رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء24-30رمضان 1421هـ الموافق20-26ديسمبر 2000
العدد 1458

رمضان بعيون صائميه

رمضان بين الماضي والحاضر

 

د. مصطفى عباس معرفي

حديث الرمضانيات ينحو في الغالب الأعم نحو مقارنة القديم بالجديد، و"الكليشيه" التي يعرضها أبناء جيلي وجيل من قبلي تفضيلهم رمضان أيام زمان على رمضان هذه الأيام، مستندين في رأيهم هذا إلى جو الألفة والمحبة والترابط الأسري وهي عوامل أقوى وثاقاً وأصلب رابطة في تلك الأيام عما هي عليه اليوم· ورغم قناعتنا بصحة بعض الأطروحات في مقارنة الترابط الأسري في ذلك المجتمع الصغير مع هذه المفاهيم في المجتمع الجديد، رغم قناعتنا بصحة هذه الأمور بيد أنني أعتقد أن التغني بالقديم لم يأت من باب الترحم على تلك الخصال الحميدة بل هي في المقام الأول من باب العويل على أطلال الأحلام الرومانسية إلى الزمان الذي لن تعود عقارب ساعاته، ومن منطلق الحنين إلى أيام الصبا والتحسر على أيام الشباب الغابرة ومن مستند اللوعة والهلع من آثار السنين التي حفرت أخاديدها على الجباه· رمضان الأيام الخوالي كانت أيامه قاسية مضنية يسعى الواحد فيه إلى رزقه من طلوع الشمس إلى غروبها ليرجع إلى بيته وقد هده التعب وأضناه العطش وأنهكه الجوع· وكانت ليالي أيام رمضان زمان ليالي موحشة مقفرة فلا إنارة مناسبة في البيوت ولا وسائل راحة مثل ما نرى اليوم ولا قدر كافياً من الطعام، أو على أقل تقدير لم يكن يتوافر أي تنوع في الطعام· ولذلك فإن التغني برمضان أيام زمان هو تغني بشيطنة الصبا واللعب بين أكوام الرمل و"المعافر" وهو إشادة "بهوشات الفرجان" فيما بينها وهو تمجيد لغارات "بوقات القرقيعان" من بين أيدي الصغار والبنات·

رمضان أيام زمان كان حلو المذاق لأننا كنا شباباً ليس إلا، وكانت لياليه عذبة لأننا كنا صبياناً لا نعرف من الدنيا همومها فنلهو، على حسب وصف أبي القاسم الشابي، بالجليل من الأمور وبالحقير غير عابئين بكيف تدور الدنيا من حولنا وغير مكترثين بمشاغلها وهمومها· وبحسب ما ترسمه ذاكرتنا الآن نعكس افتقادنا لتلك الحيوية بتلوين صورة رمضان الأمس بألوان زاهية هي في نهاية المطاف من صنع أوهامنا· لا ننكر بأن التعامل مع الشهر الفضيل كان مختلفاً عما هو عليه اليوم، لكن هذا الاختلاف غير مقتصر على العادات والتقاليد الرمضانية وحدها بل يشمل أوجه الحياة كلها ويغطي جوانبها المختلفة وذلك نظراً لتغير الظروف والتحولات الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة منذ "رشة النفط" وتوزيع الثروة من خلال التثمينات وتوسع الهجرات إلى الكويت· بل إن الاختلاف واضح بين طريقة تفكيرنا قبيل الغزو العراقي مقارنة بما يحدث الآن سواء على مستوى الفرد أم الأسرة أم مؤسسات الدولة بشكل عام، فما بالنا إذن نستنكف مثل هذه التحولات بين جيلين يفصل بينهما ما يربو على ربع قرن من الزمان، وما بالنا نربط أنفسنا إلى قديم الخمسينات والستينات متناسين أن التربية، وبحسب المقولة المأثورة عن الخليفة الثاني، هي إعداد الأبناء لزمان غير زماننا ولعصر غير عصرنا، إن التغير هو صفة الحياة الأولى والجمود هو من علامات الموت الكبرى، وبذلك فإن مقارنة القديم بالجديد مقارنة غير منصفة·

رمضان أيام زمان كان قاسياً على النساء بشكل خاص، فعلى الرغم من معاناة الصوم، كانت الواحدة منهن تكابد معاناة رعاية شؤون بقية أفراد العائلة من الرجال والأطفال وكبار السن· كانت المرأة بعد عناء يومها الطويل تلقي بجسدها حيثما استطاعت لتنعم بإغفاءة قصيرة قبل أن تقوم في جوف الليل البهيم لتدخل المطبخ مجدداً تنفخ في النار لإعداد وجبة السحور· وما إن تنتهي من هذه المهمة حتى يطرق أسماعها صوت "بوطبيلة" يدعو الناس للقيام فتسارع بإيقاظ الرجال والصغار الذين ينهضون مغمضي العيون يدسون في أفواههم كل ما تستطيع أيديهم الوصول إليه دون إحساس حقيقي بمذاق الأكل· وبعودة الرجال والصغار إلى النوم بعد السحور كانت المرأة تستمر عملاً في رفع السفرة وتنظيف المكان·

 

رمضان في التاريخ الإسلامي

 

رمضان إسلامياً يحفل بعظيم الذكريات وجليل الانتصارات وعظيم الأحداث· فنزول القرآن على قلب الأمين كان في هذا الشهر، وبذلك كانت بداية الدعوة الربانية بخاتمة الرسالات· والتحول المفصلي في حركة الدعوة الإسلامية في موقعة بدر الكبرى حدث في مثل هذا الشهر الكريم، وهي موقعة أصلت جذور الدعوة المحمدية ومهدت لقيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة· وفي الأيام الأخيرة من هذا الشهر قامت قوى الضلالة والانحراف الفكري والعقائدي من خوارج الأمة بتجنيد أحد أعضائها لقتل إمام المتقين، لينطلق الشقي معتقداً أنه بفعلته يتقرب إلى رب العرش· وباستشهاد الإمام علي تنهار أسس الخلافة الراشدة لتتحول إلى ملك عضوض تسفك في سبيله الدماء وتنتهك على محرابه الحرمات وتستباح في سبيله بيوت الله· والغريب أن تلك الأمة الربانية التي تربت في مدرسة النبوة وقاست الشدة والمحن من مشركي قريش ويهود يثرب ونصارى نجران وذيول الردة، هذه الأمة توقف نبض الحياة فيها تحت تهديد سلاطين العهد الجديد وترغيب ملوك الدول التي ظهرت فيما بعد فترة الخلافة الراشدة· وغاب مع ظهور العهد الجديد صدى صوت أبي ذر يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وحبس صوت ذلك الأعرابي الذي رفع عقيرته أمام الخليفة الثاني "لا خير فينا إن لم نقلها ولا خير فيكم إن لم تسمعوها"· بل الأغرب من ذلك كله هو محاولات فقهاء القصور استنباط أسس شرعية هذه الممالك فاخترعوا نظريات في الحكم والسياسة تقطر ميكافيلية من كل جانب، فمن بين جملة الوسائل المشروعة للوصول إلى الخلافة كما يراها فقهاء السلاطين هو الانقلاب العسكري في عرف اليوم· فإذا نجح الانقلابيون الجدد أصبحت طاعة الأمة لهم واجبة وأصبح الخروج على سلطانهم خروجاً على ولي الأمر وشقاً لعصا المسلمين، لكن لو فشل الانقلابيون فإنهم يعتبرون مفسدين في الأرض يقام عليهم حد قطع اليد من خلاف والصلب على الأعواد·

وفي رمضان تقع ليلة القدر، وهي بحكم الكتاب خير من ألف شهر، تتفتح فيها أبواب المغفرة لمن شاء لربه سبيلاً ولمن يريد أن يغترف من رضوان الله تباركت أسماؤه ولمن يريد أن يطهر قلبه من الحقد والغل ويزكي روحه ويبرئها من داء الحسد والبخل ولمن يبغي أن ينقي سريرته من خردل الشرك ظاهره وباطنه· وانفتاح أبواب الرحمة على مصاريعها ليلة القدر لا يعني بأي حال من الأحوال أن هذه الأبواب موصدة بقية أيام العام، فالتوبة عند الله ليست موسمية والمغفرة ليست مرحلية والرحمة ليست مقصورة على وقت دون آخر· فالله سبحانه وتعالى وكما ورد في الحديث القدسي يحب التوابين، بل إن آيات القرآن الكريم تنص على أن التائب يبدل الله سبحانه وتعالى سيئاته حسنات تسجل في صفحات عمله الصالح· لكن ليلة القدر فرصة إضافية للإنسان فعسى أن يكون جو العبادة المفعم بذكر الله دافعاً لتحبيب الايمان إلى قلوب العاصين وحافزاً لأفئدتهم على تلمس الصراط القويم·

وفي تاريخنا العربي الحديث يمثل العاشر من رمضان نقطة الضياء الوحيدة في الصراع العربي- الاسرائىلي على مدى ما يقارب قرناً من الزمان· ففي مثل هذا اليوم تمكنت القوات المصرية من اقتحام وهم سور بارليف وشل القدرة الإسرائيلية لفترة· العبور كان بالمنطق العسكري جنوناً مطبقاً وانتحاراً مؤكداً وكانت استراتيجية تنفيذه خرافة تفندها مدارس الفكر العسكري واجتماعات هيئات الأركان العسكرية· لكن هذا المنطق البشري سرعان ما انقلبت موازينه بقوة الايمان المتشبعة به الصدور، فقد وعد الله نصر الفئة المؤمنة الصغيرة على الفئة الكافرة الكبيرة، ومن أصدق من الله وعداً· لكن أهداف حرب رمضان كانت محدودة على الجانب العسكري ومحددة على الجانب السياسي، فقضية الشرق الأوسط، كما تسمى، بقيت على الرفوف العالية للسياسة العالمية منذ هزيمة عام 1967، وكانت المشاريع والمبادرات تطرح على استحياء ودون حماس فعلي لحل ذيول القضية· ومن هذا المنظور ارتأت القيادة السياسية المصرية تقديم القضية في الواجهة السياسية من خلال عمل عسكري محدود لكنه فعال ومؤثر في الوقت ذاته، فلأول مرة شعرت إسرائىل بعد انهيار سد بارليف بخطر إمكانية وصول القدرات العربية العسكرية إلى العمق الإسرائيلي بعد أن كانت جميع الحروب السابقة تجري على الأراضي العربية·

 

رمضان في الوجدان الإنساني

 

تنص الآية الكريمة على أن فرض الصيام على أمة المصطفى ليس أمراً جديداً في التاريخ الإنساني بل هو فرض جاء لأمم من قبلنا أيضاً· وبحسب كتب التأريخ فإن ركائز الدعوة المحمدية كان يمهد لها يوم أن قلد الله سبحانه وتعالى خليله ابراهيم (عليه السلام) إماماً للعالمين، فتوجه الخليل بسؤال حول كيفية تواصل الإمامة في ذريته فجاء الأمر الإلهي (لن ينال عهدي الظالمين)· فالصوم، وعلى أقل التقديرات، سُن في الدعوة الحنفية لأبينا ابراهيم الذي سمانا مسلمين· وما فرض الصيام على المسلمين إلا تجديداً لوعد الله سبحانه وتعالى بإمامة ابراهيم عليه السلام وإمامة الصالحين من ذريته من بعده وخاتمهم محمد (صلى الله عليه وسلم)· نعم قد تكون كيفية الصوم المفروض على الأمم الأخرى مختلفة عن كيفية الصوم المفروض في الإسلام، لكن المبدأ دون شك لا اختلاف فيه، بل إن الواضح أيضاً أن العبادات الأخرى لها  نظائر في الأديان السماوية طالما أننا نؤمن بوحدانية الله وبالتالي عدم تناقض أحكام الرسالات السماوية فيما بينها·

وأخيراً مبارك عليكم الشهر وتقبل الله طاعاتكم وعساكم من عواده، وإلى الباري نتضرع أن يرد أسرانا سالمين غانمين ويفك قيدهم ويخلصهم من محنتهم إنه سميع مجيب الدعاء·

طباعة  

من الفقه الجعفري
 
يشتمل على ثلاثة بيوت للصلاة
14 مليون دينار كلفة بناء المسجد الكبير

 
رمضان وصحة الجسم
 
ليلة القدر.. اخفاها الله على عباده ليعظموا جميع ليالي رمضان