باقتدار يسير على شفا واديين.. ولم يبح:
الوقيان يحمل فاكهتين في سلة واحدة!
كتب: نشمي مهنا
أيضاً·· نستعير مرة أخرى اقتباسات سليمان الشطي الشعرية، التي أسبغها على شاعرنا د· خليفة الوقيان، بعدما خبر معدنه عن قرب، ورآه (يصغي للحديث بقلبه··· وبسمعه ولعله أدرى به)، هذا الإصغاء الخلقي الجميل، المطبوع عليه، رغم رُقيّه، وصفاء سريرة المصغي، إلا أنه يبقى لغزاً محيّراً للمتحدث، وبحراً لا متناه لحديثٍ قد لا يصل إلى ساحل، أو قد لا يثمر عن إضافة جديدة!
ماذا لو أوْقَفَنا شاعرنا الوقيان للحظات عن استرسالنا، ليدلنا على طرقه القصيرة (الخاصة به)، والأقل عناء كما يتراءى لنا والتي أوصلته، ومكّنته من جمع فاكهتين في سلة قصيدة واحدة؟!
نعني تلك الإشكالية التي كانت ومازالت تواجه أي شاعر ملتزم بقضايا وطنه، حاملاً لثقل هموم كبرى وطنية، ليرميها في بحيرات الشعر· يفرض مثل هذا الالتزام على الشاعر أن يمشي على شفا واديين، يخشى في سعيه هذا أن يقع في وادي (السياسي) الفاضح، والمباشر، وفي الوقت نفسه يحاذر الوقوع في متاهات وادي الشعر، بفضاءاته الحالمة، والجانحة، غير المعبّرة تعبيراً ذا تأثير·
هذا ما ميّز الوقيان (وهو الأدرى به)، لذا علا صوته في الواديين، فأسْمَعَ، وأثَّرَ، وحرَّكَ، وأبْدَع، فبحجر واحد حرّك بحيرات الفكر الساكنة، وبحجر واحد أسقط من شجرة الحلم الشعري، ثمراً سياسياً (رسالة تعمد البوح بها)، وثمراً شعرياً خالصاً، جنياً، في سلة القصيدة·
هذا الجانب يحتاج إلى أكثر من بحث، وهذه الإشكالية التي قلّما تجاوزها شعراؤنا العرب، الملتزمون بقضايا أوطانهم، تحتاج منا إلى أكثر من قراءة، للتوقف عند مثل هؤلاء النماذج القلة من المبدعين، الذين باحوا بكل ما لديهم من "رسائل" سياسية، وطنية، وإنسانية، مع عدم تفريطهم بفنية النص، أو بالأصح تمكنهم من العثور على مسالك إبداعية تعصمهم من الوقوع في قعر المباشرة والتقريرية التي -عادة- يتطلبها الخطاب السياسي!
واختيارنا هنا يقع على قصيدة (مذبحة الفواكه) لما لها- كأغلب نصوص الوقيان- من حشد لمعان وطنية صادقة، وتكثيف فكري عميق، مع عدم الإخلال بجمالها الفني النادر، وحان الوقت أن نصغي له بقلوبنا وأسماعنا وإن كان هو الأدرى بها!
كُتبت (مذبحة الفواكه) في شهر يوليو 1985، لمناسبة أليمة، عندما فوجئ الكويتيون بتعكير صفو حياتهم الهانئة، والمسالمة، وهدوء لياليهم الصيفية، وصفاء سمائهم، وزرقة خليجهم، بتفجيرات إرهابية في مقاهٍ شعبية·
كتب الوقيان "في" و"لـ" تلك المناسبة، إلا أن قصيدته إلى الآن، وبعد خمسة عشر عاماً، لم تقف عند ذلك التاريخ، ولم تطوَ بين دفتي ديوان منسية، كطبيعة قصائد "المناسبة"·
جمّع الشاعر في أول إطلالة النص، أبطاله الشعبيين، من الناس البسطاء، شيوخاً من كبار السن، ونساءً وأطفالاً، واحداً تلو الآخر، إلى المقهى، أو "ساحة النص":
يجيء سليمان
بعد وضوء صلاة العشاء
ثقيل الخطى
تعشش في ركْبَتَيْه
مواجع عَصْرٍ من الغوص والقهر
والسفر المستديم
مبطلاً بـ "وضوء" سليمان، أي حجج أو ذرائع قد يبرر بها الإرهابيون جريمتهم، بل ينكر عليهم بـ "وضوء سليمان وصلاته" أن يكونوا في حقيقتهم مسلمين، أو لنقُلْ أنه يعجب أن يكونوا كذلك· ثم يتحدث مباشرة على لسان سليمان:
إليّ بشاي بلا سُكّرٍ
وشربة ماء
لقد هدّني الضغط والربو
والسكر الأزلي اللعين
ثم يُدخل شاعرُنا إلى المقهى:
ويأتي خليلُ
بأكياسِ فاكهة للصغار
ويبقى يراقب في صمته المئذنة
وكأننا أيضاً نراقب بأعيننا حركتهم داخل المقهى الشعبي، أو داخل النص، هذه الحركة التي تتشكّل في مساء من مساءاتنا الصيفية، على ساحل الخليج، وبمثل أشخاص النص هؤلاء المملوئين بالبراءات والنقاء·
وحول المراجيح
يلتفّ
جمع من الصبية المتعبين
يؤرقهم هاجس المدرسةْ
وتسعدهم لحظة مؤنسةْ
وهنا يُبرز الشاعرُ الوجهَ الأكثر براءة، هذا الجمع الطفولي الحالم، الذي لم يؤرقه سوى هاجس المدرسة، فيضيف شاعرنا تفاصيل صغيرة مؤثّرة، لا ينتبه لها القارئ، وإن أحسها وأحبها دون علم، أو حتى أي شاعر آخر -غير الوقيان- مشدود الذهن أثناء الكتابة ليبني بناءً ميلودرامياً أكبر، يتحيّن الفرصة لحبكه:
وتبقى النساءُ
تروح، تجيء
تراقب أطفالها في حذرْ
تجمّعُ أشياءها
الماء، والبسْط، والأطعمةْ
لقد هبط الليلُ
هيا إلى البيت
لا·· سوف نبقى قليلاً··
يرقب الشاعر حبكته، ويضرب بمنواله خيوط المشهد، من خلال حركة الأمهات، وحذرهن، وخوفهن·· كما لا ينسى اقتناص "التفاصيل" مثل تعّلق الأطفال باللهو، و"لاءاتهم" المعتادة··
إلى أن نصل إلى "الذروة" فيُوقف الوقيان في ظلها كل شيء، الزمن، نداء المؤذن، هدهدة الأم لطفلها، عزف آنية الشاي، قرقرة "القدو"، همس الخليج، صرير المراجيح، ليعلن عن حركة ما!
ومثلما جَمَعَتْ الأم- في المقطع السابق- أشياءها، من الماء والبسط والأطعمة·· جمع شاعرنا "أشياء" المقهى:
وفي لحظة
توقف في ظلها كل شيء
نداءُ المؤذّنِ
هدهدةُ الأمِ للطفلِ
عزفٌ لآنيةِ الشاي
قرقرةُ "القدو"
همسُ الخليجِ لعشاقه الحالمين
صريرُ المراجيحِ
تعلو وتدنو
كل ذلك يُنبئ عن:
تحرّك تحت المقاعد
شيءٌ دفين
وهنا تبدأ المذبحة، الإنفجار، أي التناثر والانشطار، فينثر الشاعر بوجه وعين القارئ كل هذا النسيج، الذي جمعه في مقاطعه من شخوص أبرياء (شيوخ، مواطنين، غرباء) وفاكهة، ومراجيح، وأشياء وأشلاء، ثم:
تناثر تفاحُ لبنان
رمّان إيران
تين الشآم
مضرجة بالدماء
بأشلاء طفل المراجيح
أطراف شيخ
توضأ منتظراً للصلاة
بأكياس فاكهة فارغة
تشبّث في قطعةٍ من ذراع
معفّرة بالترابْ
بثوب لأمٍ
تمزق عنها الحجابْ
بأحشاء صبٍّ غريبٍ
نأى عن ربى النيلِ
أفياءِ شيرازَ
أشذاءِ يافا
يُقَطِّعُ بين المقاهي
حنيناً لأطفالهِ الغائبينْ
كل هذا الإعلان بالمذبحة، والفاجعة، وبكل فصاحة هذه "الرسالة" الوطنية، نقرأ، ونتفاعل، ونعي، ونحس، دون تصريح من الشاعر، ودون أن يلوّح بـ "بيان" إدانة شعري!
هكذا هي مقطوعاته ونصوصه المحمّلة ببعد فكري، أو سياسي، وهكذا هي طريقته السهلة الممتنعة، التي استعصى حل اشكاليتها على الكثيرين، وبعد كل ذلك يعود ليصغي بقلبه وسمعه، لهموم وقضايا بلده، ولأشخاصه البسطاء، دون مقاطعة، رغم أنه (الأدرى)·