رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء24-30رمضان 1421هـ الموافق20-26ديسمبر 2000
العدد 1458

من الفقه الجعفري

في رحاب العترة الطاهرة

 

بقلم: مصطفى سيد حسن الزلزلة

 

المسلم بين وداع شهر رمضان واستقبال عيد الفطر

 

نعيش هذه الأيام العشرة الثالثة من الشهر المبارك مرحلة العتق والنجاة من النار بعد أن استغرقنا في فيض الرحمة ونفحة المغفرة في العشرة الأولى والعشرة الثانية، وها نحن بين وداع الشهر واستقبال العيد، فماذا نحن صانعون؟ لنلتمس ذلك من العترة الطاهرة - عليهم السلام - الذين هم الثقل الثاني كما أن القرآن الثقل الأول، فهم عدل القرآن عاملون به وفي اتباعهم الرشد والهداية كما قيل:

ووال أناسا قولهم وحديثهم       روى جدنا عن جبريل عن الباري

 

العترة لغة واصطلاحا:

 

أما لغة:

فقد ذكر ابن منظور في لسان العرب (باب العين) مادة عتر: (··· وعترة الرجل: أقرباؤه من ولد وغيره·· وفي حديث زيد بن ثابت قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "إني تارك فيكم الثقلين خلفي كتاب الله وعترتي··· وقال ابن الأعرابي: العترة ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه، قال: فعترة النبي (صلى الله عليه وسلم) ولد فاطمة البتول - عليها السلام - وروي عن ابن سعيد قال: العترة ساق الشجرة، قال: وعترة النبي (صلى الله عليه وسلم) عبدالمطلب وولده، وقيل: عترته أهل بيته الأقربون وهم أولاده وعلي وأولاده··)·

وأما اصطلاحا:

ففي صحيح مسلم كتاب الفضائل (باب من فضائل علي بن أبي طالب) عن زيد بن أرقم: "··· ثم قال قام الرسول (صلى الله عليه وسلم) يوما فينا خطيبا بماء يدعي خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: (أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به) فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: (وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي)، وفي مستدرك الصحيحين للحافظ أبي عبدالله النيسابوري الشهير بالحاكم روي بسنده عن سلمة بن كهيل عن أبيه عن أبي الطفيل عن ابن واثلة أنه سمع زيد بن أرقم يقول: ·· ثم قال" أي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "أيها الناس إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن اتبعتموهما، وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي" ثم قال: "أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثلاث مرات؟" قالوا: نعم فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "من كنت مولاه فعلي مولاه"·

قال الحاكم: حديث سلمة بن كهيل صحيح على شرطهما أي البخاري ومسلم، وفي صحيح الترمذي روي بسنده عن أبي سعيد والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله - (صلى الله عليه وسلم): "وإني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما"، وذكر العلامة علي بن عيسى الأربلي في كشف الغمة بسنده عن الصادق عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أبيه - عليهم السلام قال: "سئل أمير المؤمنين - عليه السلام - عن معنى قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، فقيل له: من العترة؟ فقال: "أنا والحسن والحسين والأئمة التسعة من ولد الحسين تاسعهم مهديهم وقائمهم لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتى يردوا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حوضه" وقد قال ذلك الشاعر الفرزدق في حقهم عليه السلام:

 

من معشر حبهم دين وبغـــضهم       كــــفر وقــربهم منـــجي ومعــــتصم

مقـــدم بعــد ذكـــر الله ذكرهــم      فــــي كــــل يــوم ومخــــتوم به الكلم

إن عد أهل التقى كانوا أئمتـهم      أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

 

سلوك العترة الطاهرة - عليهم السلام - في أواخر شهر رمضان:

 

قال الفرزدق ذلك في حق الإمام زين العابدين - عليه السلام -الذي نراه في هذه الليالي الأخيرة يدعو ربه بفنون الدعوات، فنراه يودع شهر رمضان (السلام عليك يا شهر الله الأكبر ويا عيد أوليائه·· السلام عليك ما أكثر عتقاء الله فيك السلام عليك ما كان أمحاك للذنوب وأسترك لأنواع العيوب السلام عليك ما كان أطولك على المجرمين وأهيبك في صدور المؤمنين··· السلام عليك من مطلوب قبل وقته ومحزون عليه قبل فوته···) يدعو ربه في الليلة السابعة والعشرين من أولها الي آخرها من شهر رمضان يقول: (اللهم أرزقني التجافي عن دار الغرور والإنابة الى دار الخلود والاستعداد للموت قبل حلول الفوت)، فالمؤمن عليه أن يتسلح دائما ليواصل مسيرته في مراحله الدنيوية والبرزخية والأخروية، وعليه أن يحسن اختيار السلاح، فالأسلحة كثيرة ومتنوعة، منها ما يستعمل في حال الحرب وآخر في السلم وثالث في السفر ورابع في الحضر وهكذا، إلا أن هناك سلاحا لا يستغني عنه الإنسان في كل الأحوال خاصة المسلم المؤمن لأنه سلاح اتخذه قادة البشر وسادة الأمم وهم الأنبياء - عليهم السلام - كما جاء في حديث الإمام الرضا - عليه السلام - عندما قال: (عليكم بسلاح الأنبياء· فقيل له: وما سلاح الأنبياء؟ فقال: الدعاء)· إن الدعاء يتجلى بكل معانيه ومظاهرة في هذا الشهر المبارك كما في الخطبة النبوية التي ذكرها الشيخ الصدوق في الأمالي: (أيها الناس إن أبواب الجنان في هذا الشهر مفتحة فسلوا ربكم أن لا يغلقها عليكم وأبواب النيران في هذا الشهر مغلقة فسلوا ربكم أن لا يفتحها عليكم والشياطين مغلولة فسلوا ربكم أن لا يسلطها عليكم) ولو تدبرنا في آية الدعاء في قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) (البقرة 186) لوجدناها ضمن آيات تكليف الصيام وأحكامه في شهر رمضان، الأمر الذي يحقق لنا وجود علاقة متينة بين الدعاء وهذا الشهر المبارك فعلينا أن نسأل الله من فضله·

ونقول عودا على بدء: هذا الإمام زين العابدين - عليه السلام - بهذا الدعاء يناجي ربه سائلا أن يرزقه إذ هو تعالى الرزاق، ويرزق المتقين - الذين نالوا ثمرة صيام هذا الشهر وهو التقوى - بغير احتساب (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب··) (الطلاق 2،3)، يرزقه ثلاثة أنواع من السلوك لثلاثة عوالم، لكل عالم سلوك خاص، وهكذا على الإنسان العاقل أن يشخص الظروف ويتعامل بحسبها فلكل داء دواء يناسبه، ولكل قفل مفتاح ولكل ليل مصباح، وهذا لا يأتي إلا على ضوء معرفة علمية عميقة، فتراه عليه السلام في دعائه يذكر ثلاثة عوالم عالم الدنيا، وعالم القبر (البرزخ)، وعالم الآخرة، ويستعين بالله تعالى أن يرزقه تعاملا خاصا معها، فالتجافي للدنيا التي سماها دار الغرور، والإنابة للآخرة التي سماها دار الخلود لأنها دار الحياة الأبدية كما قال تعالى: (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان) (العنكبوت 64)، والاستعداد للموت وعالم القبر، فهذه أنواع ثلاثة إقبال على الآخرة (إنابة) وإدبار عن الدنيا (تجافي) واستعداد، أي حب وكره واستعداد ولا يخفى على المنعم عليه بقراءة القرآن أن هذه العوالم الثلاثة ذكرها الله تعالى كما في قوله: (كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون) (الأنبياء 35)، فـ(كل نفس ذائقة الموت) إشارة الى الموت، و(نبلوكم بالشر والخير فتنة) إشارة الى الدنيا حيث الابتلاء يقع فيها، (وإلينا ترجعون) الى الآخرة، وليس ذكر الإمام - عليه السلام - فيما يتعلق بهذه العوالم منحصرا بليلة سبع وعشرين في هذا الشهر بل في طيلة هذه الليالي كما في دعائه الذي علمه أبا حمزة الثمالي: (ومالي لا أبكي ولا أدري الى ما يكون مصيري، أبكي لخروج نفسي أبكي لظلمة قبري أبكي لضيق لحدي أبكي لسؤال منكر ونكير إياي أبكي لخروجي من قبري عريان ذليلا حاملا ثقلي على ظهري)· وليعلم أن هذا السلوك هو علامة العلم الذي يقذفه الله تعالي في قلب من يحب ويشاء كما في الحديث النبوي المشهور·

طباعة  

يشتمل على ثلاثة بيوت للصلاة
14 مليون دينار كلفة بناء المسجد الكبير

 
رمضان وصحة الجسم
 
ليلة القدر.. اخفاها الله على عباده ليعظموا جميع ليالي رمضان
 
رمضان بعيون صائميه