رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء24-30رمضان 1421هـ الموافق20-26ديسمبر 2000
العدد 1458

اليمين المسيحي وتأثيره على السياسة الأمريكية* (2 - 2)

·        الائتلاف المسيحي الأمريكي حاول توسيع قاعدته ليضم الإنجيليين والكاثوليك والبروتستانت السود واليهود المحافظين مع انتهاج مواقف معتدلة لتغيير الصورة السلبية المطبوعة عنه في أوساط الرأي العام

 

·      التحالف بين الإنجيليين من البيض ودوائر الحزب الجمهوري الأكثر تقليدية  منح الحزب أساسا قويا لبناء أغلبية انتخابية كانت سببا رئيسيا للانتصارات التي حققها الجمهوريون في الانتخابات الرئاسية أعوام1980 و1984 و1988

 

·     الائتلاف المسيحي لديه إمبراطورية إعلامية تضاهي شبكات الإعلام الرئيسية·  ففي مجال الإعلام المرئي يستخدم وسائل البث المرئية بكثافة للدعوة إلى أفكاره ومنهاجه

 

·       مع أن هناك انطباعا سائدا بأن السياسة الأمريكية  لا دينية فإنه من الملاحظ أن الدين كان ومازال يؤدي دورا مهما في بلورة السياسات والمواقف على المستويات القومية والولائية والمحلية

 

عبدالله جمعان الغامدي **

لاحظ المتابعون للسياسة الأمريكية في الآونة الأخيرة أن هناك تنامياً ملحوظاً لتأثير اتجاه اليمين المسيحي في الولايات المتحدة وبخاصة في أوساط الحزب الجمهوري· وقد أصبح هذا التأثير مهماً بدرجة كبيرة منذ انتخابات 1994 التي نجحت فيها منظمات هذا الاتجاه في إيصال عدد كبير من المرشحين المؤيدين لها إلى مناصب مهمة على المستويات المحلية والقومية، كما أثبتت أن لها مقدرة كبيرة في تحديد "أجندة" النقاش وقيم الأسرة والشذوذ الجنسي والصلاة في المدارس والدعم الأمريكي لإسرائىل· وتهدف هذه الدراسة إلى تسليط بعض الضوء على هذا الاتجاه بغية تعرف أسباب ظهوره والمواقف التي يتبناها ومدى تأثيرها على السياسة الأمريكية، وذلك من خلال التركيز على دراسة واحدة من أبرز منظمات هذا الاتجاه وأكثرها نشاطاً، وهي منظمة الائتلاف المسيحي التي أنشأها ويرأسها حالياً القس والسياسي الأمريكي "بات روبرتسون"·

ولم تقتصر ظاهرة العودة إلى الدين التي سادت منذ أواخر السبعينات على العالم الإسلامي فقط بل امتدت لتشمل الدول الصناعية الرأسمالية عموماً والولايات المتحدة على وجه الخصوص، مما حدا بمجلة نيوزويك إلى اعتبار سنة 1976 سنة الإنجيليين· ومع أن عدداً كبيراً من أفراد النخبة المثقفة الأمريكية كان يعتقد قبل ثلاثة عقود فقط بأن الأصولية المسيحية تحتضر وأنها في طريقها إلى الاختفاء- فيما عدا بعض الجيوب المعزولة في الجنوب التي لم تصل إليها مؤثرات المدنية بشكل كبير مع محدودية تأثير المنظمات الدينية حينذاك على المجتمع الأمريكي لاهتمامها بالخلاص الفردي أكثر من اهتمامها بالتغيير الثقافي، فإن الملاحظ أن حركة الانبعاث الديني البروتستانتي تبدو اليوم حية ومزدهرة وبخاصة بعد تحالفها الوثيق مع الجناح المحافظ في الحزب الجمهوري، الذي كان سبباً رئيسياً في فوز "رونالد ريغان" في انتخابات الرئاسة خلال الثمانينات· ومنذ ذلك الحين استقطبت الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة اهتمام كثير من المفكرين ووسائل الإعلام، نظراً لأن كثيراً من أتباعها أصبحوا أكثر اهتماماً بالتأثير على العملية السياسية من خلال انشائهم منظمات اليمين المسيحي، الذي اعتبر من أكثر الحركات السياسية والاجتماعية إثارة في القرن العشرين· بل إن المتابع لحملة انتخابات الرئاسة الأمريكية الحالية سيلاحظ أن هناك حضوراً قوياً للدين في برامج معظم المرشحين فيها، ويظهر ذلك جلياً في تنافس مرشحي الحزبين الرئىسيين في تأكيد أهمية القيم الدينية، وبخاصة ما يتعلق بموضوع الولادة الجديدة كمسيحي born again christian، الذي يعتبر الشعار الأبرز لقادة منظمات اليمين المسيحي، والذي أكده كل من "جورج بوش" الابن مرشح الحزب الجمهوري و"ألبرت جور" مرشح الحزب الديمقراطي· كما ينظر البعض إلى مبدأ المحافظة الرحيمة compassionate conservatism الذي طرحه "جورج بوش" الابن شعاراً لحملته الانتخابية، والذي يؤكد ضرورة دعم الحكومة للمشروعات الخيرية التي تقدمها الكنائس والمنظمات الدينية، على أنه خطوة أخرى تجاه تطبيق الأفكار الإنجيلية على السياسة، مما دفع ببعض المتابعين للانتخابات الحالية إلى انتقاد ما يجري واعتباره لا يتفق مع مبادئ الدستور الأمريكي التي تؤكد ضرورة الفصل بين الدين في الحياة السياسية الأمريكية، من خلال التركيز على اتجاه اليمين المسيحي- لا سيما منظمة الائتلاف المسيحي- باعتبارها المنظمة الأبرز بين مجموعات هذا الاتجاه·

 

استراتيجيات اليمين المسيحي للسيطرة على السياسة الأمريكية

 

إن أحد الأسباب الرئيسة لنجاح جماعات اليمين السياسي ولا سيما منظمة الائتلاف المسيحي، والذي لا ينسجم مع أعدادهم، يتمثل في تفانيهم ونشاطهم، حيث ابتكر قادة الائتلاف المسيحي استراتيجية تقوم على ما يسمى حل الـ %15· وهو الافتراض القائم على أنه مع انخفاض تسجيل الناخبين وانخفاض مستوى الإقبال على الانتخابات فإن نسبة %15 من الناخبين الناشطين يمكن أن تقرر مصير عدد من الانتخابات· وفي كتابه الصادر في سنة 1990 بعنوان "الألفية الجديدة" يقول "بات روبرتسون" إنه مع شعور اللامبالاة الذي يبديه المواطن الأمريكي تجاه السياسة العامة فإنه بإمكان أقلية صغيرة منظمة جيدا أن تؤثر على اختيار المرشحين للمناصب العامة بدرجة مذهلة· وبالفعل فقد أثبت الائتلاف المسيحي صحة تلك المقولة عندما أظهر استبيان أجراه معهد أميريكان واي أن مرشحي هذا الائتلاف فازوا في أكثر من 200 منافسة انتخابية محلية وولائية في مختلف أرجاء الولايات المتحدة من مجموع 500 منافسة شاركوا فيها حتى عام 1993·

ومع ذلك فقد لجأ كل من "بات روبرتسون، ورالف ريد" في البداية الى الاعتماد على الأساليب الخفية بشكل كبير لدفع أجندة الائتلاف عندما كان على هامش الطيف السياسي· ولذلك كانت السرية هي الاستراتيجية الأولى والأكثر أهمية للائتلاف، إذ كانت بداياته مع الانتخابات تقوم على ثلاثة عناصر رئيسة تقريبا، تمثلت في استهداف الانتخابات الأقل أهمية والتي لا تحظى بتغطية إعلامية كافية ولا تجتذب إلا قلة من الناخبين، والتركيز على كنائس محافظة محددة لاستخدامها في حث الناس على التصويت في الانتخابات، وأخيرا توجيه المرشحين الى إخفاء وجهات نظر الائتلاف المسيحي عن الرأي العام من خلال تجنب الظهور الإعلامي ورفض الإجابة عن الاستبيانات· وقد كانت البداية في مقاطعة سان دييغو في ولاية كاليفورنيا عندما تقدم مرشحو الائتلاف لخوض سباق الانتخابات في عام 1990 على 90 مقعدا في مجالس المدارس والمدن والخدمات العامة في تلك المقاطعة من دون الدعاية الإعلامية لحملاتهم أو المشاركة في النقاشات والخطب العامة، والاستعاضة عن ذلك بالاعتماد على شبكة الاتصال الواسعة لمئة كنيسة مختارة· وعند انقشاع غيوم الانتخابات كان مرشحو الائتلاف المسيحي قد حققوا فوزا كاسحا بفوزهم بستين مقعدا، أي ثلثي تلك المقاعد· ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه الاستراتيجية تعرف "بنموذج سان دييغو" وتمت محاكاتها في مناطق أخرى من البلاد·

إلا أن تلك الأساليب لا تكفي وحدها لتفسير نجاح الائتلاف المسيحي الذي استطاع ببساطة أن يتفوق تنظيميا وتعبويا على خصومه من الليبراليين والمعتدلين·

ويبدو أن التزام الائتلاف بالعمل المركز على تفعيل القاعدة الشعبية وفرض أجندته على سياسة الحزب الجمهوري كان يمثل عاملا رئيسا آخر في نجاح الائتلاف المسيحي·

وفي هذا السياق يقول  شيب بيرلت معلقا على دخول الائتلاف المسيحي  انتخابات مجالس المدارس في مدينة نيويورك: "إن هذا العمل يمثل جزءا من حملة قومية جيدة التنظيم بوساطة مجموعة من الإعلاميين القساوسة ومنظمات محافظة بهدف الانخراط في العمل السياسي على المستوى الشعبي"· كما يزعم المحلل السياسي  روب جورويت بأن أنصار الائتلاف المسيحي يديرون أو يسهمون في إدارة الحزب الجمهوري في اثنتي عشرة ولاية على الأقل، فضلا عن دخولهم انتخابات مقاعد المجالس ومناصب مجلس المدارس والفوز فيها من أوريجون الى جورجيا· وعلى سبيل المثال كان وفد ولاية "أيوا" الى المؤتمر القومي للحزب الجمهوري الذي عقد في أغسطس عام 1993 في مدينة "هيوستن" يضم 43 عضوا من أعـــضاء الائتلاف المسيحي مـــن بين 46 عضوا هم مجموع أعضاء ذلك الوفد· ويقدر جون ترين رئيس الحزب الجمهوري في ولاية "لويزيانا" أن أعضاء الائتلاف المسيحي يسيطرون على أكثر من نصف لجنة الحزب المركزية في مدينة "جيفرسون باريش" بولاية "لويزيانا"· كما شكل أعضاء هذا الائتلاف أغلبية وفد الولاية الى المؤتمر القومي في عام 1992· وتوضح السياسة المحلية في "كاليفورنيا" بجلاء حجم النجاح الذي بدأ يحققه الائتلاف المسيحي على المستوى الشعبي· ففي التسعينيات سيطر أعضاء هذا الائتلاف على 40 من 58 لجنة من لجان الحزب الجمهوري المركزية في المقاطعات إضافة الى مجلس الولاية· كما فاز 60 من ناشطي هذا الاتجاه بمقاعد في هيئة المدارس ومصلحة المياه ومجلس البلدية في انتخابات عام 1990·

ويشير "فريدريك كلاركسون" الى سيطرة فريق "روبرتسون" على جمعية الحزب الجمهوري لكاليفورنيا، وهي وحدة حزبية محافظة، في أعقاب انتخابات عام 1988، وأنه تم التخطيط من خلال تحالف هذه الجمعية مع جمعية شباب أمريكا من أجل الحرية، والكلية الجمهورية، ومجموعة من مسؤولي الجناح اليمني في الحزب الجمهوري للسيطرة على لجان الحزب الجمهوري في المقاطعات، وصولا الى السيطرة على الهيئة الولائية· وفي هذا السياق صرح القس لو شيلدون زعيم ائتلاف القيم التقليدية لمنطقة أناهايم ذو القوة المتنامية والمساندة لمنظمة الائتلاف المسيحي قائلا: "إن الطريقة التي استطعنا أن نملأ بها مستويات الحزب الجمهوري هي نفسها التي ملأنا بها الكنيسة· فالفرد عندما يوثق صلته الشخصية بالمسيح يجد في الوقت نفسه تفسيرا اجتماعيا ووظيفة عامة لذلك· وفي هذا الصدد يقول كتاب سلسلة خاصة عن الائتلاف المسيحي في صحيفة سان فرانسيسكو شرونيكل: إنه بالرغم من عدم وجود من يعرف الحجم الحقيقي للأقلية الإنجيلية المحافظة في البلاد فإن هناك شيئا واحدا مؤكدا: هو أن نجاحها في الانتخابات المحلية والولائية يفوق بكثير عدد أفرادها·

ويشير "جريدار" الى أن تلفاز الإنجيليين المحافظين يمثل نموذجا لما يمكن أن يقوم به التلفاز والبريق الشخصي في حشد التأييد الشعبي لتنظيم وجود سياسي فعال· ومن الجدير بالذكر أن لدى هذا الاتجاه امبراطورية إعلامية تضاهي شبكات الإعلام الرئيسية· ففي مجال الإعلام المرئي يستخدم الائتلاف المسيحي وسائل البث المرئية بكثافة للدعوة لأفكار من خلال برامج جماهيرية دينية تسمى الكنيسة المرئية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر وسائل إعلام "بات روبرتسون" زعيم الائتلاف المسيحي، وخصوصا برنامجه المسمى "نادي السبعمئة" الواسع الانتشار الذي يشاهده أكثر من 7 ملايين شخص أسبوعيا، إضافة الي برنامج "ساعة القرار" الذي يقدمه القس الشهير "بيلي جراهام"· وهناك أيضا مئات من البرامج الإذاعية، من أبرزها البرنامج الشهير للدكتور "جيمس دوبسون"، الذي يركز على الأسرة ويستمع إليه أكثر من مليوني شخص عبر أكثر من 1350 محطة إذاعية، والذي كثيرا ما استخدمه "دوبسون" لدفع المستمعين المخلصين الى الاتصال بأعضاء الكونجرس بكثافة عندما تثار أية قضية تقلق "دوبسون"· ويذيع "تشارلز ستانلي" برنامجا من "أتلانتا" في ولاية "جورجيا" يغطي مساحات شاسعة، فضلا عن برامج "الدكتور جيمس كينيدي" من كنيسة "كورال ريدج"، الذي يعتبر شخصية تلفازية وإذاعية محترمة على المستوى القومي، ويدعم توجهات الائتلاف المسيحي من خلال برامجه الدينية التي تبث من "فلوريدا" عبر 360 محطة تلفزيونية وإذاعية في أرجاء الولايات المتحدة· وفي واشطن كثيرا ما تبرز وسائل الإعلام المقروءة مساحات كبيرة فيما يتعلق بموضوعات الأسرة لأحد قادة الائتلاف المسيحي وهو "غاري بوير"، الذي يمثل نائب رئيس منظمة Focus on the Family، ويترأس مجلس أبحاث الأسرة في واشنطن العاصمة، وإضافة الى هؤلاء جميعا فإن الائتلاف المسيحي يحظى بدعم إذاعي مهم آخر هو "روش ليمبو"، الذي يعتبر برنامجه الإذاعي اليومي المسمى باسمه من أكثر البرامج المسموعة في العالم· ولا تكتفي منظمات اليمين المسيحي بوسائل إعلامها الخاصة بل تقوم بشراء فترات إذاعية في المحطات الإذاعية والتلفازية الأخرى المشهورة، وتختار الأوقات المناسبة للمشاهدة، مع تكرار بث تلك البرامج لجذب مزيد من المستمعين والمشاهدين، مما كان له أكبر الأثر في تفكير الأمريكيين وسلوكهم·

أما فيما يتعلق بالعلاقات الشخصية فإن الائتلاف المسيحي يتميز عن الحركات السياسية الأخرى في كونه يستمد قوته من أكثر من 300 ألف كنيسة في أنحاء الولايات المتحدة· وقد قامت الكنائس بدور فعال في هذا المجال إذ استخدمت كحلقات للتثقيف السياسي· فعلى سبيل المثال قام الائتلاف المسيحي بطباعة دليل إرشادي للناخب في انتخابات عام 1992، ووزع في أكثر من ستين ألف كنيسة· وقد احتوى هذا الدليل على سجل لمواقف المرشحين حول مواضيع مهمة لأتباع هذا الائتلاف· ويبدو الذكاء السياسي الناضج لدى الائتلاف المسيحي واضحا في إصرار قادته على البقاء في الحلبة السياسية لا أن يكونوا مجرد فقاعة صابون· وقد نجحت جهود الائتلاف في التأثير على الحزب الجمهوري في كثير من المواقف وحدث نوع من التزاوج بينهما· وفي هذا المجال يرى "بروس نيسميث" أن التحالف بين الإنجيليين من البيض المسيحيين ودوائر الحزب الجمهوري الأكثر تقليدية منح الحزب أساسا قويا لبناء أغلبية انتخابية كانت أساسا للانتصارات التي حققها الجمهوريون في الانتخابات الرئاسية في أعوام 1980 و1984 و1988· أما فيما يتعلق بإخفاق الائتلاف في انتخابات 1992 فإن "نيسميث" يعزوه الى التقلبات الاقتصادية، والظروف الخارجية، وكيفية طرح الموضوعات ذات الصلة الدينية والتي تعتمد بدرجة كبيرة على وجود مهارة تكتيكية لتحقيق النجاح الانتخابي، وهو ما افتقدت إليه حملة "بوش" في عام 1992·

ويبدو أن الائتلاف المسيحي أدرك تلك المشكلة، ومن ثم بدأ في محاولة التغلب عليها من خلال تغيير وجهة النظر السلبية التي كانت سائدة عن العمل السياسي، فضلا عن توسيع قاعدة موضوعات الاهتمام التي يطرحها ومجال تأثيره مستخدما في ذلك وسائل إعلامه القوية وقاعدته الشعبية المتنامية· فقد اتخذ "رالف ريد" المدير التنفيذي السابق لهذا الائتلاف خطوة حذرة لتنويع قاعدة مواقف الائتلاف عندما أكد ضرورة اهتمام الائتلاف المسيحي أيضا بما يشغل بال الناخب العادي في المجالات غير السياسية، مثل الضرائب والجريمة والإسراف الحكومي والرعاية الصحية والضمان المالي لضمان الفوز في صناديق الاقتراع· كما حاول توسيع قاعدة الائتلاف ليضم الإنجيليين، والكاثوليك، والمورمن، والبروتستانت السود، واليهود المحافظين مع انتهاج مواقف معتدلة نوعا ما لتغيير الصورة السلبية المطبوعة عن الائتلاف في أوساط الرأي العام· وعلى الرغم من أن تلك الخطوة أثارت جدلا داخليا لكنها بلا شك أسهمت في نمو الائتلاف وتوسيع قاعدته الجماهيرية· وإضافة الى ذلك استفاد الائتلاف المسيحي من المساعدة التي تقدمها منظمات أخرى لليمين المسيحي، مثل منظمة Concerned women for America بفروعها المحلية البالغة 1200 فرع، ومنظمة Focus on the Family التي لديها أكثر من 26 منظمة في أنحاء الولايات المتحدة، إضافة الى منظمتي The American Family Association. Traditional Values Coatitions· ولا يقتصر الأمر على ذلك بل إن هناك تنسيقا مع عشرات من الجماعات المستقلة المحلية والولائية التي قامت بتجنيد المؤيدين وتوزيع المنشورات الانتخابية بدرجات متفاوتة من التنسيق بينها· ومن خلال تلك الوسائل استطاع الائتلاف المسيحي تعبئة وحشد أكثر من أربعة ملايين ناشط ووصلت رسالته الى أكثر من خمسين مليون ناخب آخر·

وقد آتت هذه الجهود أكلها في سباق انتخابات مجلس النواب لعام 1994، إذ شارك الائتلاف المسيحي في 120 منافسة انتخابية على مقاعد المجلس، أي قرابة الثلث، وهي المشاركة الأضخم له، واستطاع المرشحون المدعومون من هذا الاتجاه الفوز بـ55% من تلك المقاعد، ويبدو أن دور اليمين المسيحي وبخاصة الائتلاف المسيحي كان حاسما فيها·

وقد كانت تلك الانتصارات حاسمة للحزب الجمهوري في السيطرة على الكونجرس على حساب الحزب الديمقراطي· فعلى سبيل المثال جاء فوز ثلث مرشحي هذا الاتجاه على حساب أعضاء المجلس الديمقراطيين· كما فاز ثلث آخر بمقاعد شاغرة كانت تعتبر في السابق مناطق نفوذ ديمقراطية· أما الثلث الأخير فقد نجح في الإبقاء علي المقاعد الشاغرة المحسوبة للحزب الجمهوري· ولم يقتصر نجاح الائتلاف المسيحي على مجلس النواب بل كان تأثيره واضحا على قرابة 20 مقعدا من مقاعد مجلس الشيوخ و15 من حكام الولايات، فضلا عن دوره الحاسم في مئات المنافسات الانتخابية في المجالس التشريعية للولايات والحكومات المحلية· وقد تكرر هذا الأمر في الانتخابات التشريعية الأخيرة في عام 1998 التي فاز بها الجمهوريون بأغلبية ساحقة كان سببها التأييد القوي من الائتلاف المسيحي· وقد كانت هذه الجهود تصب في اتجاه واحد هو الحزب الجمهوري· ولا يعكس هذا التوجه ارتباطا طبيعيا لليمين المسيحي في الجناح المحافظ للحزب الجمهوري فقط وإنما يبرز أيضا دوره المؤسسي الجديد في السياسة الجمهورية· وبغض النظر عن التأثير القوي للائتلاف المسيحي على سياسة الحزب الجمهوري على المستوى القومي إلا أن اليمين المسيحي بشكل عام ربما يعتبر أكثر قوة على مستوى الولايات كل على حدة· ففي سنة 1994 وجدت مجلة Campaigns and Elections Magazin أن الائتلاف المسيحي كان مهيمنا علي منظمات الحزب الجمهوري في 18 ولاية فضلا عن تمتعه بتأثير مهم في ثلاث عشرة ولاية أخرى تقع معظمها في مناطق الجنوب والغرب والوسط الغربي· ويزعم "جرين" أن لدى الائتلاف المسيحي في الوقت الحاضر تأثيرا قويا علي فروع الحزب الجمهوري في كل من ولايات "يوتاه وكانساس ونبراسكا" وعشر ولايات جنوبية أخرى، فضلا عن تمتعه بتأثير لا بأس به في كل من "فرجينيا وأريزونا وأيوا ومنيسوتا وايداهو" والولايات المطلة علي المحيط الهادي· وتشير شواهد أخرى الي أن التأثير الأقوى للائتلاف المسيحي يمكن أن يكون في لجان الحزب المحلية·

ويمكن القول إن اليمين المسيحي في الوقت الحاضر يمر بمنعطف رئيسي في مسيرة تطوره كما يقول ايك مان، فقد حقق إنجازات مهمة على الساحة السياسية برغم إخفاقه على المستويات العليا للسلطة السياسية· فهناك حاليا قطاع عريض من الشعب الأمريكي يدعم أجزاء رئيسة من "أجندة" هذا الاتجاه مثل الحفاظ على الحرية الدينية وتأمين حق الاختيار في التعليم وتطويره وحماية الأسرة الأمريكية والحد من الإجهاض (إن لم يكن منعه) وتقييد الصور الفاضحة في وسائل الإعلام· ومن ثم فربما يكون التحدي الأكبر الذي يواجه اليمين المسيحي اليوم هو إقناع كل من مؤيديه والشعب الأمريكي بأن هدفه النهائي ليس مسحنة أمريكا بخاصة بعد استياء كثير من الأمريكيين من حدة خطاب أنصار اليمين المسيحي وعملهم في السنوات الماضية التي يبدو أنها لم تخدم الأهداف التي كانت تتوخى تحقيقها· ويبدو أن قادة هذا الاتجاه تنبهوا الى هذا التحدي وحاول "رالف ريد" وآخرون إصلاح بعض الخطأ الذي وقع فيه الاتجاه، إلا أن هناك حاجة للمزيد من العمل في هذا الاتجاه·

 

مستقبل اليمين المسيحي

 

مع أن هناك انطباعا سائدا بأن السياسة الأمريكية هي سياسة لا دينية فإنه من الملاحظ أن الدين كان ولا يزال يؤدي دورا مهما في بلورة السياسات والمواقف على المستويات القومية والولائية والمحلية· لقد أصبح الدين يحدد المواقف السياسية في عدد من القضايا المهمة كالإجهاض والمخدرات وعقوبة الإعدام والشذوذ الجنسي والصلاة في المدارس الحكومية· ويتضح تأثير الدين على السياسة الأمريكية الخارجية لا سيما عندما يتعلق الأمر بمنطقة الشرق الأوسط حيث يقول يوسف الحسن: إن الموقف الأمريكي من إسرائيل نموذج واضح ومميز لاختلاط الدين بالسياسة· وقد أدى هذا الخلط الى وجود نوع من الانفعالية الدينية الباطنة التي تدخل في صلب البيانات والتصريحات التي يلقيها القادة السياسيون والزعماء المدنيون، فقد درجوا على استخدام رموز خطابية تستقى من العهد القديم من التوراة، الذي يدور في غالبيته حول تاريخ إسرائيل ومستقبلها···· ومن هنا فإن التفسير المقنع لدينا لما يردده السياسيون الأمريكيون بوجه خاص حول "الالتزام الأخلاقي" بدعم إسرائيل والذي لا يستعمل لأية دولة صديقة أخرى للولايات المتحدة الأمريكية سوى إسرائيل، إنما هو تأكيد أن ديانة هذه البلاد هي في جذورها ديانة توراتية، وضعت شروحها في قوالب عبرانية،  ومن ثم فإن استخدام الرموز الدينية الخطابية مثال أدبي، وأخلاقي، والتراث المسيحي اليهودي المشترك، وإسرائيل، والأرض الموعودة··· الخ عند السياسيين الأمريكيين وبعض العامة يهدف الى القفز على الحائط الفاصل بين الدين والدولة، ويسد الفجوة بين المجالين الديني والسياسي في المجتمع الأمريكي·

وفي هذا السياق يعبر تيار اليمين المسيحي، ولا سيما منظمة الائتلاف المسيحي، عن توجه متنام في الولايات المتحدة يخلط الدين بالسياسة والاجتماع والاقتصاد وغيرها، ويرى أن لا أساس لمبدأ الفصل بين الدين والدولة الذي تقوم عليه الولايات المتحدة، لأن الآباء المؤسسين لم يفكروا في ذلك بل كانوا في نظر قادة هذا الاتجاه رجالا ربانيين، وأن كلا من إعلان الاستقلال والدستور يؤكدان الهوية المسيحية للبلاد· ويزعم أنصار هذا الاتجاه بأن الانحراف عن مبادئ الفضيلة والدين الذي تعيشه الولايات المتحدة في الوقت الحاضر يعود الى ثلاثينيات هذا القرن مع تمكن نخبة علمانية من فرض هيمنتها على السلطتين التنفيذية والقضائية من خلال تطبيق برنامج العهد الجديد لروزفلت· ومن ثم فإنهم يرون أن هدف هذا الاتجاه يتمثل في إعادة الأوضاع الى ما كانت عليه، وذلك من خلال قلب التركيبة الحالية للولايات المتحدة· وعندما أدرك قاعدة هذا الاتجاه أنه ليس بإمكانهم تحقيق هذا الهدف وحدهم بادروا الى عقد كثير من التحالفات مع منظمات سياسية ودينية واجتماعية محافظة، وبخاصة الجناح اليميني المحافظ الجديد في الحزب الجمهوري· وبالفعل استطاع هذا الاتجاه أن يؤثر على العملية السياسية، ولا سيما مع انخفاض مستوى الإقبال الشعبي على الانتخابات·

ومن هنا يمكن القول بأن اليمين المسيحي أسهم في بث روح المحافظة من جديد في المجتمع الأمريكي، ويظهر هذا بوضوح في تبني كل من الحزبين الرئيسين كثيرا من أجندة هذا الاتجاه في برامجهما الحزبية، ولا سيما ما يتعلق بقيم الأسرة وموضوع الضرائب، إلا أن تأثير هذا الاتجاه يبدو أكثر وضوحا في حالة الحزب الجمهوري الذي يتسابق مرشحوه لانتخابات الرئاسة الحالية على تأكيد إيمانهم بالقيم المسيحية وإعلانهم بعقيدة الولادة ثانية كمسيحيين· وقد ساعدت عوامل عدة على تدعيم فكر هذا الاتجاه في المجتمع الأمريكي، منها المناخ السياسي العام الملائم ومأسسة هذا الفكر في منظمات تملك أدوات متطورة للاتصال الجماهيري وتديره، فضلا عن الدعم والتأييد الذي يلقاه هذا الاتجاه من الحركة الصهيونية اليهودية التي يلتقي معها في خدمة أهداف الصهيونية من خلال دعمه غير المشروط لإسرائيل المنبثقة عن تصوراته الدينية·

ومع ذلك فقد تعرض اليمين المسيحي في الآونة الأخيرة لعدة انتكاسات وانقسامات داخلية وفضائح مالية وأخلاقية طالت عددا من أبرز المنظمات المنضوية تحت لوائه· ولم تسلم أبرز منظمات ذلك الاتجاه، وهي منظمة الائتلاف المسيحي، من المشكلات مع خروج أبرز عضوين فيها وهما "رالف ريد" المدير التنفيذي السابق و"دون هوديل" الرئيس السابق للائتلاف، فضلا عن خسارة الائتلاف معركته القضائية التي خاضها من أجل الإبقاء على وضع الإعفاء الضريبي الذي كان يتمتع به في السابق، عندما كان يعتبر منظمة دينية غير سياسية·

وبالرغم من ذلك يعتقد كثير من المحللين حاليا أن الوقت ما زال مبكرا لتوقع نتائج تلك الإخفاقات على مسيرة اليمين المسيحي· إلا أن هناك من يرى بأن هذا الاتجاه لن يختفي من الساحة بعد مشكلاته الأخيرة لكن تأثيره السياسي سوف يتقلص فيما عدا تأثيره على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، كما أن عددا من الانتصارات التي حققها أخيرا كانت رمزية بشكل كبير، مثل تأثيره على صياغة أجندة الحزب الجمهوري ولا سيما فيما يتعلق بقيم الأسرة والإجهاض وحرية اختيار نوع التعليم· ويبدو أن هناك أسبابا عدة تؤيد وجهة النظر تلك، فأولا لا يتمتع اليمين المسيحي إلا بجمهور انتخابي محدود· فمنذ الثمانينيات وحتى التسعينيات كانت نسبة الذين صرحوا بأن لديهم استعدادا لدعم منظمات اليمين المسيحي تتراوح بين %10 و%15 فقط، فضلا عن مجموعة أكبر بقليل تدعم مواقف معينة علي أجندة اليمين المسيحي، وهناك عدد أقل بكثير ممن لديهم الاستعداد للانخراط في المشاركة الفعالة· بل إنه حتى في ولاية فرجينيا التي ينتمي إليها كل من "جيري فالويل" و"بات روبرتسون" والتي هي مقر منظمة الائتلاف المسيحي وغيرها من منظمات اليمين المسيحي الأخرى لم تتجاوز نسبة الذين قالوا بأنهم سوف يصغون لتوجيهات قادة اليمين المسيحي عند التصويت حاجز %15· كما أن أكثرية البروتستانت ما زالت غير مكترثة بالعملية السياسية· ولا يزال قرابة نصف عدد رجال الدين البروتستانت في الجنوب يعتقدون بأن الانشغال بالنشاط السياسي يضر في الغالب بوضع الكنيسة، في حين يرى النصف الآخر بأن قادة اليمين المسيحي ذهبوا أبعد مما يجب في مزج الدين بالسياسة·

ثانيا: لا تزال هناك مجموعة كبيرة في أوساط المسيحيين البروتستانت تحمل شعورا سلبيا وعدائيا حيال السياسة· وبناء عليه يظل البروتستانت كمجموعة أقل احتمالا للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية من أي مجموعة أخرى· إذ يخشى كثير منهم أن تضعف السياسة روحانية الكنيسة، وتقضي على الانسجام الداخلي، وتحجم من سلطة الكنيسة الأخلاقية، وتحول الانتباه بعيدا عن الإنجيليين·

ثالثا: يعاني كل من البروتستانت المسيحيين واليمين المسيحي انقسامات داخلية لا سيما مع وجود عدة تنظيمات وقادة وأجندة متنافسة·

رابعا: يعتبر اليمين المسيحي منعزلا عن عدد من مؤسسات تشكيل الثقافة السائدة، فهناك عدد محدود جدا من أتباع اليمين المسيحي في أوساط نخبة الصفوة، أو في إدارة الشركات الكبرى أو الأشخاص المؤثرين على الساحة· وهناك عدد قليل منهم في صناعة السينما والتلفزيون أو يعمل في المجال الأكاديمي وبخاصة في مجال الإنسانيات والعلوم الاجتماعية· ولذلك يمكن القول إن لدى اليمين المسيحي نوعا واحدا من القوة أو التأثير (التصويت، التبرعات، النشاط السياسي)، لكن اليمين السياسي مع ذلك يفتقد الى القوة الكافية لتحديد الكيفية التي يمكن من خلالها تقديم منظماتهم في وسائل الإعلام القومية أو التأثير على الناس أو المواقف·

ومع ذلك فلا يزال اليمين المسيحي ولا سيما منظمة الائتلاف المسيحي يتمتع بنوع من قوة الفيتو في الحزب الجمهوري· فمع أنهم لا يستطيعون منفردين تحديد من سيكون مرشح الحزب للرئاسة كما أن أي مرشح وثيق الصلة بهم سوف يخسر الرهان إلا أن الجمهوريين سيواجهون صعوبة في حالة ترشيحهم شخصا لا يقبل به هذا الاتجاه· وبشكل عام فإن اليمين المسيحي يصبح مؤثرا عندما يكون ناشطوه جزءا من ائتلاف واسع وعندما لا يكون دوره بارزا للعيان وفي الأمكنة التي تضعف فيها سيطرة الولاية ومنظمات الحزب على لجنة الأعضاء والمرشحين وناشطي جماعات المصالح، فضلا عن الأمكنة التي يتمتع فيها بجمهور عريض من البروتستانت والمحافظين الآخرين·

_______________________

* مجلة العلوم الاجتماعية - المجلد 28 العدد 3 سنة 2000

** أستاذ مشارك - قسم العلوم السياسية - جامعة الملك سعود

 

طباعة