رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء17-23رمضان 1421هـ الموافق13-19ديسمبر 2000
العدد 1457

من الفقه الجعفري

في رحاب العترة الطاهرة

 

بقلم: مصطفى سيد حسن الزلزلة

 

الإمام علي بن أبي طالب

 

إذا أردنا أن نحيط علماً بأبعاد شخصية الإمام علي- عليه السلام- الذي استشهد في الليلة الحادية والعشرين ليلة القدر المباركة التي تطلب في العشر الأواخر من شهر رمضان إثر ضربة عدو الله ابن ملجم كما جاء في كلام الإمام الحسن الزكي في شأن أبيه- عليهما السلام- (··· ولقد قبضه الله في الليلة التي قبض وصي موسى، وعرج بروحه في الليلة التي عرج فيها بروح عيسى بن مريم وفي الليلة التي أنزل الله عز وجل فيها الفرقان···) مجمع الزوائد للهيثمي، فالمصادر المعتمدة كثيرة، في طليعتها القرآن الكريم الذي يسلط الضوء على هذه الشخصية التي تفيض كمالاً في شتى الميادين كما في آية التطهير (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) الأحزاب 33 وآية المودة (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) الشورى 23 وآية المباهلة (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) آل عمران 61 حيث إن هذه الآيات تجمع علياً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وهناك آيات في حقه خاصة كقوله تعالى (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا···) المائدة 55 (وتعيها أذن واعية) الحاقة 12 و(الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية) البقرة 274 و(إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) الرعد 7· وأما السنة النبوية المطهرة ففي صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة (باب مناقب علي بن أبي طالب) قال الرسول لعلي: (أنت مني وأنا منك)، وحديث المنزلة: عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) وحديث يوم خيبر (لأعطين هذه الراية رجلاً يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) الحديثان (المنزلة ويوم خيبر) صحيح مسلم (كتاب الفضائل) (باب من فضائل علي بن أبي طالب) وفي يوم الأحزاب عندما برز أمير المؤمنين عليه السلام- إلى ميدان القتال لقتال رئىس الأحزاب عمرو بن عبد ود العامري في موقف تزلزلت فيه الأقدام كما قال تعالى (هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً) الأحزاب 11 قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم: (برز الإيمان كله إلى الشرك كله) البرهان سيد هاشم البحراني· فلاحظ هذا المقام العالي (الإيمان كله) الصادر عن الإمام علي- عليه السلام- فهو بحق أمير المؤمنين كما قال سيد رضا الهندي:

 

أبا حسن تالله أنت لأحمد     أخوه وقاضي دينه ووزيره

فلا أمة إلا وأنت أمينها   ولا مؤمن إلا وأنت أميره

 

ولنصغ إلى كلام الإمام أمير المؤمنين- عليه السلام- وهو يتحدث عن نفسه كما ذكر الشريف الرضي في نهج البلاغة (خطبة 192) المسماة بالقاصعة هذا الكلام العلوي من أمير الكلام والبيان: (وقد علمتم موضعي من رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة وضعني في حجره وأنا ولد يضمني إلى صدره ويكنفني في فراشه ويمسني جسده ويشمني عرفه وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل، ولقد قرن الله به- صلى الله عليه وآله وسلم- من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالإقتداء به··· وإني لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم سيماهم سيما الصديقين وكلامهم كلام الأبرار··· قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل)· فجدير بهذه العناية المحمدية المحاطة بالعناية الإلهية أن تنتج لنا هذه الشجرة العلوية الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها·

نعم إن الإمام أبا حسن علي بن أبي طالب- عليه السلام- مجمع الفضائل والمناقب يحتاج اليه الحاكم في حكومته والعالم في علومه والعابد والزاهد والشجاع فهو القائل (سلوني قبل أن تفقدوني فلأنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض) وطرق السماء إشارة إلى عالم الحقائق والأمور الغيبية، وكما قال ابن عباس حبر الأمة: جمعت في علي (صفات) أضداد ما جمعت في بشر قط· وقد أخذ هذا المعنى صفي الدين الحلي فقال:

 

جمعت في صفاتك الأضداد      فلهذا عزت لك الأنداد

زاهد حاكم حليم شجاع         ناسك فاتك فقير جواد

شيم ماجمعن في بشر قط      ولا حاز مثلهن في العباد

 

لقد روى الخوارزمي في كتاب المناقب، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة حديثاً عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم: (لو أن الرياض أقلامٌ والبحر مدادٌ والجن حسابٌ والإنس كتاب، ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب)· إننا لو تأملنا كتاب نهج البلاغة الذي يضم بعض خطب ورسائل وحكم الإمام علي -عليه السلام- نرى أنفسنا أمام شمس ترسل أشعتها إلى كل العالم لتضيء بنورها السبل أمام الطالبين الوصول إلى مقاصدهم فهو كما قال القائل:

 

كالشمـس في كبـد السماء ونـورهـا       يغشــى البــلاد مشــارقاً ومغـارباً

 

ففي مقام التوحيد وكماله يقول: (أول الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده الإخلاص له وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه···) وفي مجال الفلسفة والحكمة يقول: (كل معروف بنفسه مصنوع وكل قائم في سواه معلول) فهو أول من فتح باب الاستدلال البرهاني، وفي العرفان وتجرد النفس واتصالها بالمبدأ الأعلى يقول: (هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين·· وصحبوا الناس بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى··)، وفي تهذيب النفس الذي أحوج ما يكون اليه الإنسان ليحققه، ويتأكد هذا في شهر رمضان المبارك يقول- عليه السلام-: (وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر وتثبت على جوانب المزلق)، وفي الفقه يقول لمالك الأشتر: (وإذا قمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفراً ولا مضيعاً، فإن في الناس من به العلة وله الحاجة وقد سألت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- حين وجهني إلى اليمن كيف أصلي بهم؟ فقال: "صل بهم كصلاة أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيماً") وفي الفلك والنجوم يقول: (جعل نجومها أعلاماً ليستدل بها الحيران في مختلف فجاج الأقطار)، وفي علم الأرض يقول: (كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة ولجج بحار زاخرة) وأيضاً (فطر الخلائق بقدرته·· ووتد الصخور ميدان أرضه··)، وفي علم الطب يقول موجهاً البشرية كيفية استقبال البرد والانسجام معه: (توقوا البرد في أوله وتلقوه في آخره فإنه يفعل في الأبدان كما يفعل في الأغصان أوله يحرق وآخره يورق)، وفي الأمور الحربية والمخططات العسكرية يقول: (ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال ومناكب الهضاب·· وإياكم والتفرق··) وفي سياسة الوالي مع الرعية: (واخفض للرعية جناحك وابسط لهم وجهك وألن لهم جانبك) وفي مجال الحرية وحقوق الآخرين واحترام الناس يقول موصياً الإمام الحسن- عليه السلام: (يا بني اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك واكره له ما تكره لها ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم وأحسن كما تحب أن يُحسن إليك···) وفي المناجاة تراه يناجي الله تعالى بمختلف الأحوال منها (إلهي كفى بي عزا أن أكون لك عبداً وكفى بي فخراً أن تكون لي رباً أنت كما أحب فاجعلني كما تحب)، وهو الزاهد العابد المتواضع الذي طلق الدنيا قائلاً: (يا دنيا إليك عني أبي تعرّضت أم إليّ تشوقت لا حان حينك هيهات غرّي غيري لا حاجة لي فيك طلقتك

(ثلاثاً لا رجعة فيها··)، هذا غيض من فيض، إن الإمام عليا ــــ عليه السلام ــ يعلم أن الناس لا يقدرون على الاستغراق في هذه الروحية العالية والمستوى من العيش إلا أنه كان يعظهم ولاة ورعية قائلاً: (ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمرية ومن طعمه بقرصيه ألا أنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد··) نعم هذا الإمام علي ــ عليه السلام ــ الذي أقام عمود الإسلام وطبق آيات القرآن وكتب الله تعالى النصر للمسلمين على يديه في غزوات كثيرة منها غزوة بدر التي وقعت في السابع عشر من هذا الشهر المبارك، فقد كتب الله تعالى الغلبة للمسلمين رغم قلتهم بثبات مجموعة منهم علي ــ عليه السلام ــ الذي قتل بسيفه ذي الفقار الكفار وحصد رؤوس المشركين وادخل الحزن في بيوت المشركين فأثبت عليه السلام أن الإيمان بالله تعالى والتوكل عليه والثقة بوعده بنصر المسلمين هو السلاح يتغلب به على الكفار رغم كثرتهم فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله·

فسلام عليك يا أمير المؤمنين يوم ولدت في بيت الله الحرام في أفضل مكان فأشرقت الأرض بنورك ويوم لبيت نداء الشهادة في بيت من بيوت الله وهو مسجد الكوفة في أفضل زمان ليلة القدر ليلة نزول القرآن، سلام الله عليك ورحمته وبركاته·

طباعة  

رمضان في البحرين
 
ولدوا وماتوا في رمضان
 
رمضان وصحة الجسم
 
كتاب
 
رمضان في الدول الإسلامية
 
رمضان بعيون صائميه
 
شرق وغرب