته العامة كقائد روحاني ملهم فضلاً عن ثروته الكبيرة لمساعدة اليمين المسيحي على حملته الهجومية الأضخم في الولايات المتحدة، ابتداء من القاعدة الشعبية، في سبيل تحقيق الأهداف المعلنة التي تشمل:

1- تمثيل المسيحيين أمام المجالس والسلطات التشريعية الولائية والفيديرالية·

2- تدريب المسيحيين على العمل السياسي المؤثر·

3- إطلاع المسيحيين على التشريعات وقضايا الساعة·

4- الحديث إلى الأوساط العامة ووسائل الإعلام·

 5- الاحتجاج ضد محاولات اضطهاد المسيحيين والدفاع عن حقوقهم المشروعة·

وتشير الدلائل كلها إلى أن المبادرة الجديدة كانت ناجحة جداً- إلى الحد الذي حدا بـ سوزان فيار في خطاب لها في جامعة غرب إلينوي- إلى اعتبار الحركة واحدة من الحركات الاجتماعية الرئىسية الثلاث في القرن العشرين، إلى جانب كل من حركة العمل وحركة الحقوق المدنية· كما أكد "نيوت جينجريتش" رئىس مجلس النواب الأمريكي السابق في خطابه الرئىسي أمام مؤتمر طريق النصر للائتلاف المسيحي في 1993 أن "بات روبرتسون" و"مارتن لوثر كنج" يعتبران أبرز رجلين في القرن العشرين· وبإيجاز يمكن القول بأن الاهتمام بالقاعدة الشعبية والمشاركة المحلية أصبح الآن علامة بارزة لليمين المسيحي الجديد· وقد لاحظ "مارتن" (Martin, 1996) النجاح المتزايد لمرشحي الائتلاف المسيحي على مستوى القاعدة الشعبية، وأشار إلى أن التأثير السياسي لهذا الاتجاه خلال المؤتمر القومي للحزب الجمهوري في عام 1992م وصل إلى مستويات عالية لم يصل اليها من قبل·

ويزدهر الائتلاف المسيحي في المناطق التي يعتبر الناخبون فيها أنفسهم محافظين ومعارضين لحقوق الشاذين ومؤيدين لقيم الأسرة التقليدية، وأنهم ضحايا للظلم وعدم المساواة في الفرص، ومن ثم يتطلعون إلى مجتمع يمنحهم بعضاً من القوة والإيمان، فضلاً عن المناطق التي يكون الدين فيها مسيساً·

ومن مؤشرات تنامي تأثير هذا الائتلاف وحضوره على الساحة أن عدد المنتمين له قفز من 500.000 عضو في سنته الأولى عام 1989 إلى أكثر من 1.700000 عضو دافع لرسوم الاشتراك في سنة 1999م، يتركز معظمهم في الجنوب والغرب حيث يتكاثر الإنجيليون البروتستانت وتباع الكنائس غير المذهبية· كذلك فإن صحيفة هذا الائتلاف التي ترسل إلى الأعضاء المخلصين كانت تصدر في البداية كل شهرين، ثم أصبحت الآن شهرية، ويخطط لتوسيع قاعدة توزيعها في نهاية هذا العقد لتصل إلى عشرة ملايين نسخة في الشهر، وهذا يعني أربعة أضعاف توزيع مجلة تايم الشهيرة· إضافة إلى ذلك فقد طبع الائتلاف المسيحي 40 مليون نسخة إرشادية للناخب لتوزيعها في انتخابات عام 1992 في جميع أنحاء الولايات المتحدة، أما فروع الائتلاف المحلية فقد وصل عددها إلى أكثر من 572 تغطي الولايات الخمسين· وبهذه القاعدة العريضة القائمة على الكنائس، والذراع الإعلامية القوية، والشعور بوجود مهمة أخلاقية سياسية، مع النضج السياسي، ووجود اتفاق واسع ومشترك على برامجه، فإن اليمين المسيحي عموماً، والائتلاف المسيحي على وجه الخصوص، يعتبر من الناحية النظرية حزباً سياسياً بكل ما تعنيه الكلمة·

وفي هذا السياق يحذر شيب بورتوس، وهو قسيس أصولي سابق ومؤسس معهد First American Studies، من تعاظم خطر هذا الاتجاه بقوله:

لقد جاء هؤلاء الناس إلى الساحة السياسية ليبقوا فترة طويلة، ولذلك فإنهم ليسوا قلقين على هذه السنة أو السنة القادمة· إن هؤلاء الناس الذين انتخبوهم لإدارة السيطرة على المياه ومجالس المدارس وغيرها موجودون في النظام السياسي الآن، وسيتدرجون في مستوياته المختلفة إلى الأعلى· وإذا لم يتم ايقافهم الآن فإنهم سيديرون البلاد في غضون عشرين سنة.

 

مواقف الائتلاف المسيحي

 

تنبع القيم الأساسية للائتلاف المسيحي- التي يريد أنصاره أن تكون معياراً لقيم المجتمع الأمريكي- من الفهم الحرفي للتوراة والإنجيل؛ حيث يؤمن هؤلاء بالتطبيق الحرفي والمباشر لهما على الشؤون المعاصرة، وبخاصة ما يتعلق منها بالمسائل الأخلاقية· ومن ثم تصبح السياسة الأمريكية في هذه الحالة معركة حول الأهداف وليس الوسائل، وصراعاً لتحقيق النصر الإلهي، ومن ثم فليس هناك مجال للتسوية أو الحلول الوسط مع الخصوم، ويقوم الافتراض الأساسي لهذا الائتلاف على أساس أن الأصول التي بنيت عليها الولايات المتحدة كانت ربانية، إذ تزعم Phyllis Schlafly أن:

إعلان الاستقلال يمثل إعلاناً رسمياً وصريحاً من قبل الشعب الأمريكي بالإيمان بالله، ومن ثم فهو وثيقة دينية من أول جملة فيه إلى آخر جملة··· إن الأمة التي أنشئت بوساطة ذلك الإعلان العظيم لهي بلد رباني، وأن الحقوق التي وردت فيه هي حقوق إلهية، وأن الأفعال التي قام بها موقعوه جاءت بإلهام من الله·

إن الإيمان بالله والاتباع الصارم لتعليماته تدرّس على أنها جزء من اتباع كلمة الله، وبناء على ذلك تعتبر مواقف الائتلاف المسيحي معروفة للجميع، فهم يقفون ضد تقنين الاجهاض، إذ يرون أنه يمثل جريمة قتل تبررها الأنانية والانغماس في الملذات من قبل النساء اللاتي تأثرن بالحركة الانثوية في الولايات المتحدة·

وتربط Schafly رغبة الحركة الانثوية في مخالفة القوانين المقدسة بالمذهب الإنساني العلماني حيث تقول:

كما أن المذهب الإنساني يقوم على الإلحاد وعلى الفكرة القائلة بأن الإنسان هو محور الكون، فإن الحركة الأنثوية تضع النساء في مركز الكون· لقد اختارت تلك الحركة كلمة "التحرر" لأنها تعني التحرر من البيت والزوج والأسرة والأطفال·

ويفضل الائتلاف المسيحي عملية الاختيار في التعليم (أي انهم يحبذون التعليم الخاص المدعوم)· كما انهم يؤمنون بالخلق بدلاً من عملية التطور البيولوجي التي يعتنقها العلمانيون الإنسانيون، وحاولوا مراراً استصدار تشريعات لتعليمه في المدارس· كما انهم يعارضون العلمانية الإنسانية فيما يتعلق بالشذوذ الجنسي، ويرون أن هذا الأمر ليس انحرافاً فقط وإنما غير أخلاقي أيضاً· ويدعم الائتلاف المسيحي قيم الأسرة التقليدية بقوة، ويحاول أنصاره كسر الحاجز الفاصل بين الدين والدولة منكرين أنه كان هناك أي نية لدى الآباء المؤسسين للفصل بينهما·

وفي المجال الاقتصادي يتبنى هذا الائتلاف الأفكار "الكالفينية" القائلة بأن الثروة تكتسب من خلال الجهد والكفاح، وأن المسؤولية الفردية والتضحية سوف تسهمان في تحقيق النجاح في بيئة تقوم على المؤسسات الحرة، ويتخذون موقفاً معارضاً للضرائب، ويرون أن دور الدولة في هذا المجال يجب أن يقتصر على توفير الأمن والعدالة· ويصر قادة هذا الاتجاه على أن إعلان الاستقلال والدستور في نظرهم هدفا إلى منع تركز السلطة السياسية، وبالتالي فإن تزايد دور الحكومة في المجال الاقتصادي في القرن الحالي يعتبر شراً عظيماً لكنهم مع ذلك يتبنون موقفاً مؤيداً للتدخل الحكومي في الجوانب الاجتماعية للحفاظ على القيم والأخلاق المسيحية·

وينظر الائتلاف المسيحي إلى نفسه باعتباره ممثلاً للطبقة المتوسطة المنسية ومدافعاً عن حقوقها المهضومة من قبل مجموعة من القطاعات الأخرى في المجتمع: الأغنياء والأقليات المتعصبة، والفقراء، والطبقة الجديدة المولفة من بيروقراطيي الحكومة المتحالفة لإجبار افراد الطبقة المتوسطة على دفع التكاليف الناتجة عن الفائض الذي يطالب به الفقراء والأقليات، ويتم العمل على ضمان ذلك من قبل الأغنياء والمتسلطين؛ أي إن هناك تحالفاً بين تلك الفئات اي اعتبار للأمريكيين العاديين أو قيمهم التقليدية·

ويعزو أنصار الائتلاف المسيحي السبب في ذلك الوضع المتردي للطبقة المتوسطة إلى النخبة الجديدة التي وصلت إلى السلطة في الثلاثينات وبدأت في ترسيخ اقدامها تدريجياً حتى استطاعت الهيمنة على الفرعين التنفيذي والقضائي· ويصفون تلك النخبة بأنها حضرية لا أخلاقية ومادية منغمسة في الشهوات والملذات· أما أيديولوجيتها فهي الليبرالية التي تتكون من:

مجموعة الأفكار والقيم التي تدعم بقوة المساواة والحرية والأخوة الإنسانية، إلا أن تلك الأفكار منسجمة ومتوافقة بشكل عجيب مع المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية (المصالح البنائية) للجماعات التي تعتنقها··· ويعود السبب في ازدهار الليبرالية بشكل كامل تقريباً إلى كونها تعكس المصالح المادية والنفسية لذلك القطاع من المجتمع الأمريكي، الذي يتمتع بالامتيازات، والقابضين على السلطة أو الباحثين عنها·

وبناء على ذلك يرى الائتلاف المسيحي أن وجود حكومة كبيرة ذات صلاحيات واسعة في أيدي النخبة الليبرالية ودعاة المساواة بين الجنسين يمثل مظاهر بارزة للعلمانية الإنسانية، وأن تلك الفئات هي المسؤولة عن انحراف الولايات المتحدة عن مسار الفضيلة المسيحية الذي كانت تسير فيه في أيامها الأولى، وأن إباحة الإجهاض وانتشار الصور الإباحية وتفشي الطلاق ومنع الطلاق ومنع الصلاة في المدارس العامة والاندماج القسري من خلال وسائل المواصلات والحصص التفضيلية للأقليات وشيوع الشذوذ الجنسي والتبعية الناتجة عن دولة الرفاهية والارتفاع المتنامي للجريمة وانتشار المخدرات ما هي إلا بعض من الآثار السلبية للهيمنة المستمرة لتلك النخبة·

ويؤكد الائتلاف المسيحي أن تلك النخبة آخفقت أيضاً في المجال الخارجي عندما فشلت في إدراك حقيقة الخطر الشيوعي ومن ثم مواجهته، وأن كلا من الاتفاقات التجارية والمساعدات الاقتصادية واتفاقات الحد من الأسلحة بل وحتى سياسة الاحتواء التي سادت خلال الحرب الباردة كانت جميعها تمثل تنازلات خاطئة للشيوعية المستبدة·

ودولياً يتخذ الائتلاف المسيحي موقفاً مؤيداً لانتهاج سياسة دفاعية قوية؛ لأن أضمن الوسائل لتحقيق السلام في نظره يتمثل في القوة العسكرية حتى في الحقبة النووية· لذا يذهب أحد قادة هذا الاتجاه إلى القول بأن القنبلة الذرية تعتبر "هدية رائعة أعطيت لبلادنا من إله حكيم" كذلك يتبنى هذا الاتجاه موقفاً عدائياً تجاه الشيوعية حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، إذ مازال القلق يساور أنصاره من امكانية انبعاث الشيوعية السوفيتية، مرة أخرى اضافة إلى القوة المتنامية للصين الشيوعية، فضلاً عن القوى الشيوعية الأخرى مثل كوبا وكوريا الشمالية·

وللائتلاف المسيحي اهتمام خاص بدعم اسرائىل وتعزيز موقعها واستقلالها· وعلى الرغم من الشعور المعادي للسامية الذي كان يسود في أوساط الإنجيليين في الماضي فإن اليمين المسيحي بشكل عام والائتلاف المسيحي بشكل خاص بدأ يدعم اسرائىل منذ حرب الأيام الستة عام 1967م، نظراً لأهميتها الدينية الخاصة كونها البلاد التي نشأ فيها المسيح والمكان الذي تتنبأ الأناجيل المسيحية بعودته اليها، وأن تلك العودة لن تحدث إلا بعد قيام دولة إسرائىل وبناء الهيكل، ويقول "بات روبرتسون": "إن إعادة ميلاد إسرائىل هي الاشارة الوحيدة إلى أن العد التنازلي لنهاية العالم قد بدأ، كما أنه مع مولدها فإن بقية النبوءات ستتحقق بسرعة" (هالسل، ص 49)· وهذا يفسر الموقف المتشدد الذي اتخذه قادة الائتلاف المسيحي تجاه عملية السلام في الشرق الأوسط· وبخاصة "بات روبرتسون" الذي لم يكتف برفضها فقط بل زعم أن الله عاقب "رابين" بالموت لأنه وقف في طريق تحقق النبوءة الإنجيلية، وأنه هو سيواجه المصير نفسه إذا ما وقف في طريق الخطة الإلهية·

ونظراً إلى أن الإنجيليين حرفيون فإنهم يؤمنون حرفياً بروايات التوراة والإنجيل، وبخاصة فيما يتعلق بمعركة هرمجيدون بكل تفصيلاتها الزمانية والمكانية، ولذلك يشعر المطلع على تصريحات رموز اليمين المسيحي وقياداته بأن نهاية العالم أوشكت، وأن الفترة الباقية ستكون حبلى بالأحداث الجسام التي ستكون إسرائىل محورها وضحيتها، وأن تلك الكوارث ستصل إلى ذروتها في معركة هرمجيدون بين إسرائىل وأعدائها من العرب والروس والصينيين، والتي ستستخدم فيها مختلف أنواع الأسلحة ومنها النووية، وينتج عنها فناء كامل للبشرية ما عدا المؤمنين بالمسيح، الذين ينقذهم المسيح بعودته الثانية ليحكم الأرض ألف سنة قادمة· وقد نجح قادة هذا الاتجاه في اقناع شخصيات أمريكية بارزة بتلك النبوءات، وعلى رأسهم الرئىس الأسبق "جيمي كارتر" والرئىس "رونالد ريغان" الذي صرح مراراً بإيمانه بحتمية هذه المعركة وقوتها في هذا الجيل، ومن ثم فإن الحرب العالمية الثالثة ليست عندهم مجرد أمل ينتظر وإنما قدر لا بد من القبول به بل السعي إلى تحقيقه لانها سوف تمهد المسرح لقدوم المسيح·

ومن هنا فإن قادة الائتلاف المسيحي يتبنون الدعوة إلى الدعم المطلق لإسرائىل وبخاصة بعد احتلالها للقدس الشريف في عام 1967م، الذي اعتبر أعظم دليل على صحة النبوءات التوراتية التي أخبرت عن عودة اليهود اليها مقدمة لمجيء  المسيح، وهذا يفسر التأييد الأعمى الذي تجده إسرائيل من أنصار هذا الاتجاه، وبخاصة فيما يتعلق بتأكيد ضرورة إبقاء القدس عاصمة لإسرائيل، وتشجيعها على عدم تقديم أي تنازلات فيما يتعلق بالانسحاب من الأراضي المحتلة، ونجاحهم في التأثير على الكونجرس لاستصدار تشريع يلزم الادارة الأمريكية بنقل سفارتها إلى القدس· وفي هذا السياق تقول الكاتبة الأمريكية "لي أوبراين": "إن المذاهب اللاهوتية لكثرة من البروتسانت تصف إنشاء دولة إسرائىل بأنه تحقيق لنبوءة توراتية· وهي تذهب أيضاً إلى أن تجمع اليهود، هو مجرد تمهيد لتنصيرهم قبل المجيء الثاني للمسيح"·

وأخيراً فإن للائتلاف المسيحي مواقف سياسية واقتصادية خارجية منها المطالبة بحماية الأقليات المسيحية في العالم، إذ نجحت هذه المنظمة- بالتعاون مع منظمات اليمين السياسي الأخرى- في دفع الكونجرس الأمريكي إلى تبني مشروع قرار يلزم الحكومة الأمريكية بإدراج موضوع الحرية الدينية وحماية الأقليات المسيحية في علاقاتها مع الدول الأخرى· وبرز هذا الأمر بوضوح في الآونة الأخيرة مع تزايد الانتقادات لدول مثل مصر، التي اتهمت بانتهاك حقوق الأقلية القبطية، والمملكة العربية السعودية التي انتقدت لعدم سماحها للمسيحيين بممارسة شعائرهم الدينية، وكذلك الحال بالنسبة للصين·

إضافة إلى ذلك فإن الائتلاف المسيحي يؤيد انتهاج سياسة قومية متطرفة جديدة ويطالب بإنهاء كل أشكال الدعم الأمريكية، وترك البنوك الأمريكية الكبيرة تتولى تحصيل ديونها الخارجية من دون مساعدة الحكومة، مع مطالبته بالحفاظ على القوة العسكرية الأمريكية في أعلى مستويات الاستعداد والتأهب· كما يرى أن السياسة الاقتصادية ينبغي أن تسعى إلى تحقيق أفضلية تجارية وامتيازات في كل مكان ممكن·

وقد لاحظ أحد المراقبين المحترفين أن هدف الائتلاف المسيحي المنبثق من تصوراتهم الدينية والمتمثل في الاستيلاء على كل المؤسسات العلمانية أصبح يمثل أيديولوجية محورية لليمين المسيحي· ومن ثم يمكن القول بأن الائتلاف المسيحي أصبح يتزعم حركة انبعاث ديني متنام، ولم يعد يكتفي بالتأثير على السياسة الأمريكية وإنما يعتقد بأن عليه التزاماً بتوجيهها والإمساك بزمامها، وهو ما عبر عنه أحد قادة هذا الاتجاه بقوله:

يقول الإنجيل إن علينا أن نقود، واذا لم تحكم أنت أو أحكم أنا فإن الملحدين والعلمانيين الماديين سوف يحكموننا· ولذلك ينبغي علينا أن نسيطر على زعامة مجالس مدارسنا وأن نتزعم أمتنا· ينبغي أن نكون أعضاء في مجلسي النواب والشيوخ كما ينبغي علينا أن نسيطر على جوانب الحياة كلها·

كما يقول آخر متحدثاً بلسان أنصار هذا الاتجاه: إنه ليس هناك من سبب يدعونا لقبول الوضع الراهن وإننا ثوريون نريد أن نغير مؤسسات السلطة الحالية· فنحن لسنا محافظين إذا كانت هذه المحافظة تعني القبول بالوضع القائم· إننا لا نستطيع القبول به··· وعلينا أن نبحث عن الاتجاه الصحيح فنحن قوى التغيير· وإذا كان الناس في وضع غير مريح في هذا البلد فما عليهم إلا اللجوء إلى القيادة المحافظة من أجل إحداث التغيير المطلوب·

 

* مجلة العلوم الاجتماعية - المجلد 28 العدد 3 سنة 2000

** أستاذ مشارك - قسم العلوم السياسية - جامعة الملك سعود

طباعة