· هزائم كثيرة لمثقفين عراقيين أمام سلطتي المال والإعلام
· الإصداران محكومان بغياب تام للمعايير الموضوعية
· "لعيبي" يتساءل عن علاقات "الجنابي" المريبة مع إسرائيل!
· صاحبا الإصدارين لا يشكلان علامة فارقة بين شعراء جيليهما
كما هي حال السياسيين العراقيين، المغتربين في كل أقطار المعمورة، والذين لم يستطيعوا ولم يستطع أن يوحدهم الهدف ولا النضال المشترك، وكل ما يؤملهم بالوصول إلى بغداد بعد إسقاط نظامها الحاكم، كذلك بدا حال مثقفيهم في الآونة الأخيرة، الخلاف الحالي الذي فرشوا حلبته على الصفحات الثقافية العربية، يدور حول أمور شخصية، ودوافع خفية في نفوس "يعاقبتهم" ·· وإن ارتدى لبوساً ثقافية في بعض الأحيان، فهذا التنازع أو "العركة" العراقية على "انطولوجيات غربية"، كشف تعداد التناحر وتسوية الخلافات باستبعاد أسماء، وإدراج آخرين غير مؤهلين - وفق قيم أعمالهم الشعرية- فاقتصرت موضوعية العمل "الانطولوجي" على ما يحب القائم بهذا العمل وما لا يحب·
فقد قام الشاعر العراقي عبدالقادر الجنابي هذا العام بإعداد "انطولوجية" لمجموعة من الشعراء العرب، قدمها لقراء الفرنسية على أنها "صفوة" شعراء العربية بجميع ألوانهم، وجنسياتهم، ومدارسهم وكذلك فعل الشاعر العراقي خالد المعالي في ألمانيا، والتي قدمها للقراء الألمان على أنها السفر الذي يحتوي على كل هذه المدارس، رغم استبعاد كل منهما للآخر، بسبب انتقام الثاني من الأول أو العكس، لكن الأهم أن "المجموعتين" لم ينصفا شعراء العربية وخصوصاً في منطقة الخليج الذين أهملوا بسبب جهل "المعدين" لمكتبة الشعر الخليجية! لشاعر عراقي ثالث (شاكر لعيبي) رأى في كلا العملين، ودون أن نبحث في دوافعه، نعرض هنا أهم النقاط المهمة، التي تكشف هذه "العركة" في مقاله المطول الذي نشر في صحيفة "أخبار الأدب" إذ يقول:
إذا كان المؤلفان يلغيان بعضهما على هذه الشاكلة، فما هي حالهما مع الآخرين الذين لا تربطهم بهم لا علائق الصداقة ولا علاقات المنفعة·
إن صدور هاتين الانطولوجيتين مناسبة ثمينة لاستخلاص بعض الدروس العامة المتعلقة بحال الثقافة العربية، رغم أن الأمر قد يبدو مرتبطا بحدث محدد يمكن، خصوصاً، تأويله أسوأ تأويل··
على القارئ الكريم التنبه الى النقاط التالية:
1 - إن قيام الشعراء بإصدار الانطلوجيات الشعرية يحد من سقف الموضوعية سواء في الاختبارات أو في الحذوفات، لأن مزاج الشاعر وثقافته وذائقته الشخصية تتدخل كلها في عمله التجميعي الانطولوجي ذاك وهي تنقل العمل الى نوع من خيار شعري ذاتي· فما عدا الشعراء الذين لا يمكن تجاوزهم في الشعر العربي حتى وإن لم تنسجم رؤى بعضهم مع الرؤية الشعرية لمؤلف الانطولوجيا (مثل أدونيس ونزار قباني ومحمود درويش)، فإن الغالبية المطلقة من الشعراء المصنفين، خطلا وعسفاً، من طرف الثقافة العربية كشعراء من الدرجة الثانية والثالثة والرابعة يصيرون عرضة لتناول ذاتي شبه محض من طرف مؤلف يمارس الشعر هو نفسه· من الواضح لذلك أن الحساسية النقدية لمؤلف شاعر تصير من الهشاشة بمكان كبير في هذا السياق (خصوصاً إذا ما أثبت الزمن ضعف حساسيته النقدية أصلا ونزقه الفكري) ولا تسمح له، بالنتيجة بإنجاز عمل يقوم على الوصفية المحايدة·
2 - ان صدور هاتين الانطولوجيتين بلغتين أوربيتين أساسيتين، وتوقع انتظار عشرين عاما أخرى من أجل صدور انطولوجيات جديدة شاملة في هاتين اللغتين، يدفع لإلقاء نظرة متفحصة في فحواهما، في الأسباب الداعية الى اختياراتهما، وموضعة الجهد الذي يقع خلفهما في السياق العام للثقافة العربية في لحظتها الراهنة· ولكي لا ننتظر، عبثا، عشرين سنة من الزمن من أجل إزالة الظلم الذي لحق بعض من لم يدرجوا في هاتين الانطولوجيتين، يتوجب، على ما يبدو، قول كلمة أخرى فيهما·
3 - إن هذين العملين قد قام بهما شاعران عراقيان، وهو أمر يعقد المزيد من التعقيد تناولهما بإنصاف وعدالة، ذلك أن الساحة الأدبية العراقية في المنفى تظل محكومة بمعايير تنقصها الموضوعية الى حد بعيد، أو أنها محكومة بغياب تام للمعايير الموضوعية، وذلك بسبب المشكلات التي يسببها ترجرج المكان الثقافي وغياب المرجعيات الضرورية لها· إنها تذهب من تطرف نقدي إلى آخر، وتعاني من غياب النقد العادل في عالم الأدب الصائر رديفا بليغا لغياب العدالة الاجتماعية والسياسية في داخل البلد العراقي نفسه· إن التنوع والثراء وازدهار الفعاليات والإصدارات ودور النشر العراقية في المنفى لهو شيء ممتدح، ولكنه لا ينفي القول بأنه يشهد الغاءات متبادلة تتأتى من غياب الضوابط الداخلية التي تحكم العمل الثقافي الذي هو كذلك عمل للجماعة البشرية وليس فحسب خلقا فردانيا محضا· ان تأويل عملي عبدالقادر الجنابي وخالد المعالي في هذا السياق يمكن أن يجعلنا نتفهم بيسر الأسباب العميقة لردود فعلهما إزاء مجاليهما من الشعراء العراقيين إزاء حماسهما المفرط تجاه شعراء أقل أهمية بكثير في شرق العالم العربي وغربه· إن تأويل الفاعلية الشعرية والإنسانية للعراقيين المنفيين في إطار مثل هذا يمكن أن يفسر لنا جموح الكثيرين ورغباتهم بتصدر المنابر وإدراج أنفسهم بمناسبة ومن غير مناسبة في الترجمات والصحافة والمهرجانات وطلب ود المستعربين الأوروبيين في الجامعات وتنظيم المهرجانات لأنفسهم ولمن يحبون وترجمة أعمالهم أو دفع الآخرين لترجماتهم الى اللغات الحية والميتة ومقاربة أشعارهم بكبار شعراء العربية المعاصرة (خصوصاً السياب كما يفعل خالد المعالي من دون ذرة من الخجل)·
إن شعور المثقفين العراقيين بعدم وجود أحد يدافع عنهم، لا من طرف الدولة العراقية ولا من قبل المؤسسات الوطنية إزاء سلطتي المال والإعلام القويتين السائدتين، قد قاد عمليا إلى ظاهرة جداً معقدة بالأثمان كلها يتوجب عليهم الدفاع عن أنفسهم وعن إبداعاتهم· بعض الثمن غال ومرير· فإن اختلاط حابل هذا المنفى بنابله قد قاد الكثير من المثقفين العراقيين الى نوع من التواطؤات الصغيرة التي لا مبرر لها، إلى الصمت عن الظواهر المريبة، إلى الترويج عن الذات بالوسائل التي توفرها التقنيات الحديثة (الإنترنت، الفاكس،·· الخ) بشكل يندى له الجبين مرات، إلى دفع المال لنشر أعمالهم الروائية أو الشعرية أو النقدية· كما قاد البعض الى حبك شبكة من العلاقات المعقدة مع الأوساط العربية والأجنبية المتنفذة من أجل الإعلان عن مجد الذات المنكسرة والمنفية، علاقات تذهب من البراءة الى السوء· الشاعر منعم الفقير في الوسط الدانماركي هو مثال الساعي نحو علاقات صعبة وملغزة، بينما تمثل علاقات عبدالقادر الجنابي مع إسرائيل المثال المريب·
4 - مما يعقد الأمر المزيد من التعقيد هو أن الشاعرين المذكورين ومؤلفي الانطولوجيتين، لا يشكلان علامة فارقة ولا تمايزا من بين شعراء جيليهما· إن تحليلا نقديا منصفا لنصوصهما سيؤدي إلى استنتاجات لن يختلف عليها اثنان وهي أن حضورهما الثقافي لم يتم عبر قدرة شعرهما على البوح ولكن لأسباب لا علاقة لنص بها· ثمة الكثير من القسوة فيما نقول، لكن ثمة الكثير جدا من القسوة في خياراتهما وثمة الكثير من الادعاء والتعالي في ممارستهما الثقافية في العشر سنوات الأخيرة· هذان الشاعران يسعيان سعيا حثيثا لكي يأخذا الدنيا غلابا· وعلى ما يبدو فإنه يمكن أن تؤخذ الدنيا غلابا لكن هل يؤخذ الشعر غلابا؟ ليس من العسير أن يلاحظ مراقب صبور حلول الشطار والشطارة محل الجدية والجادين· إن الثقافة العربية التي كانت تحترم ذلك المبدع الذي يكتب بجدية وبصمت، وتسعى جاهدة الى استنطاقه وإخراج نصه للملأ والترويج له بصفته علامة على ثقافة رصينة تنتج بالوسائل التي تنتج بها الثقافات والنصوص الرصينة، تنفى اليوم نفيا مبرما أولئك الصامتين الكاتبين نصوصهم في تلكم العزلات العظيمة التي تليق بالنصوص العميقة، إنها تتمنى لهم المزيد من الصمت طالما أنهم لا يحضرون كمنافسين مزعجين لأنصاف المواهب ولعديمي المخيلة من الشعراء· إننا نعرف أن هذا الكلام سيؤول أسوأ تأويل لكن من الواضح أن الخيارات تضيق المزيد من الضيق وتحاصر الصمت نفسه· إن الخيار الوحيد المتبقي هو أن تسمى الأشياء بأسمائها، أو كما يقول الفرنسيون "يسمى القط قطا"· إن قطط الثقافة العربية تعتاش اليوم على انزياح الرصانة وصمت المبدعين·
كم ستدوم وليمة الغراب هذه؟
5 - نلاحظ هنا أن الشرط الأساسي الذي يحكم انطولوجيا عبدالقادر الجنابي هو تثبيت أسماء يمكن أن يجتنى منها منفعة متبادلة فقد ترجم في عمله لصحافيين لبنانيين مسؤولين عن صفحات ثقافية أساسية في بيروت، وترجم لرؤساء اتحادات ثقافية في المغرب العربي وترجم لمسؤولي مهرجانات شعرية في المشرق كما في المغرب، لمتنفذين قد يدعونه يوما لنشاط من أنشطة الأوساط المسيحية العراقية في أمريكا، وكذلك لمن يعتقد، حسب ذائقته النقدية، بأنهم يشكلون علامات فارقة في الشعر العربي الحديث· إن ذائقة الجنابي الشعرية تعاني من إشكاليات عميقة تحتاج إلى تحليل نقدي لا مجال له هنا أن احتقاره الداخلي لشعوب عربية كاملة يتجلى في تجاهله لبعض من أهم شعراء السعودية والإمارات الجدد، وفي إشاحته الوجه لبعض مواطنيه العراقيين، ومنهم من كان قد ساعده كثيرا في التهيئة لبعض ملفات "فراديس" مثل الشاعر هاتف الجنابي· لقد استثنى، مثل خالد المعالي، أولئك الشعراء الذين كان يتصور أنهم لا يشكلون ثقلا حقيقيا في موازنات المنفعة ولا يجتنى منهم أي نفع حتى ولو كانوا من الشعراء المشهود لهم بالحضور الإبداعي· ما هو يا ترى طبيعة الإنجاز الشعري لشاعرات ناشئات؟ "نكن لهن أكبر التقدير والإحترام من جهة أخرى" مثل الشاعرة العراقية المقيمة في أمريكا دنيا ميخائيل إزاء شاعر مثل عدنان محسن مثلا، وما هو الثقل الفعلي لصديقينا الشاعرين جان دمو ومؤيد الراوي أمام نص الفلسطيني زكريا محمد؟
إن الانحكام والاحتكام إلى المنافع صار منذ بعض الوقت المسألة الأبرز في التعاطي الأدبي· إن القسوة في الحذف تتجلى لدى الجنابي إزاء مواطنيه على وجه الخصوص لا يمكن لعبدالقادر الجنابي أن يبرر غياب شعراء مهمين من جيله مثل حسب الشيخ جعفر وفوزي كريم ومن أجيال لاحقة لجيله مثل عبدالكريم كاصد ومن جيل السبعينيات العراقي·
6 - تستحق النقطة الأخيرة بعض التأمل، يلاحظ القارئ الكريم أن الجنابي يستنثى من انطولوجيته الفرنسية جميع الشعراء من جيل السبعينيات في العراق· ويدرج سبعينيين من جميع البلدان العربية الأخرى· ما العلة والسبب في ذلك؟ ثمة سبب موضوعي وآخر ذاتي فمن جهة لم تحلل التجربة الشعرية في عراق السبعينيات التحليل النقدي الذي تستحق مقارنة مثلا بالضجيج الذي رافق ويرافق ادعاءات التجربة الستينية إن صعود شعراء السبعينيات قد ترافق، في مجمل العالم العربي، مع جملة متغيرات بنيوية تذكر منها حرب أيلول في الأردن، توقيع كامب ديفيد والانفتاح الاقتصادي في مصر، استتباب الأحزاب القومية نهائيا في بلدين عربيين أساسيين هما سوريا والعراق، الحرب الأهلية اللبنانية، صعود الأصوليات الدينية، هجرة الثقافة العربية إلى أوروبا، الطفرة البترولية، الثروة الإيرانية، من بين أشياء أخرى· هذه المتغيرات قد أجلت فحص التجربة الشعرية المتميزة في عراق السبعينيات التي لم تنفك تتطور وتتبلور في المنفى بشكل خاص، وتنتج بعضا من الأصوات المهمة في الشعر العربي والعراقي، أما السبب الذاتي فيتعلق بمخاوف عبدالقادر الجنابي من هذه الأصوات السبعينية ومحاولة طمسها، وهو يشترك في هذا مع البعض من شعراء جيله الستيني الساعين الى إلغاء معالم التجارب الشعرية الجديدة لصالح تجربتهم·
7 - كيف نفسر جرأة الجنابي والمعالي في الاختيار والحذف؟ إنها تفسر بمعرفتهم الأكيدة بعدم قدرة الثقافة العربية على مساءلة نقدية لأحد، خصوصاً معرفتهم بأن الثقافة العراقية، من بين جميع الثقافات في المنطقة لا حول لها ولا قوة اليوم· وكذلك معرفتهم أن القاعدة العامة في اللحظة الحالية هي الخفة التي يواجه بها الكلام عموما والكلام النقدي بشكل أخص· إن اللاعبين يلعبون اللعبة كل وفق شروطه· لا يمكن مجاراة البعض في لعبهم، لأنهم يحددون لأنفسهم القواعد وشروط اللعب والأهداف ويستبيحون بعض المناطق الحرجة، خصوصاً مناطق الشعر الأكثر رهافة· من الواضح أن المستباح الآن يطال الجوهري ويصيب الضمير الثقافي بخلل قاتل· لا يستطيع مثقف يحترم أدواته أن يجاري عبدالقادر الجنابي في أحكامه النقدية وقبل ذلك في مصالحه الضيقة التي لكي تحقق نفسها فإنه لا يتردد عن القيام بأي شيء حتى ولو كان زيارة إسرائيل ومدحها في جريدة "الليبراسيون" فيما بعد· لقد غض المثقفون العرب المقيمون في باريس الطرف عن هذه الزيارة وتلك المقابلة ومن بينهم قوميون متشددون لفظيا معادون بشراسة لإسرائيل· أليس في هذا الصمت مؤشرا عن الحالة التي تؤول إليها الوضعية الثقافية والإنسانية لنا جميعا دون اتهامات سهلة لسنا من أنصارها فإننا نقول إن في انفتاح "فراديس" الجنابي المعالي ومن ثم "عيون" المعالي على الثقافة العبرية، وبالشكل الذي قدمت فيه إلينا، خصوصاً اهتمامهما المبالغ به ببعض الشعراء الإسرائيليين المعاصرين، يقع أكثر من معنى ومن سؤال· إنها تعلن الحالة التي آلت إليها وضعية التلقي التي هي، قبل أي أمر، وضعية نقدية وفي الحقيقة فإن هذين الشاعرين يهتمان، ترجمة ونشرا، بالشعر اليهودي المعاصر، أكثر من اهتمامهما بشعر مواطنيهما ومجالهما العربي· ألسنا أمام العجب العجاب؟
8 - إن حصة كبيرة منحت في تلك الانطولوجيا للشعر اللبناني الأكثر جدة "أي السبعيني على وجه الدقة" بحيث إن الجنابي يدرجه، في نهاية المطاف صديقنا الشاعر محمد علي فرحات في انطولوجيته، رغم قلة كتاباته الشعرية التي لا نبيح لأنفسنا إصدار أي حكم نقدي متعجل بشأنها لأي سبب يجري إبراز مجايلينا اللبنانيين "الذين نحترمهم بعمق كبير وحقيقي" بالنسبة لبقية الشعراء العرب من عمرهم؟ السؤال متروك لإجابة المؤلفين المعنيين رغم أننا نستطيع أن نمسك بطرف للإجابة·
ها نحن هنا مرة أخرى لسنا أمام التحليلات النصية أو أمام الخيارات المزاجية للنصوص ولكن أمام سبب من طبيعة لا أدبية في الغالب الأعم·
9 - إن تأملا عميقا بالمغزى الذي يدفع الجنابي الى إصدار هذه الانطولوجيا ومن قبلها عمله الانطولوجي باللغة العربية "انفرادات" عن جيل الستينيات في العراق، يقود الى استنتاج مفاده أنه كان يستهدف من وراء هذا النشاط المحموم إدراج شعره هو نفسه في عمل انطولوجي طالما أنه من المشكوك تماما أن يدخله التاريخ الأدبي العربي في عمل من هذا القبيل رغم أنه سيذكره شتاما ورداحا من طراز رفيع كما يعلم الجميع·
10 - ماذا سنقول إذن عن عمل المعالي باللغة الألمانية؟ من الواضح أن الشاعرين المذكورين يمتحان من النبع الروحي نفسه ماء هذا النبع مربل مسموم·
فيما يتعلق بانطولوجيا خالد المعالي، نظن أن ثمة الكثير من الحسابات الكبيرة والصغيرة التي حكمت خياراته رغم جهده التمويهي الواضح· إن الاستعانة بالشاعر الفرنسي برنار نويل في كتابة مقدمة لانطولوجيا الجنابي والاستعانة بمستعرب ألماني شاب رائع في الإعداد لانطولوجيا المعالي لا يغير من حقيقة اننا إزاء محاولتين لتمويه نوايا المؤلفين العراقيين عبر الاستعانة بمن لا يعرف خفايا الشعر العربي والمستوى الفعلي لمؤلفي الانطولوجيتين وموضعهما الحقيقي في خارطة الشعر العربي المعاصر·
إن خالد المعالي هو ناشر عربي مواظب وناجح وجدي وهو أمر سيعقد مشكلة انطولوجيته ويعقد من عملية تقييمه هو نفسه، لأن من البديهي أن لا مصلحة لأحد في الاشتباك مع ناشر يضرب على الوتر العربي وعلى الايقاع الألماني ويمكن أن يؤتى أكله من بابين اثنين ستصمت الثقافة أمام المنفعة، وهو، ويا للمرارة، أمر سيجعل المعالي تباهى بالقليل الذي عنده، ولا يسائل شعره ولا يتساءل عن أهمية خياراته الشعرية في هذه الانطولوجيا، نلاحظ ثانية هنا أنه يستثنى من جيل السبعينيات العراقي أبرز الأسماء، سوى واحد فحسب "يبدو أنه حسب له ألف حساب، هاشم شفيق"· وفي الحقيقة ففي هذا الجيل من هو أهم شعريا من شعر خالد المعالي ومن "دفاتر الفاتر" مثلا وغالبية مجاميعه الشعرية التي أصدرها هو لنفسه عن منشوراته هو نفسه يذكر المعالي بأنه استشار بعض رموز الشعر العربي من أجل تكوين انطولوجيته مثل سعدي يوسف ومحمد بنيس· لو أنه أعاد، بناءً على طلبنا، سؤال سعدي يوسف عن أهمية شعره إزاء شعر بعض من حذفهم "يمكن تسميتهم لو تطلب الأمر"، فنظن أن الرد لن يسره كثيرا سوى أن وطأة الأكذوبة في الحياة الثقافية لن تسمح بسؤال وجواب من هذا القبيل، لكنها لا تنفي القول إن حقيقة الشعر ليست حقيقة مزوري الشعر·
نذكر من أجل حقائق التاريخ أن خالد المعالي كان يجيء في سنوات السبعينيات، من مدينته السماوة إلى بغداد ويتردد على "مقهى البرلمان" التي كان يرتادها الكثير من المثقفين والشعراء· وفيها كان يحاول أن يقرأ لهاشم شفيق ولكاتب هذه السطور قصائده الأولى طالبا منا أن نبدي آراءنا· وكنا نسدي له النصح الودي· كنا ننشر في صحافة الحزب الشيوعي الوحيدة المتاحة لنا يومها، وكانت أسماؤنا معروفة لذلك في العراق، الأمر الذي كان يثير، على ما يبدو، حفيظة المعالي الشاعر الناشئ حينئذ· تذكر كذلك أن خالدا طبع مجموعته الشعرية الأولى على نفقته الخاصة في بغداد وكان يتوقع أن تثير صدى، فلم تفعل، مما زاد من حفيظته وتحفظه إزاء مجايليه في تلك السنوات الجميلة·· سايكولوجيا يشكل المعالي حالة ممتازة للتحليل النفسي لأنه لم يستطع غفران تجاهله يوم ذاك معبرا اليوم عن مكبوته الداخلي عبر ردة فعل مباشرة وواضحة وصريحة ألا وهي تجاهل جيله الشعري العراقي برمته بعد سنوات طوال عندما سيقوم بإصدار انطولوجيا للشعر العربي باللغة الألمانية·
يرى القارئ أننا في السطور أعلاه لسنا أمام تحليلات للنصوص بل إننا أمام علم اجتماع ثقافي أو علم نفس شعري نحاول عبرهما تفسير الأسباب التي تدفع البعض الى القفز على الواضح والتشبث بالفاتر· هل المشكلة هي ظاهرة محلية رهينة ببعض الأسماء في الثقافة العراقية لوحدها أم أن ثقافتنا العربية تعاني الأمر نفسه وان بلوينات وتصيلات مغايرة؟ نظن أن الظاهرة عربية عن جدارة لكنها عراقيا من الوضوح بمكان بسبب شراسة متأصلة في الممارسة الاجتماعية العراقية نحن أول الناقدين لها علنا، من دون جدوى·
وعلى ما يبدو فإن بعض المحذوفين من تلك الانطولوجيتين لا يمتلكون شيئا مغريا من عالمنا الفاني هذا سوى القصيدة لوحدها التي قاسى البعض منهم من أجلها أكثر من ثلاثين عاما من الحرقة والمحبة والصدق·