في ليلة مباركة منيرة، شرف الله نبيه، وعظمه بالرسالة، وأعلى منزلته، وارتفع بالإنسانية من الحضيض، إلى حيث النور والهدى، وأنقذها من ظلمات الجهل والوثنية، إلى سبيل العلم والتوحيد· في هذه الليلة بزغت أول شعلة إلهية فوق الكرة الأرضية، فأضاءت أرجاءها، وزلزلت أركانها، وأبادت ظلمات العصبية وآفاتها، في هذه الليلة تنزلت الملائكة من عالمها الروحاني الذي لا يحده حد ولا يحيط به مقدار·
وفي هذه الليلة المباركة نزل إلى هذا العالم، أول آية من كتاب الله العزيز، الذي جمع خير الإنسانية، وما تحتاجه البشرية الضالة التائهة، في دينها ودنياها، وفي هذه الليلة المباركة، تجلت القدرة الإلهية، لأكمل نفس إنسانية، لتحملها أقدس رسالة سماوية، فكان هذا الوحي في هذه الليلة بمنزلة قارعة هزت عروش الملوك، وزلزلت قواعد سلطان الظلم والجبروت·
وكانت ليلة القدر ـــــ بحق ـــــ خيراً من ألف شهر، إذ إنها ليلة نور وهدى، فهي خير من دهور تمضي في ضلال وظلام، وليست قيمة الأيام بساعاتها وإنما قيمة الأوقات بما يحدث فيها من خير للبشر، وسعادة للنفوس، قال تعالى: ( إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر)·
قال الزمخشري في الكشاف عند تفسير قوله تعالى: (ليلة القدر خير من ألف شهر) إن سبب ارتقاء فضلها إلى هذه الغاية هو ما يوجد فيها من المصالح الدينية: من تفصيل كل أمر حكيم وتبيين الطرف المستقيم·
والجمهور يجمع على أن هذه الليلة مختصة برمضان لقوله تعالى: (شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن)· وقوله عز وجل: (إنا أنزلناه في ليلة القدر)·
فتعين كونها برمضان· وقد اختلفت الروايات في تعيينها وأرجحها أنها في العشر الأواخر من رمضان· وفي الأوتار من تلك العشر·
أخرج أحمد البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله [: تحرو اليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان (فتكون في ليلة الواحد والعشرين، أو الثالث والعشرين، أو الخامس والعشرين، أو السابع والعشرين، أو التاسع والعشرين· وقد غلب الظن على أنها في ليلة السابع والعشرين·
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجالاً من أصحاب النبي [: (أروا ليلة القدر في السبع الأواخر، فقال رسول الله [: أرى رؤياكم قد توطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحرياً، فليتحرها في السبع الأواخر)· أخرجه البخاري ومسلم·
ولمسلم قال: أري رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، فقال النبي [: (أرى رؤياكم في العشر الأواخر فاطلبوها في الوتر منها)·
وفي إخفاء هذه الليلة سر من أسرار الشريعة الإسلامية الغراء· يقول الفخر الرازي في تفسيره· (واخفاها تعالى كما أخفى سائر الأشياء فإنه اخفى رضاه في الطاعات حتى يرغب عباده في الكل، وأخفى غضبه في المعاصي ليحترزوا عن الكل، وأخفى الإجابة في الدعاء ليبالغوا في كل الدعوات، فكذا أخفى هذه الليلة ليعظموا جميع ليالي رمضان، فإن العبد إذا لم يتيقن ليلة القدر أي ليلة هي، فإنه يجتهد في الطاعة في جميع ليالي رمضان على رجاء أنه ربما كانت هذه الليلة هي ليلة القدر·
فعلى المسلم أن يحيي ذكرى هذه الليلة المباركة بالعبادة والخشوع والخضوع وشكر الله على نعمة الإسلام التي ما بعدها نعمة·
ومثل هذه الليلة تحيي القلوب، وتذكي الإخلاص، وتحث على التوبة والرجوع إلى الله في التمسك بدينه القويم، والتأدب بأوامره، والكف عن نواهيه والاستنارة بنور سيد المرسلين الذي أعلى الله قدره، وشرفه في مثل هذه الليلة المباركة، وجعل رسالته خاتمة الرسالات كما جعله صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء والمرسلين·
في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي [ قال: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" (رواه الجماعة إلا ابن ماجه)·
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال قولي: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) رواه الترمذي وصححه أحمد وابن ماجه·
وللإنسان أن يدعو بما شاء في هذه الليلة المباركة التي فرق فيها كل أمر حكيم، والدعاء فيها مستجاب من رب العزة الذي يتجلى على عباده، ليسمع إلى تضرعاتهم ودعواتهم التي تنبعث من قلوبهم الطاهرة التي سهرت وعافت الكرى في سبيل مناجاة ربها العزيز الجبار، فسجدت جباههم، ودمعت أعينهم، وخشعت أوصالهم وصفت نفوسهم، وأضاءت قلوبهم بهذه المناجاة في هذه الليلة المعظمة التي نسأل الله أن يجعلنا ممن يقدر لهذه الليلة قدرها فتؤدي حقها، ونقوم بواجبها، لنحظى برضا المولى الكريم الذي هو جل مبتغانا، وكل رجائنا· اللهم حقق لنا هذا الرجاء· وبلغنا مقاصدنا في إعلاء شأن ديننا، وأنصرنا في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، إنك نعم المولى ونعم النصير·
كتاب الصيام في الإسلام - محمد الصواف