الرحابنة والنقش على الجدران
نشمي مهنا
ماذا كنا نعني عندما تناولنا - في مقالنا السابق - طبيعة الكتابة الأفقية في شعرنا الشعبي، التي تظل تدور حول الوصف الحسي، دون النفاذ الى أعماق العاطفة، أو دون الجرأة على إضاءة زوايا منسية، هذه الزوايا - التي نعنيها - هي تلك التي لو أضاءها شعراؤنا لباغتت وعي القارئ بكشفها عن تفاصيل يعرفها ويحسها جيدا، لكنه لم يجد لها ترجمة شعرية، رغم بساطتها··!
هذا الذي نعنيه من تجديد، وإن أضفنا الى هذا، محدودية فضاء شعرنا الشعبي، وضيق أفقه، وتمحوره حول غرض واحد من أغراض الشعر (الغزل) دون أن يبدع ويبتدع فيه·
كل ما نطرحه في مقال أو أسطر، هو مجرد إثارة لتساؤلات، قد لا نجد الإجابة عليها، لعدم تخصصنا، فللشعر الشعبي أهله·· وإن كان أغلبهم أهل (قصيد)، لم يعنوا ببيت القصيد، أي (نقده)·
الى الآن لم يوجد بين (أهل القصيد) ناقد، يفتح ملفات الشعر الشعبي للدراسة والمناقشة والتقييم، في صحف أو إصدار، أو على طاولات ندوات كبرى، تناسب مسيرته وحجمه وانتشاره أو طغيانه!
الضد يكشف قصور ضده، وما دمنا قد قارنا - أو ضربنا مثلا - بين نفاذ الشعر الشعبي اللبناني (تجربة الرحابنة) الى تفاصيل الحياة اليومية، وعزفها على أوتار الشعر الروحية، وبين قصور شعرنا الشعبي، وكتابته الأفقية، الوصفية، الحسية، على حوائط أحلامنا، ما دمنا كذلك قد قارنا، وما دمنا نعيش الآن في مساءات رمضانية باردة، تستدعي الخلوة، وتغري باشعال مدفأة الروح بكلمات ليتورجيه (طقوسية)، فدعونا نسترق السمع·· لتراتيل صلوات وأجراس روحية بين كفي الرحابنة فـ:
أيام العيد التي لا نحسن التغني بها، يقدم الأخوان لها "عيدية":
بها العيد بَدّي قدّم هديّه
لا دَهب لا ورد جورّيه
طالع عا بالي ضم زهره وقلب
وقدّمُن للعيد عيديه
وشيء آخر غير السهر يريان أنه يذبّل الجفون:
يا شبّ يا ساكن بجيرتنا
يل قلبنا لقلبك
لمحات عينك صوب حارتنا
بتدل عن حبك
ليش التعب ظاهر على عيونك
تخمين ما بتنام؟
نعسان يما مدبله جفونك
كثرة الأحلام؟
قدرة على تشكيل الحسي والمعنوي في لوحة شعرية واحدة فهل يجتمعان للقاء محبوب:
بكره أنت وجايي
رح زيّن الريح
خلي الشمس مرايي
والكنار يصيح
وجمّع ناس
وعليّ قواس
وبيكل شارع
ضوي حكايه
بكرا أنت وجايي
أي حس أنثوي استعاراه الأخوان لتصوير فرح العاشقة ونفض الأسرار من أجنحة العصافير:
بكّير طلّ الحب عاحيّ اللنا
حامل معو عتوبه وحكي ودمع وهنا
كنّا وكانوا هالبنات مجمعين
يا أمي وما بعرف ليش نقّاني أنا
جايبلي سلام
عصفور الجناين
جايبلي سلام
من عند الحناين
نفّض جناحاتو
عا شباك الدّار
ومتل اللي بريشاتو
مخبي سرار سرار
·····················
وكل ليله عشيه
قنديلك ضوّيه
قوّي الضو شوّيه
وارجعي وطّيه
بيعرفها علامه
وبيصلّي تا تنامي
وتقومي بالسلامه
ويبقى قلبك لاين
هذان هما بيّاعا خواتم الشعر الشعبي اللبناني، لملما شتاته، صيفه، شتاءه، جباله، وعيده، أهازيجه، وجميع حكايات الجدات وفلكور بلادهما، ليكتبا سِفْر (التجديد) و(الإضافة)· لكل بلد غناه الفلكوري، ومثلنا - هنا في الجزيرة العربية - كمثل تلك البلاد إن لم نكن أغنى، إن تجرأنا على فتح صناديق التراث الشعبي ونفخنا بها نَفَساً عصرياً، يعيد روح الشعر ويجدد ويضيف، دون أن "يلتزم بما لا يلزم"!!
nashmi22@hotmail.com