نبطي.. شعبي.. وزوايا منسية!
نشمي مهنا
يمر قطار شعرنا النبطي (أو الشعبي!) أمام أعيننا، وعلى مسامعنا، محتفياً بنفسه في هذا العقد المقترب من نهايته، مزهواً بمئات الدواوين التي تقذفها المطابع، وتتلقفها أرفف مكتباتنا، مغروراً بحشد شعرائه، وبالألوف المؤلفة من الجماهير، ويعيش عصره الذهبي كما نرى، أو كما يتراءى لنا! فهل تثمر هذه "الفورة" الشعرية النبطية عن جديد؟
فطبيعة الحركات "الموّارة"، فكرية كانت أم شعرية أو غيرها، تصفي بنفسها مياهها من الشوائب العالقة، وتبقي على نميرها الصافي الذي لا ينضب··
لكن لو أوقفْنا- وأغلبنا في هذا العقد شعراء شعبيون!- عجلات قطارنا "النبطي" قليلاً·· للتأمل وأخذ الأنفاس وسط هذه الضجة، علّنا نرى ما قطعنا من أشواط، ونتثبت من الوجهة التي يهدر بنا القطار اليها!
وإن بدأنا من العنوّنة الرئيسة لما نسميه شعراً نبطياً أو شعبياً، رغم أن الـ "أو" هنا غير دالة على تشابه التسمية، وغير دقيقة لحمل المعنى، فالنبطي أياً كانت أصول التسمية، هو ما تعارف عليه أجدادنا الأوائل، على شكل من "القصيد"، بلفظه ومدلولاته، وصوره، الأوفى والأقرب لبيئتهم في ذلك الزمن، وهو الناطق الحرفي للرغبات، والآمال، والآلام، وحتى اللهجات التي تمايزت من قبيلة إلى أخرى·
أما الشعبي فكما نرى هو الأكثر "عصرنة" بعد أن توحدت تلك الآمال القبائلية، وتقاربت لهجاتها، واختلفت على اثر ذلك أغراض الشعر نفسها، بسبب تحولات عدة قرّبت من ركائبهم وأناختها في ساحات "المدائن"! ليعلن مجموع "القبائل" عن "شعب"!
وما نراه من أزمات نفسية حادة، يمر بها شعرنا الشعبي (إن اتفقنا على التسمية) هو نقله لهموم وأغراض، وأشكال فنية لقصائد تخص الهزاني والقاضي والعوني إلى ساحات تشع "بلاطاً" وحداثة، كساحات عواصم كالكويت، الرياض، وأبوظبي!! مما أضاع ركائب أجدادنا الشعراء، وملأها إحساساً بالغربة!
أي أننا توارثنا منهم الشكل الفني للقصيدة، والغرض، وحتى الأدوات الوصفية (المعدومة حالياً والمنقرضة وغير المفهومة) لنسقطها على حياتنا العصرية، مما أوقعنا في تناقضات الأزمنة التي لا تحتمل كل هذا التشابه والتوأمة·
ماذا لو قبلنا ميراث "الإبداع" فقط؟ فتأملنا قدرتهم على التعامل الودود مع فن الشعر، الذي سقوه أحاسيسهم ومشاعرهم سواء كان تصويراً لعاطفة، أو مدحاً، أو هجاء، أو حماساً لحروب··· ليصبح "الشعر النبطي" صحيفتهم اليومية، يتناقلونه شفاهة فيما بينهم، أو بينهم وبين التجمعات القبلية الأخرى، معبرين بالسليقة، ودون أي احتراف عن حياتهم الواقعية المعاشة·
يأتي الآن شاعرنا الشعبي بورقة مسطرة، وبقلم لا يقع من يده، ليعيد ترتيب أبيات عاطفته وعشقه وغزله، على نفس منوال اللهفة، والتحرق، والسهر، أو على صهوة خيال جامح، يقطع به المسافات إلى "مضارب" محبوبته، ليراها على "عين الماء"!
لكل مجتمع ميراثه الشعري الخاص به، وبلهجته المحكية، يتغنى به العامل، والمزارع، والوزير، والمتعلم، والأمي - إذا استثنينا شيزوفرينيا شعرنا الشعبي في الجزيرة العربية- حتى وإن اتفقنا على أن للشعر "لغته الخاصة" غير المبتذلة، التي ترتقي به عن الدارج من الكلام، فلا توقعه في "العادية"، إلا اننا بتأملنا بتجربة الشعر الشعبي في لبنان- كمثال- نرى أنه قد ارتاد مناطق شعرية- هي أقرب للفصحى- أوصلته لأبعاد فلسفية عميقة، غير مطروقة، فبأشعار الرحابنة خلال خمسة عقود مضت بالاضافة إلى تألقات شعر "الزجل"، اكتسب الشعر اللبناني غناه، وأضاف إلى تراثه الشيء الكثير، مما ميزه عما يوجد في بلاد الشام كافة!
اضافات الرحابنة- التي تحتاج إلى أكثر من بحث- نبشت ذاكرة التراث الشامي، وفتشت عن جواهره ودرره، فأعادتها بنفس رحابني، مختوم بخيال عصري!
في أصفى حالات التجلي التي تأخذنا معها مقطوعات الرحابنة، كم وددنا كمستمعين ومستمتعين- أن نخلق حالة شبيهة لها في جزيرتنا العربية، خصوصاً ونحن محسودون على غنانا، وكنوزنا في ميراثنا الشعبي!
كتب الرحابنة عن "الأعمار" فحسبوها بطريقتهم الخاصة، بمرور "الثلج" أو الفصول لا بالسنوات، كذلك عندما "تدور بهم الدار" ويخبئون طفليهما العاشقين عن "درب الأعمار"، كتبوا عن "الأبواب" وما تخفيه من مجهول، وعن "الأسماء"، وأشياء كثيرة مجردة بعيدة عن المعاني الحسية التي اشبعناها تكرارا·
فاستحداث الرحابنة لمعانٍ لم تكن موجودة في الشعر الشامي -كما نعتقد- نزعت عن الشعر الشعبي "عاديته"، وتقليدته حينما وصلت لتلك المعاني الدقيقة، التي تصور جزئيات يصعب وصفها، أو قولبتها شعرياً· وأعني بها تلك الزوايا التي لم يرتادها شعرنا القديم، وإن اغتنمها حالياً شعراء قصيدة النثر، فحياتنا اليومية مليئة بالصور الغنية، المنسية، التي لا تتطلب منا سوى التوقف للحظات لاقتناص ومضاتها، وقد تستعصي تلك الومضات على قصيدة الفصحى العمودية، وإلى حد ما في قصيدة التفعيلة أيضاً، أما قصيدة الشعبية فلم تجرؤ على الاقتراب منها، أو حتى المحاولة! ليظل شعراؤنا الشعبيون ينسجون "عموميات" الغزل والعشق! وهم بوقوفهم هذا على طلل العشق، لم يبدعوا بجديد، ولم يرمموا تلك الأطلال!
ونحن إن طالبنا بتوقف قطار الشعر الشعبي للتفكر والتأمل·· نهدف أن يستأنف مسيرته بعد ذلك للجهة الأسلم والأوضح، وإن لم نأت على كل الملاحظات التي تتقافز أمام أعيننا خلال مسيرته المكللة بالضجيج·
أما قطارات شعرنا الغنائي الحالي، فنرى أنها تتطلب منا النسف لنوقف مسيرة "الغثيان"!!
nashmi22@hotmail.com