كتب: عبدالرحمن حلاق
لا يجد المرء خيراً من استعارة الدكتور سليمان الشطي وهو يقدم كلمته عن الشاعر خليفة الوقيان وذلك بأبيات ثلاثة لأبي تمام حيث يقول:
من لي بإنسان إذا أغضبته
وجهلت، كان الحلم، رد جوابه
وإذا طربت إلى المدام شربت من
اخلاقه وسكرت من آدابه
وتراه يصغي للحديث بقلبه
وبسمعه ولعله أدرى به
والحديث عن الدكتور خليفة، حديث عن الأصالة، عن النقاء، عن صفاء النفس، عن حب المعرفة، عن الدعوة للعلم، عن الترفع عن الجهل، عن مقاومة الظلم، وعن العروبة والوطن، والأحلام الجميلة·
وقبل البدء هذا يمنحنا ما يمكن ان نكشف به نقاء سريرته وصفاء نفسه:
قلت إني لأنشد الحق والحب
وأهوى الجمال درباً قصيا
ليس في خاطري عداء لزهر
يتمطى به الربيع شهيا
الإنسان – الغاية
يشكل الإنسان القضية الأولى للشاعر، ومحور رؤيته للوجود فالحياة أجمل عندما يكون سعيداً، وتسوء عندما يكون تعيساً، ولهذا يلجأ إلى تكوين فلسفته الخاصة حول الإنسان - الحلم محدداً بادئ ذي بدء طبقة الناس الذين يتوجه إليهم بشعره:
إني عشقت خيوط الشمس تنسجها
سمر السواعد بين الماء والطين
إني عشقت الصباح العذب ترسمه
فوق المحاجر أقدام المساكين
والشاعر في مجمل أشعاره لا يتوجه بشعره إلى إنسان محدد فهو يخاطب الإنسان بالمطلق، من أجل تغيير الواقع، وإذا أخذنا التسلسل التاريخي لما كتبه فبكل تأكيد سنبدأ بـ (المبحرون مع الريح - 1971) حيث بدء المرحلة التنظيرية لكل شاب، وفي هذه القصيدة - بجزأيها - نراه يحاور بعض التيارات الفكرية التي كانت سائدة آنذاك، ويدين هذه المواقف المتذبذبة التي يسير عليها بعض المنتفعين من الوضع القائم وبذات الوقت تراهم يتفوهون بما لا يعملون، إنهم ينهلون من معينين متناقضين، لذا فهم يسيرون بمتاهاتهم سير الغريق تتقاذفهم الأهواء، إضافة إلى ذلك فأوراقهم مكشوفة، والأكثر من هذا فهم يبدون عراة لا تستطيع أسمالهم ستر جلودهم، تسرح الريح بأشرعتهم، ولأن مواقفهم هذه ليست نابعة من إيمان أو يقين، وربما كان ذلك عن جهل أو نتيجة تغرير بهم، لهذا نرى الشاعر من خلال حبه للإنسان، يقف منهم موقفاً نبيلاً، فيقرر رشقهم بورود وأزاهير الحقيقة التي يؤمن بها، ويجند في سبيل ذاك قلبه لهم كزيت السراج لينير لهم دروب الحق:
يا مبحرون وفي محاجركم
نهران من نبع الهوى شُقا
إلى أن يقول:
إني سأرشقكم إذا حُرقت
أجفانكم بأزاهري رشقا
قلبي لكم في كل مفترق
زيت السراج بليلكم يشقى
ولا ينتاب خليفة الوقيّان شعور بأنه قد قال كل ما عنده، فيجعل للقصيدة قسماً ثانياً، حيث يتخلص من أصحاب الوجوه المتعددة لينتقل إلى من هم عماد هذا المجتمع، الأغلبية الساحقة التي تعيش على هامش الواقع والتاريخ، حيث يقتات الجهل من حيواتهم، وترميهم متطلباتهم الذاتية والمعيشية في لجة اللاموقف فتراهم غرقى لا يدرون بماذا، مجدافهم محطم، وشراعهم ممزق، لكنما شاعرنا الذي صارع الدهر وعركه بتجاربه، وخبر الطغاة الذين لم يستطيعوا خنق كلمة الحق في فمه رجع إلى هذه الأغلبية بفم امتلأ بما لا يطيق ــــ لهوله ــــ نطقا، فهو يرى الكثير ممن يعيش بيننا لم يزل عبداً، ولعل أبشع أنواع العبودية أن يكون المرء عبداً للجهل والتخلف، ولهذا يسعى الشاعر لتبيان الواقع المفترض الذي يحلم به فهو يرى بين النجوم قبساً لعالم أرقى، حيث المحبة بين الناس تؤلف القلوب، حيث الإنسان يعمر ويذلل الوعر ويرقى، ثم يغرس في المرابع الحب والفرح، وكذلك نراه يجند نفسه لخدمة هذه الأغلبية حيث يعلن غبطته وهو يسقي سراج الركب من أنفاسه وإن شقي بذلك، فالشقاء في سبيل المجتمع بهجة للنفس:
إني لأشقى حينما أشقى
للمبحرين كأنهم غرقى
إلى أن يقول:
أسقي سراج الركب مغتبطاً
من ذوب أنفاسي وإن أشقى
والشاعر في إصراره على التغيير لا يحاول فرض ما يراه صحيحاً، ولا يطمح لأن يسود فكره بطريقة استبدادية، بل على العكس من ذلك نراه ينادي ومنذ قصائده الأولى باحترام رأي الآخر، وينادي بالديمقراطية فيصلاً بين الناس، ففي إحدى أقدم قصائده - رأيي ورأيك 1967 - يقدم لنا موقفه ناصعاً وذلك فيما يشبه المفارقة مع الآخر، ولك المفارقة النبيلة مبتدئاً بقوله:
لك ما ترى بين الخلائق والورى
ولي الذي لا تدين ولا ترى
مبدياً إعجابه بالصواب عند الآخر، لا بل وبعشقه له وتقبل رأي الآخر لا ينتقص من قيمة أحد وذلك بغض النظر عن المكابرة الخداعة التي تنشأ من أحاديث المغرضين بأن هذا تأثر بذاك وذاك تأثر بهذا، فالموقف الحق أن نتقبل كل أصيل وبهذا فقط يمكن لنا أن نرقى:
فافتح فؤادك للضياء ولا تكن
حرج المسالك في أمورك أعسرا
ولسوف ألثم كل نور ساطع
وأدين للصبح الأصيل تأثرا
وهذا الموقف من الشاعر لا يتعارض مع نضاله في سبيل طلب الرقي والعدل ومحاربة الجهل حسبما يراه صحيحاً فنراه يجذر موقفه بكل صراحة ووضوح وذلك في قصيدته (رسالة ص 237)، عندما يخاطب حالة التغيير ويطالبها بالمجيء، ولا يهم كيف تجيء هادئة أو ثائرة، لا فرق إن كانت كنسمة أو كالغدير، كالبحر الهائج أو كيوم مطير، وحشية الأنياب أو بريئة كالطفل، إلى أن يعلنها صريحة مباشرة:
إني أريدك ثورة حمراء
من لهب الغرور
هذا هو شاعرنا بوضوح موقفه، وأصالة إرادته ونقاء سريرته، لكنه ومع كل هذا التمرد والثورية، والتفاؤل، وإشراقة الغد في تفكيره، يبقى وكغيره من الشعراء سرعان ما تصيبه بعض حالات اليأس والانكسار، إنه انكسار الحلم عندما تتأخر الشمس في شروقها، أو عندما يقود الشاعرَ حدسُه إلى طرقات مسدودة، عندئذ يبدأ الشعور بالغربة في المجتمع، والاغتراب في الواقع، ينكفئ آنذاك على ذاته وعلى انفعالاته الوجدانية فنراه يخرج إلينا بالرقيق الجزل من الأبيات:
غريب إن مضيت وأن أتيتُ
وناء إن دنوت وأن نأيتُ
أقلب في وجوه الناس طرفي
وأسأل في الدروب إذا مشيتُ
وكل يبتغي في السير قصداً
وأسعى لست أعرف ما ابتغيتُ
ونراه في قصيدة أخرى يتناول حالة اليأس هذه وبمرارة من تحقيق ما يصبو إليه:
كيف لي أن أهتدي في مهمه
طمس الشك به كل يقين
لسبيل ليس يغشى طهره
ظل عار من جموع الزائفين
العروبة - انتماء وجذور
وللعروبة مع الدكتور - الشاعر حكاية موقف متجذر، ومبدأ أصيل فهو ممن يعتز بعروبته، يعتز بجذوره، يعتز بتاريخه المشرق، وهو بالإضافة إلى ذلك واحد ممن تلقوا طعنة الغدر ممن كان يعتقدهم مكمنه وبيت الأمان وممن نافح عنهم بقصائده أثناء حروبهم مع الطامعين بالأراضي العربية، لكنه أيضاً من القلائل الذين نظروا بعين عربية خبيرة لما جرى ولم يحمل العروبة والقومية جريرة ما حدث، إنها جريمة طغمة حاكمة مستبدة كثيراً ما استباحت دماء حتى مواطنيها، فحافظ بذلك على جلاء رؤيته وحصافة رأيه، وقد ابتدأ مواقفه بقصيدة عن القضية الفلسطينية وذلك (في ذكرى وعد بلفور)، وأيضاً كان له قصيدة عن مدينة بيروت، إلا أن التي لقيت في نفسه هوى كانت مدينة صنعاء التي خصها بقصيديتن جميلتين سنة 1983 وهمها (في البدء كانت صنعاء) و(لوزية):
كان لابد من قبلة الأرض
والمنتهى والمنى والهوى
والمفر·
كان لابد أن تنهل الروح
فيض الصور·
وهو في تناوله لبلاد اليمن لا يتعامل معها من خلال همومه الخاصة بل يصعد في رؤاه ليندغم مع همومه العربية العامة:
كان لابد أن نفتدي أسر بلقيس
في القدس
أن نحتذي
درب "أروى"
كان لابد أن نمسح العار
عن وجه "غسان"
···················
كان لابد من "سبأ"
من "معين" و"أوسان"
كي تستعيد العروق الدماء
التي نزفت فوق "صبرا"
وفي قصيدته الثانية (لوزية) نراه يتألم لفراق صنعاء ألم العاشق لمعشوقته ويحس بالفراق خنجراً يطعن القلب، ونراه يخاطبها قائلاً:
فيا خنجر النأي
أقصر قليلاً
وخذني إلى سفح خولان
خذني إلى جبل اللوز
قبل الرحيل
لأغفو على صخرة منه
أستفّ من فيضه الثرَ
حلماً جميلاً
ولا يقتصر حس العروبة على ما تراه في قصائد خاصة لكنك ستجده مبثوثاً في كثير من القصائد، بخاصة تلك التي تناول فيها الوطن بعد محنته التي ألمت به، وسنتطرق إليها في الجزء التالي من هذه الدراسة المتواضعة·
الوطن - الملاذ والملجأ
يجمع خليفة الوقيان في شعره الهم الخاص بالهم العام، ويوحد الوطن بالمواطن ولا يستعرض ما حدث من خلال التصدي له سياسياً أو معرفياً، ولكن يتصدى له من خلال نفحات إنسانية ــــ عروبية وبلغة رقيقة أحياناً وأحياناً بلغة هازئة تحمل في طياتها الكثير من المرارة التي تعكس الشعور بالخيبة والخذلان وفي أولى قصائد (حصاد الريح) المعنوية باسم "إشارات" يترك الشاعر بياضا بقدر ثلاث نقاط قبل الكلمة الأولى في القصيدة، يختزل في نقاطه الثلاث مأساة أمة وملفات حرب وآلام شعب بأكلمه:
··· أجل
ها هم القادة الفاتحون
يُطلون
تلمع أنجم أكتافهم
في الصباح القتيل
تسابقهم حشرجات الرصاص
نعم فقد قرر الفاتحون أخيراً تحرير القدس مروراً بالكويت ولن يتم هذا النصر إلا على أشلاء الأطفال ومزق النساء يعيثون فساداً بكل شبر، ببيت الشاعر، عم يبحثون، وما الذي خبأه الشاعر في حضن بيته، يخبرنا الشاعر أنه لم يخبئ في نبض قلبه وفي صدر طفليه "غير نبض العروبة عشقاً قديماً·· وهماً مقيماً" فهل جزاء هذا الحب كل هذا الدمار، وهل تحرير القدس يجب أن يمر بالوجه المشطور لابنة الجار وثقب رأسها وقطع الكف:
- ماذا جنت زهرة يانعة
تضوع في كل صبح
بعطر العروبة
في ساحة المدرسة
- "تحيا الأمة العربية"
ويتابع الشاعر بقية إشاراته بهذه اللغة الحزينة التي تحمل في طياتها كل مشاعر الألم والخذلان، ينتقل بعدها لقصيدة "برقيات كويتية" يرد بها على مزاعم الطغاة وبلغة مقتضبة تتموسق وعنوان القصيدة فنراه ينبئهم بأن تراب الكويت المخضب بدماء الصغار ودموع الكبار يضيء باب داره وحوافر خيولهم تنشر الظلمة وتجز الضروع، ثم يتوجه بالخطاب إليهم واصفهم باللصوص يسرقون كل ما هو جميل وبريء، ويهنئهم ــــ مستهزئاً ــــ بفتحهم كل تلك الغنائم، ويعود ثانية ليؤكد عروبة الكويت وأهلها:
أيها القادمون مع الليل
إن العروق التي نزفت
فوق رمل الكويت
لم يكن نبضها
غير خفق العروبة
في كل بيت
وبلفتة ذكية من الشاعر نراه يتخلى عن ضمير الخطاب ويلجأ إلى الغائب في حديثه عنهم "قل للرفاق·· الغارسين رماحهم بظهورنا" في إشارة واضحة لحالة الغدر، لكنه يتابع دحض المزاعم والسخرية المرة منهم، قل للرفاق أن طريق القدس سالكة فيكف تم أن عبرتم جنوباً، وهل أنتم من أحفاد المعتصم أم من نسل هولاكو، نعم·· قل للرفاق:
يا من ولغتم في الدماء اليعربية
واستبحتم حرمة الوطن الذبيح
القدس تصرخ مرة أخرى
ولم يتوقف الشاعر عند هذا الحد لكن نراه ينبري للمحتل بسيف الكلمة ليمارس دوره في التصدي والدفاع عن حرمة الوطن وتبيان الحقائق فالكويت ستبقى "وكر الصقور" مع كل ما يحمل الصقر من دلالات تتمحور حول العزة والحرية والانطلاق، وسيرفض الهزار أن يكون غائباً وترفض الحمائم أن يكن النوادب فالكويت شمعة القلب ودرة الغواص وجنة الصحراء وما الغزاة إلا أفاع وعقارب، لا علاقة لهم بالعروبة إذ:
تأبى العروبة أن تكون مطية
للغاصبين وللطغاة مخالبا
نحن العروبة جذرها وفروعها
وبنا تكون مفاخرا ومناقبا
وهؤلاء ليسوا سوى عصابة تتستر بالدين والدين منها براء، ونحن من حمل الرسالة جذوة تنير للعالمين سبل الرشاد، ستبقى الكويت:
وكر الصقور وكيف يخفض هامة
من يبتغي ساح النجوم ملاعبا
من كل معسول الطباع مهذب
ينجاب ليثاً قد تفجر غاضبا
يهوي على زمر الجناة صواعقاً
ويحيل ليل الغادرين نوائبا
وذلك في إشارة لعمل المقاومة الشعبية أثناء الغزو، وتأكيد على حرية الكويت وأصالتها·
ويشكل الوطن ثالثة المراحل في شعر خليفة الوقيّان، فهل كان مشروعاً مؤجلاً؟ أم أن الهم الإنساني كان صاحب الأولوية؟ اعتقد أنه لا هذا ولا ذاك، فالشعر وليد الألم والجرح والشعر الخالي من الألم خال من النبض الإنساني على حد تعبير الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين والشجرة لا يسيل صمغها (دمها) إلاّ إذاجرحت وقد كان الجرح الإنساني أول جرح في شجرة الوقيّان فسال (شعره الإنساني) أولاً، ثم رأى فيما رأى من حال الأمة العربية فآلمه جرحها لأنه ابن هذا النسيج الحي، فسالت العروبة على لسانه ثانياً، ولم يتوقف نصل القدر عن العبث بهذا الجذع الشامخ فكان أن ابتلاه بجرح الوطن ثالثاً، لكنه لم ينكفئ إلى ذاته فحمل صليب آلامه على كتفيه وبقي الشعر ينثال على لسانه إكسيراً يحاول مداورة جروحه به·
كلمة أخيرة
ينوع شاعرنا بين العمودي من الشعر والتفعيلة ومع أنه من المؤمنين بتطور الشعر وبأن الشعر كائن متجدد إلا أنه يتعامل مع هذا التجديد بحذر شديد ولعل أهم ما يتسم به شعره تعاطيه للرموز الشعبية والدينية بوعي ودقة متناهيتين، وهو يولي وظيفة الشعرية أهنية قصوى لكنه بذات الوقت لا يتناسى بنيتها ولعل الخبرة الشعرية الطويلة سبب في جعل القصيدة لديه مصقولة بعفوية شاعر عرف أدواته جيداً فاستخدم الصورة الفنية في إطارها المحدد لها دون أن يرخي العنان لخياله كي تنداح في مفاصل القصيدة وتتراكب مع مثيلاتها كما نلاحظ في مجمل الشعر الحديث، ولهذا نراه حافظ على نوع من تخييل الوجدان والعواطف مبتعداً عن تخييل الفكرة ذاتها·