· الضغوط النفسية والأزمات والمواقف المحبطة والخبرات المؤلمة التي يمر بها الأفراد تؤدي إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالاضطرابات النفسية والمعرفية والسلوكية والجسمية النفسية
· أثبتت الدراسة أن من كانوا داخل الكويت أكثر اضطرابا ممن كانوا خارجها، ويرجع السبب إلى أن الصامدين تعرضوا لمواقف مؤلمة حيث عمدت القوات العراقية إلى فرض أقصى أنواع الإرهاب لمحو الهوية الكويتية
· على الرغم من أن كارثة الغزو العراقي على الكويت لقيت اهتماما سياسيا على المستوى الوطني والعربي والعالمي إلا أن الآثار النفسية والاجتماعية التي لحقت بالمواطن الكويتي لا تزال تمثل جوانب كامنة وفي حاجة إلى الجهود العلمية لرصد مظاهرها
· القلق وعدم الاستقرار وكثرة التوتر وسرعة الاستثارة والاضطرابات في النوم والشعور بالملل والاحباط وعدم الاطمئنان على المستقبل أهم الآثار السلبية الانفعالية التي أفرزها الغزو العراقي
عويد سلطان المشعان**
تهدف هذه الدراسة إلى بحث حجم الاضطرابات الانفعالية والمعرفية والسلوكية والسيكوسوماتية لدى الكويتيين قبل العدوان وبعده· وتكونت عينة الدراسة من (279) من الكويتيين بواقع (186) من الذكور و(93) من الإناث، وشملت العينة (160) من المواطنين خارج الكويت و(119) من المواطنين داخل الكويت، وطبق على العينة أدوات تشمل: مقياس الضغوط النفسية، والاضطرابات المعرفية، والاضطرابات والسيكوسوماتية·
وأظهرت نتائج اختبارات "ت" ارتفاعاً في معدلات الاضطرابات الانفعالية والسلوكية والمعرفية والسيكوسوماتية بعد العدوان العراقي عما قبله· وكشفت نتائج تحليل الانحدار المتعدد بأنه توجد قيمة تنبئية دالة لمتغير الجنس بالمتغيرات الانفعالية والمعرفية والسيوكوسوماتية، حيث إن الإناث أكثر اضطراباً انفعالياً ومعرفياً وسيكوسوماتياً من الذكور، ولكن من كانوا داخل الكويت كانوا أكثر اضطراباً سلوكياً من الذين كانوا خارجه، وكذلك لا توجد فروق بين الذكور والإناث في الاضطرابات الانفعالية والسلوكية والمعرفية والسيكوسوماتية من حيث الحالة الاجتماعية والعمر والأضرار المادية والنفسية والألم النفسي·
تعرضت الكويت للعدوان العراقي الآثم وما نجم عنه من أساليب وحشية بشعة من تعذيب وتدمير واغتصاب وقتل، فكان من الطبيعي أن تظهر صدمة الحرب جلية· وأخطر آثارها تدمير النفس البشرية· وكأي حرب فإن لها نتائج وتوابع· وردود أفعال عديدة منها ارتفاع معدلات الاضطرابات الانفعالية والمعرفية والسلوكية والنفسية الجسمية· ويشير علماء النفس إلى أن الأفراد الذين يعايشون الحروب والكوارث والأزمات يكونون غالباً أكثر عرضة للاصابة بالاضطرابات النفسية وعلى رأسها الاكتئاب والقلق، من الأفراد الذين لا يعايشون مثل هذه الحروب· ويرى هودجكنستون أن ردود الأفعال للكوارث والأزمات تختلف من فرد إلى آخر، فبعض الأفراد ينهارون بسرعة أو يعانون كثيراً من الاضطرابات النفسية والجسمية، وبعضهم يتوافق ويصمد أمام هذه الأزمات· ويرجع هذا إلى أن هناك أفراداً يملكون من القدرات النفسية والعقلية ما يجعلهم أشداء في مواجهة الأزمات، وهناك آخرون لا يستطيعون تحمل الأزمات النفسية ومواجهة المحن والشدائد فينهارون عند أول مواجهة لها· فالضغوط النفسية والأزمات والمواقف المحبطة والخبرات المؤلمة التي يمر بها الأفراد تؤدي إلى ارتفاع معدلات الاصابة بالاضطرابات النفسية والمعرفية والسلوكية والنفسية الجسمية، وهذا ما أظهرته دراسات مختلفة·
ولا شك أن الضغوط النفسية والمواقف المحبطة والخبرات المؤلمة التي تعرض لها الكويتيون وغيرهم تقود إلى عديد من الاضطرابات الانفعالية والمعرفية والسلوكية والجسمية النفسية (السكوسوماتية) التي يمكن أن تجعل الفرد غير قادر على العطاء والانتاجية وخصوصاً في مجال العمل، وكذلك غير قادر على القيام بدوره وواجباته ومسؤولياته في المجال الأسري· وبالرغم من أن الجوانب السياسية والاقتصادية للأزمة على المستوى الوطني أو الخليجي أو العربي أو العالمي قد لقيت نصيبها من الاهتمام والدراسة، فإن الآثار النفسية والاجتماعية التي لحقت بالمواطن الكويتي ممن كانوا هدف هذه الأزمة ومحورها وعانوا من مرارتها مازالت تمثل جوانب كامنة في حاجة إلى الجهود العلمية لرصد مظاهرها، وتحديد أبعادها، وتتبع نماذجها، ووضع الأساليب والاستراتيجيات الملائمة لمواجهتها·
إن عمليات تحمل الضغوط هي مجموعة النشاطات أو الاستراتيجيات (السلوكية أو المعرفية) التي يسعى الفرد من خلالها إلى تطويع الموقف الضاغط، وحل المشكلة، أو تخفيف التوتر الانفعالي المترتب عليه، وهذا يتطلب من الفرد القيام بأفعال محدودة لمواجهة الموقف الضاغط بمحاولات مستمرة من جانبه لزيادة الجهد أو تعديله والابتعاد عن الأفعال التي قد تصرفه عن التهديد الذي يواجهه·
لذا رأى الباحث أن يجري هذه الدراسة لبحث: التغير في الجوانب الانفعالية والمعرفية والسلوكية والنفسية الجسمية لدى الكويتيين بعد العدوان العراقي، لما لهذا الموضوع من أهمية في الكشف عن الجوانب التي تعرضت للتغير نتيجة هذا العدوان، وما يتطلبه ذلك من سياسات واجراءات في مختلف المجالات الميدانية لوضع خطة وقائية وعلاجية لتنمية شخصية المواطن الكويتي، بحيث تصبح قادرة على التعامل مع الضغوط ومواجهة تحديات المرحلة التالية للصدمة·
يرى الباحث أن الجديد في هذه الدراسة أنها ركزت على الفروق بين الاضطرابات لدى الكويتيين قبل العدوان العراقي وبعده، ولهذا الموضوع أهمية في الكشف عن الاضطرابات التي ارتفع معدلها نتيجة العدوان العراقي، وما يتطلبه ذلك من سياسات وإجراءات في مختلف المجالات الوقائية ثم العلاجية بهدف تنمية شخصية المواطن الكويتي حتى يتمكن من مواجهة تحديات ما بعد العدوان العراقي، وكذلك لم تشر معظم الدراسات السابقة إلى الفروق بين حالتين: قبل العدوان العراقي وبعده، وهذا ما دفع الباحث إلى إجراء دراسته· وقد تناول الباحث في هذه الدراسة متغيرات متعددة، منها ما يقيس الجانب الانفعالي، والجانب المعرفي، والجانب السلوكي، والجانب النفسي- الجسمي· كما ان الجديد في هذه الدراسة كذلك أنها تناولت عينات من المواطنين من غير الطلاب، في حين أن معظم الدراسات السابقة ركزت على عينات من القطاع الطلابي· ومن ناحية أخرى استخدمت معظم الدراسات السابقة التحليلات الاحصائية الخاصة بالفروق (اختبارات "ت" وتحليل التباين) في حين استخدم في الدراسة الحالية معامل الانحدار المتعدد، ولهذا الاختبار الإحصائي قيمته التنبؤية الفعالة·
الإطار النظري للدراسة والدراسات السابقة
تركت الضغوط النفسية الناجمة عن الصدمة آثاراً سلبية على الإنسان الكويتي، وبخاصة على الجوانب الانفعالية والمعرفية والسلوكية والنفسية الجسمية (السيكوسوماتية)· ويؤكد "باول" وزملاؤه أننا أصبحنا في قرن الضغوط النفسية والأزمات، حيث تشير الاحصائيات الحديثة إلى أن 80% من أمراض العصر مثل النوبات القلبية، وارتفاع ضغط الدم، والصداع، وقرحة المعدة، والقولون بدايتها الضغوط النفسية·
وقد ورد في معجم علم النفس والتحليل النفسي أن الضغوط النفسية تعني وجود عوامل خارجية ضاغطة على الفرد كله أو على جزء منه، وبدرجة تحدث لديه إحساساً بالتوتر أو تشويهاً في تكامل شخصيته· وحينما تزداد حدة هذه الضغوط فإن ذلك قد يفقد الفرد قدرته على التوازن ويغير من نمط سلوكه إلى نمط جديد، مما يحدث أثراً على الجهاز البدني والنفسي للفرد·
إذن فالضغط النفسي يمثل حالة من التوتر الجسمي والنفسي، ويعد محصلة للقوى التي تمارسها الأحداث الضاغطة على الفرد· وتختلف درجة الضغط النفسي من شخص إلى آخر، ومن بلد لآخر· ويتوقف ذلك على مدى ادراك الفرد لقدرته على السيطرة على الموقف والوفاء بمتطلباته والاعتماد على امكاناته الشخصية وخبراته السابقة وما يتوافر له من مصادر الدعم الاجتماعي في بيئته· إن الضغوط النفسية المصاحبة للأزمة نجم عنها بعض الأعراض الانفعالية كالاكتئاب والكوابيس، واضطرابات النوم، والشعور بالرعب، والقلق والخوف والتوتر، واضطراب في الدورة الشهرية وفقدان الرغبة في الجنس، والشعور بفقدان السيطرة، وهذا ما أكده "يوست" من أن الاجهاد المرتبط بصدمة الحرب له تأثيره الواضح على الناحية الانفعالية للأفراد، لا سيما ارتباطه بأعراض القلق التي تظهر في صورة الحزن والكآبة واليأس والملل والارهاق·
وقد أكد الصراف أن أزمة الاحتلال العراقي أثرت على الجوانب الانفعالية، وظهرت على شكل الشعور بالغضب الشديد، والشعور بالاحباط، وسهولة الاستثارة، والشعور بالملل والحزن، والاسراف في أحلام اليقظة·
ويذكر عواد أن الفتيات الفلسطينيات أصبحن يعانين من الأعراض الانفعالية لهذه الأزمة أكبر من الفتيان الفلسطينيين لها، بسبب أن الفتاة الفلسطينية اشتركت بصورة مباشرة في عملية الانتفاضة، وقد تعرضت إلى مواقف العنف وما تحمله من اجهاد وارهاق تركت آثارها الانفعالية على شخصية الفتاة الفلسطينية·
وقد لاحظ الفقي أن من الآثار السلبية الانفعالية التي أفرزها العدوان العراقي القلق وعدم الاستقرار، وكثرة التوتر وسرعة الاستثارة، والاضطرابات في النوم، والشعور بالملل والاحباط، والقلق وعدم الاطمئنان على المستقبل·
ويرى "دافيدسون" أن الاضطرابات السلوكية تتمثل في زيادة السلوك العدواني والعصبية الزائدة، وزيادة معدلات التدخين، وزيادة استخدام العقاقير والمخدرات· وقد توصل "هلزر" وزملاؤه إلى أن من أبرز الأعراض السلوكية السرقة والكذب والاعتداء والتخريب والتمرد على النظام والقانون· وقد توصل "جاربارينو" في دراسته في الكويت إلى أن أبرز آثار الاحتلال العراقي على الأفراد، الاضطرابات السلوكية كالخوف واضطرابات النوم، والاضطرابات الانفعالية كالغضب والثورة والعصبية·
أما فيما يتعلق بالجانب المعرفي، فيرى أن الفرد يشعر بضعف في نشاطه العقلي، وخمول في طاقته الذهنية، ومن أعراض الاضطرابات المعرفية: عدم التركيز، وتشتيت الانتباه، وكثرة النسيان، وكثرة الأخطاء، كما تزداد اضطرابات القدرة العقلية·
ويرى "بيلي" أن الأفراد الذين يعانون من صدمة الأزمات تصبح الصورة العقلية لديهم عن الاستقرار والسلام العالمي مشوهة لدرجة أنهم يواجهون صعوبات فائقة في عملية التوافق مع الأوضاع الجديدة التي يشهدها العالم·
أما الاضطرابات النفسية الجسمية (السيكوسوماتية) فيورد "كويك وكويك" أن الضغوط النفسية ينجم عنها أمراض القلق؛ كالسكتة القلبية، وتصلب الشرايين، وزيادة ضغط الدم، وزيادة نسبة الكوليسترول في الدم·
وخلص المحارب من البحوث التي أجريت حول العلاقة بين الضغوط النفسية والاكتئاب في الفترة من (1991-1981) إلى أن الضغوط النفسية تؤثر في أداء الخلايا الليمفاوية، كما تؤثر سلباً في الجهاز المناعي للفرد· كما توصل إبراهيم (1992) إلى أن الأمراض السيكوسوماتية كضغط الدم، والقولون العصبي ترتبط بالضغوط الحياتية الشديدة· وقد أسفر كثير من البحوث التي أجريت خلال السنوات العشر الأخيرة عن براهين تؤيد ارتباط الشخصية بالأعراض النفسية الجسمية المختلفة·
ومن الممكن أن تسبب ضغوط العمل للإنسان كثيراً من الأمراض والاضطرابات النفسية الجسمية؛ مثل زيادة الشعور بالقلق والاحباط، وارتفاع ضغط الدم، وارتفاع مستوى الكوليسترول، وآلام الظهر، والتهاب المفاصل، والصداع، والقرحة، والسرطان، والسكري، وتليف الكبد، وأمراض الرئة وتصلب الشرايين، وأمراض القلب التي تودي سنوياً بحياة ما يربو على نصف مليون أمريكي· وتشير عدد من الدراسات المنشورة مؤخراً إلى أن ارتفاع ضغوط العمل قد يضعف جهاز المناعة عند الانسان، ويقلل من قدرته على مقاومة كثير من الأمراض الخطرة، فضلاً عن ذلك أصبحت الاضطرابات النفسية الجسمية منتشرة في هذه الأيام وشائعة جداً في العيادات الطبية، وتبلغ نسبتها بين المرضى نحو %40· ويقدر مدير إحدى شركات التأمين في الولايات المتحدة أن هناك ما بين %90-70 من المترددين يومياً على عيادات الأطباء يعانون من أمراض أسبابها الضغوط· ويعزو كثير من الخبراء الطبيين أسباب نحو %70-50 من الأمراض إلى عوامل مرتبطة بالضغوط·
وتلحق ضغوط العمل خسائر جسيمة بالأفراد ومنظمات الأعمال، ويكشف تقرير لإحدى شركات التأمين صدر في الولايات المتحدة عام 1984، أن هناك مليون عامل يتغيبون يومياً بسبب الضغوط، وبتكلفة تقدر سنوياً بـ 150 بليون دولار· ويشمل هذا الرقم تكاليف الغياب، وترك العمل، وانخفاض مستوى الانتاجية، وطلبات التعويض والتأمين ونفقات العلاج الصحي·
كما يرى "ستبتو"، أن الاستجابة للمواقف الضاغطة تتضمن تغيرات في الجوانب الانفعالية والسلوكية والفيزيولوجية، ويؤكد كين أن من أهم الجوانب تأثراً باضطرابات الصدمة الجوانب المعرفية والانفعالية والسلوكية والجسمية نتيجة معايشة الفرد لظروف الحروب والأزمات· ومن أبرز العلماء الذين اهتموا بتقديم نماذج لتفسير الأزمة "جبسون" الذي اشتمل نموذجه على خمس مجموعات من الآثار المترتبة على الضغوط النفسية، وهي الآثار الذاتية؛ مثل: العدوانية واللامبالاة، والقلق، والآثار السلوكية؛ مثل: عدم القدرة على اتخاذ القرارات الصائبة، وعدم القدرة على التركيز، والآثار الفسيولوجية؛ مثل زيادة ضغط الدم وزيادة دقات القلب، والآثار التنظيمية؛ مثل ضعف الأداء الوظيفي، والغياب، وعدم الرضا الوظيفي·
وتؤكد الدراسات- منذ الحرب العالمية الثانية- ان الحرب- بأشكالها المختلفة- تترك وراءها مشكلات وأزمات نفسية واجتماعية، تؤدي إلى ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية لدى الأفراد· ولقد أثبتت الدراسات التشخيصية الإكلينيكية التي أجريت على الملايين من الأفراد بعد الحرب العالمية الثانية في معظم الدول المتقدمة كبريطانيا وفرنسا والمانيا والسويد والولايات المتحدة الأميركية أن الغالبية العظمى من هؤلاء الأفراد الذين شملتهم الدراسة قد أصيبوا باضطرابات نفسية واجتماعية وأسرية وسلوكية، وقد اختلفت نوعية الاصابة المرضية باختلاف نوعية الكوارث، وباختلاف الشعوب والشخصيات والحضارات والثقافات· فنجد أن الارتجاف الهستيري كان منتشراً بين الجنود الألمان أثناء الحرب العالمية الأولى، وأن الاصابة بقرحة المعدة قد ازدادت بنسبة 40% بين الشعب الانكليزي أثناء الغارات الألمانية· ولقد أجمع كثير من الباحثين على أن معايشة خبرات الحرب تترك آثاراً نفسية لا تزول بانتهاء الحرب، بل تظل كامنة وتتراكم لتفرز كثيراً من الاضطرابات النفسية والسيكوسوماتية·
كما لاحظ النابلسي (1992) أن معظم اللبنانيين يعانون من الاضطرابات النفسية والجسدية الناجمة عن الحرب اللبنانية· وطبقاً للمراجعات التي قام بها "مارش" فإن معظم الخصائص الشائعة للضغوط التالية للصدمة يمكن أن تحدث نتيجة للأذى البدني، وفقدان العزيز والأعمال الوحشية، والتعرض للموت البشع، والسماع عن الموت· وقد أفادت دراسة "هوستيلر" أن بعض أفراد العائلات الذين كان آباؤهم يخدمون في حرب الخليج قد تأثروا نفسياً من خلال مشاهدة برامج التلفزيون، وقراءة الصحف، وسماع ما يرويه الأقارب عن أهوال الحرب ودمارها·
وتفيد دراسات عديدة أن المرور بخبرات الحرب أو أحداث العنف قد يسبب ضغوطاً مرتبطة بالحرب وينتج عنها الاصابة بصدمات نفسية قد يختلف تأثيرها بالنسبة للأفراد حسب عوامل الخطر مثل: سمات الشخصية، والظروف الاجتماعية، ودرجة التوافق الاجتماعي، والنوع، والعمر·
وخلصت الدراسات التي أجريت على الدول التي عانت من ويلات الحروب، إلى أن معايشة خبرات الحرب المؤلمة، سواء كان ذلك عن طريق التعرض للخبرة السيئة، مثل: الخوف من القتل أو التعذيب الجسمي، أو مشاهدة عمليات القتل والإعدام، والتعرض للاعتقال والتهديد أو سماع تلك الأحداث ومشاهدتها من وسائل الإعلام، يمكن أن يسبب آثاراً نفسية تتضاعف مع مرور الوقت، أو تظهر في صورة اضطرابات نفسية·
واتفقت الدراسات التي أجريت في المجتمع الكويتي على أن العدوان العراقي قد نتج عنه اضطرابات متعددة وعميقة، وقد انعكست هذه الاضطرابات في صورة مشكلات اجتماعية على الفرد والأسرة، ومن ثم على المجتمع ككل· ومن هنا يتضح أن العدوان العراقي تسبب في معاناة الأسرة الكويتية من عديد من الاضطرابات، وفي الوقت نفسه تسبب في حدوث المشكلات التي ضاعفت من هذه الاضطرابات·
يتضح من مراجعة الدراسات السابقة أن الأزمات والكوارث والحروب والخبرات المؤلمة والمواقف المحبطة والمواقف الضاغطة التي يتعرض لها الأفراد تؤدي إلى ارتفاع معدل الاصابة بالاضطرابات الانفعالية والسلوكية والمعرفية والسيكوسوماتية·
وأوضحت دراسة الفقي (1993) التأثيرات السلبية والمعرفية التي يعاني منها الكويتيون نتيجة الاحتلال العراقي على دولة الكويت، على عينه قوامها (600) فرد· وأسفرت النتائج عن عدم وجود فروق دالة إحصائية بين فئتي الداخل والخارج من الذكور والاناث من (25) عاماً· ويلاحظ أن القلق على المستقبل هو الاضطراب العصابي العام المشترك والأكثر شيوعاً بين فئتي الداخل والخارج من الذكور والاناث، سواء كانوا أصغر أو أكبر من (25) عاماً·
ودرست الديب (1992) ردود الفعل المتأخرة لصدمة الحرب على حالة فردية من المواطنات الكويتيات الصامدات بالكويت، وأظهرت النتائج أن الحالة تعاني من الاضطرابات النفسية الجسدية، كما تعاني من القلق والخوف وفقدان الثقة بالنفس·
وكشفت دراسة المشعان والعنزي (1996) عن الاضطرابات النفسية لدى الأسرة الكويتية بعد العدوان العراقي على عينة قوامها (249) من الأسر الكويتية، أنه لا توجد فروق في الاضطرابات النفسية بين الأسر التي كانت خارج الكويت والأسر التي كانت داخلها، ولكن أسر الأسرى حصلت على متوسط درجات أعلى من متوسط درجات الأسر الأخرى في متغيرات الاكتئاب·
ودرس الأنصاري (1997) الاكتئاب والعدوان العراقي لدى عينة مكونة من (135) من الكويتيين، وكشفت النتائج عن فروق بين الذكور والإناث في الاكتئاب من طلاب الثانوي والجامعة؛ حيث كانت الإناث أكثر اكتئاباً من الذكور، ولكن لم تظهر فروق بين الموظفين والموظفات وبين المدرسين والمدرسات في الاكتئاب· كما ظهرت فروق بين الكويتيين من حيث الاقامة، حيث إن أفراد العينة التي كانت خارج الكويت ثم دخلت أكثر اكتئاباً من المجموعات الأخرى، وكانت معدلات الاكتئاب أكثر ارتفاعاً لدى من تعرضوا للتعذيب عمن تعرضوا للأسر·
أما دراسة بشير الرشيدي (1996) التي أجريت على مائتي مفردة من المطلقين والمطلقات، بواقع مائة مفردة للذكور، ومائة مفردة للإناث، وجميعهم من الأعمار 25 سنة فأكثر، من الذين تم طلاقهم بعد العدوان، فقد أسفرت عن ارتفاع نسبة المعاناة من الاضطرابات بين هذه الفئة بصورة غير عادية نتيجة خبرة العدوان مضافاً اليها خبرة الطلاق، أما فيما يتعلق بالاضطرابات المعرفية والسلوكية فقد تراوحت نسبة المعاناة بين (92%-69%) للإناث، وتتمثل هذه الاضطرابات في المخاوف المرضية، وفقدان الشعور بالبهجة، وقصور المجال الوجداني، بالاضافة إلى سرعة الانفعال، ونوبات الغضب المتكررة، والشعور بالألم النفسي عند التعرض لمواقف ترمز إلى الحدث الصدمي؛ سواء أكان يتعلق بخبرة العدوان أم بخبرة الطلاق·
أما على مستوى الاضطرابات البدنية فتبين أن نسبة المعاناة بين الذكور تتراوح بين (90%-65%) مقابل (80-65%) للإناث، وتتمثل هذه الاضطرابات في المعاناة من الأحلام المزعجة والمؤلمة، وفقدان الشهية، والإحساس بالارهاق، وفقدان الطاقة، بالاضافة إلى الشعور بالألم في أجزاء مختلفة من الجسم·
وأظهرت دراسة "سولومون" (1988) عن معاناة الجنود من بعض الاضطرابات الانفعالية التالية للصدمة مثل: الاكتئاب، والقلق، والأرق، والشعور بالوحدة والعدوانية، والشعور بالذنب، والشعور بالعزلة·
وكشفت دراسة "بوفيناتان وزملاؤه" (1989) على عينة قوامها 160 معتقلاً سيرلانكياً تم الافراج عنهم من السجون بعد تعذيبهم بقسوة عن معاناة أفراد العينة من القلق بمعدل 66% والاكتئاب %69، والغضب 74%، والتهيج 62%، والانسحاب الاجتماعي 62%، والارهاق 38%، والشك 53%·
وأسفرت دراسة "كانياستي ونوريس" (1991) على عينة قوامها (833) من الراشدين الكويتيين عن معاناة أفراد العينة من القلق، والاكتئاب والتشاؤم، والاغتراب النفسي·
وقد أجريت دراسة على عينة قوامها 2867 من المحاربين القدامى الأميركيين، بهدف فحص الضغوط التالية لصدمة الحرب عند هؤلاء المحاربين، وقد ظهر أن هناك قدراً كبيراً من المشكلات بين أسر المحاربين القدامى التي أصيب أحد أفرادها باضطراب الضغوط التالية للصدمة، كما هي عليه عند الأسر المماثلة في قدامى المحاربين التي لا توجد بها اصابات باضطرابات الضغوط التالية لصدمة الحرب، وأن زوجات قدامى المحاربين المصابين باضطرابات الضغوط التالية لصدمة الحرب كن أقل سعادة من قريناتهن المتزوجات من قدامى المحاربين وغير المصابين بهذا الاضطرابات، ويتفق مع هذه الدراسة (المشعان والعنزي 1996)·
وكشفت دراسة "لابات وسنو" (1992) على عينة قوامها (57) من الجنود الأميركيين الذين خدموا في فرقة مشاة ميكانيكية في حرب الخليج، عن كثير من الأعراض المرتبطة باضطرابات الضغوط التالية للصدمة PTSD وقرر %39 اصابتهم بالأحلام المزعجة (الكوابيس) بعد عودتهم إلى ألمانيا من حرب الخليج، كما قرر أكثر من ثلثهم زيادة استخدامهم للكحول، حيث استخدمه كثير منهم للتقليل من مشكلات النوم أو الكوابيس· وأخيراً فقد أثرت الاصابات العضوية في حدوث الصدمة النفسية·
أْجريت دراسة "ساتكير وآخرون" (1995) على عينة من جنود البحرية الأميركية وعددهم (912) ممن شاركوا في عمليات عاصفة الصحراء، وقد قسمت العينة إلى مجموعتين: الأولى وعددهم (653) ممن شاركوا في القصف الجوي بالأساطيل البحرية، و(259) من الاحتياط الذين لم يشاركوا في القصف الجوي وإنما كانوا خارج نطاق مسرح العمليات· وأظهرت نتائج الدراسة فروقاً جوهرية بين المجموعتين لصالح المجموعة التي شاركت في عمليات عاصفة الصحراء بالقصف الجوي في متغير الاكتئاب النفسي والقلق والأعراض النفسية الجسمية·
وأجرى قاسم الصراف (1994) دراسة على عينة قوامها (1287) طالباً وطالبة، وكشفت الدراسة عن الآثار السلبية للعدوان العراقي على النواحي الانفعالية للطلاب تمثلت في: الإحساس بالخوف والقلق والتشاؤم والشك والتوتر والحزن والكآبة والإحساس بالملل والضيق·
أهداف الدراسة
تهدف هذه الدراسة إلى تعرف حجم الاضطرابات الانفعالية، والمعرفية والسلوكية والنفسية الجسمية على الكويتيين قبل العدوان العراقي وبعده·
وتتلخص أهداف هذه الدراسة تفصيلاً فيما يأتي:
1- تحديد متوسطات الاضطرابات الانفعالية والسلوكية والمعرفية والنفسية والجسمية لدى الكويتيين الذين كانوا داخل الكويت وخارجها·
2- دراسة متغيرات مكان الاقامة والأضرار المالية والنفسية والألم النفسي الذي لحق المواطن بتأثره من هذا العدوان، ومدى تأثيرها في الاضطرابات الانفعالية والمعرفية والسلوكية والنفسية الجسمية·
3- مقارنة الاضطرابات الانفعالية والمعرفية والسلوكية والنفسية الجسمية لدى الكويتيين قبل العدوان العراقي وبعده·
فروض الدراسة
1- توجد فروق في الاضطرابات الانفعالية والسلوكية والمعرفية والسيكوسوماتية بين الأفراد الذي تعرضوا للأضرار المادية أو النفسية التي أصابتهم من جراء العدوان العراقي وبين من لم يتعرضوا لهذه الأضرار·
2- توجد فروق في الاضطرابات الانفعالية والمعرفية والسلوكية والنفسية الجسمية من حيث مكان الاقامة أثناء العدوان (في الداخل/ الخارج)·
3- توجد فروق بين الجنسين في الاضطرابات الانفعالية والمعرفية والسلوكية والنفسية والجسمية·
4- تختلف معدلات الاضطرابات الانفعالية والمعرفية والسلوكية والنفسية الجسمية قبل العدوان وبعده لدى الكويتيين·
منهج الدراسة
العينة
أجريت هذه الدراسة على عينة مكونة من (279) من المواطنين الكويتيين بواقع (186) من الذكور وبواقع (93) من الإناث· أما من حيث مكان الاقامة أثناء العدوان العراقي فكانت بواقع (160) من المواطنين خارج الكويت، وبواقع (115) من المواطنين داخل الكويت·
أدوات الدراسة
أ- مقياس الضغوط النفسية
إعداد "فيميان"(1985)، تعريب منصور والببلاوي (1989)· ويتكون المقياس من 49 عبارة، ويجيب المفحوص عن كل عبارة بوضع علامة في الخانة المناسبة بين الاختيارات الخمسة الآتية (نادراً (1)، أبداً (2)، أحياناً (3)، غالباً (4)، دائماً (5)·
وقد اشتمل المقياس على مصادر للضغوط النفسية وهي: (العبء المهني، نقص الدافعية، الضيق المهني، صعوبات إدارة الوقت)، والمظاهر الأساسية للضغوط النفسية وهي: (المظاهر الانفعالية، والمظاهر السلوكية، والمظاهر الفيزيولوجية)· وقد استخدم المقياس في دراسات سابقة· اختار الباحث مقياس المظاهر الانفعالية الذي يتكون من (7) عبارات، وقد اشتمل المقياس على الأعراض الآتية: (الشعور بالاكتئاب، الشعور بالقلق، الشعور بالاحباط)، وكذلك اختار مقياس المظاهر السلوكية الذي يتكون من (7) عبارات، ومن الأعراض التي اشتمل عليها المقياس: (كثرة التدخين، زيادة السلوك العدواني، زيادة سوء استخدام الكحول)·
صدق المقياس
قام معربا المقياس بحساب صدق المقياس بطريقتين، الأولى: الصدق العاملي والثانية: الصدق التلازمي·
ففي الصدق العاملي: اعتمد منصور والببلاوي للتحقق من هذا النوع من الصدق على تحليل مصفوفة معاملات الارتباط بين بنود المقياس المستخلصة من البيانات المستمدة من (780) معلماً في التعليم الاعدادي والثانوي في مصر، تحليلاً عاملياً من الدرجة الأولى، وفقاً لطريقة المكونات الأساسية (هوتلنج) والتدوير المتعاهد (طريقة الفاريماكس لكايرز)· وقد أسفرت نتائج التحليل عن استخلاص سبعة عوامل لمقياس الضغوط النفسية· ونقتصر في دراستنا على عاملين هما المظاهر الانفعالية، والمظاهر السلوكية·
وفيما يختص بالصدق التلازمي استخدم منصور والببلاوي مقياس الصحة النفسية أو اختبار كونل للاضطرابات السيكوسوماتية من تعريب محمد عماد الدين وآخرين (1976)، وقد وضعه في الأصل آرثر وايدر وآخرون بوصفه محكاً للمقارنة بينه وبين مقياس الضغوط النفسية· وقد طبق المقياس على عينة تتألف من (80) معلماً في المرحلتين الاعدادية والثانوية، وكانت معاملات الارتباط بين مظاهر الضغوط النفسية ومقياس الصحة النفسية (0.643-0.348) وكلها موجبة ودالة عند مستوى 0.01·
وتحقق الباحث من صدق المقياس باستخدام طريقة الصدق التلازمي لحساب معامل الارتباط بين مقياس الضغوط النفسية إعداد "فيميان" تعريب منصور والببلاوي، ومقياس الاضطرابات السيكوسوماتية إعداد فييرا آنابيولا جومز، تعريب عويد المشعان (1995)· وطبق على عينة قوامها (85) طالباً· وكان معامل الارتباط 76، وهو دال عند مستوى 0.01 ويشير إلى الصدق التلازمي المرتفع للمقياس·
ثبات المقياس
وقام معدا المقياس بحساب معامل الثبات بطريقة إعادة الاختبار· وكان معامل الارتباط هو (0.634) بين درجات أفراد العينة من التطبيقيين الأول والثاني، وهو معامل ثبات مقبول·
كما قام الباحث بحساب معامل الثبات باستخدام معامل "ألفا" على عينة البحث· وكان معامل الثبات 0.789 مما يجعل الأمر مطمئناً لاستخدامه في البيئة الكويتية·
ب- الاضطرابات المعرفية
إعداد قاسم الصراف (1993) ويتكون المقياس من (45) عبارة تدور بنودها حول ثلاثة مجالات أساسية، وذلك لتعرف تأثير أزمة الاحتلال العراقي على الجوانب الانفعالية والسلوكية والمعرفية للشباب الكويتي· وتتطلب الاجابة عن هذه الاستبانة أن يبين كل طالب رأيه في كل عبارة بما يتفق والفكرة المطروحة على مقياس متدرج من أربع نقاط؛ بحيث تعبر الدرجة (4) عن الموافقة التامة، والدرجة (3) عن الموافقة، والدرجة (2) عن الحياد، والدرجة (1) عن المعارضة، وقد اختار الباحث الجوانب المعرفية التي تتكون من (7) عبارات لتطبيقها على عينة الدراسة· ومن الأعراض التي اشتمل عليها المقياس: (أشعر بضعف الذاكرة، أصبحت أفكاري مشوشة، أصبح النسيان عندي كثيراً، أصبح انتباهي مشتتاً)· وقد قام الصراف بحساب الاتساق الداخلي للمقياس عن طريق معاملات الارتباط بين كل عبارة للمقياس والدرجة الكلية، وتراوحت معاملات الارتباط بين (0.72, 0.29) وجميعها دالة عند مستوى 0.001·
صدق المقياس
اعتمد قاسم الصراف على اعتبار الصدق الظاهري الذي يتضح في ارتباط عبارات الأداة بالإطار النظري للدراسة، والانطباعات التي سجلها الباحث من مجتمع الأفراد الذين ستشملهم الدراسة· وتم استطلاع آراء ثلاثة من أساتذة علم النفس التربوي بوصفهم محكمين متخصصين، ودرست ردودهم وأعيدت صياغة بعض الفقرات بناء عليها، كما تم توزيع بنود الاستبانة على مجالاتها الثلاثة بناء على اقتراحاتهم وتوصياتهم·
ثبات المقياس
قام الصراف (1993) بحساب ثبات القياس باستخدام طريقة التقسيم النصفي باستعمال معادلة سبيرمان براون· وقد وصل معامل الثبات في المجال المعرفي إلى 0.94، وقام الباحث بحساب معامل الثبات باستخدام معامل "ألفا" على عينة البحث، وكان معامل الثبات 0.845 مما يجعل الأمر مطمئناً لتطبيقه على البيئة الكويتية·
جـ- مقياس الاضطرابات السيكوسوماتية
وهو من إعداد "فييرا"، "آنا بيولا"، "جومز" (1994) وتعريب، عويد المشعان (1995)· وقد عرضت الترجمة على خمسة من المحكمين من أعضاء هيئة التدريس في بقسم علم النفس، في كلية الآداب، جامعة الكويت، لابداء وجهة نظرهم حول الترجمة ومدى ملاءمة الصياغة اللغوية وتطابقها مع الأصل· وقد أبدى المحكمون بعض الملاحظات القيمة التي أخذ بها الباحث، وعلى ضوئها أجرى التعديلات الملائمة· وقد تكون المقياس من (24) عرضاً سيكوسوماتياً· ويطلب من المفحوصين وضع علامة (x) في الخانة المناسبة وفق التدرج الخماسي، وبيان مدى انطباقها عليه قبل العدوان العراقي وبعده· ومن الأعراض التي اشتمل عليها المقياس: (هل تعاني من اضطراب في المعدة؟ هل تعاني من ضيق في التنفس؟ هل تميل إلى البكاء بسهولة؟ هل شعرت بالدوخة (الدوار)؟··· إلخ·
صدق القياس
قام الباحث بحساب الاتساق الداخلي للمقياس عن طريق حساب معامل الارتباط بين كل فقرة للمقياس والدرجة الكلية، معاملات الارتباط بين (0.78, 0.32) وهي معاملات دالة إحصائياً· وتحقق الباحث من صدق المقياس بطريقة الصدق التلازمي، حيث حساب معامل الارتباط بين مقياس الضغوط النفسية ومقياس الاضطرابات السيكوسوماتية، وكان معامل الارتباط (0.76) وهو دال إحصائياً عند مستوى 0.01· وقام الباحث بحساب معامل الثبات باستخدام معامل "ألفا" على عينة البحث، ووصل معامل الثبت إلى 0.689 مما يجعل الأمر مطمئناً لاستخدامه على البيئة الكويتية· وتم قياس الأضرار المادية، والإضرار بالنفس، والألم النفسي والاقامة· وقد قيست هذه المتغيرات بأسئلة مثل:
- هل وقعت عليك أضرار مادية نتيجة العدوان العراقي مثل:
(سرقة، تدمير سيارات أو منازل، أو منازل الجيران) نعم لا
وقد قيست هذه المتغيرات بأسئلة مثل:
- هل وقعت عليك أضرار بالأنفس نتيجة العدوان العراقي مثل (استشهاد، أو فقد، أو أسر أحد الأصدقاء، أو الأقرباء): نعم لا
وقد قيست هذه المتغيرات بأسئلة مثل:
هل أصبت بآلام نفسية نتيجة العدوان العراقي مثل:
(اعتقال، أو تعذيب نفسي مثل: إهانة، شتم) أو تعذيب بدني مثل (الضرب) نعم لا
إجراء الدراسة
طلب من المفحوصين الإجابة على مقاييس الدراسة بحيث توضح حالهم قبل العدوان وبعده· أما تاريخ التطبيق، فقد بدأ الباحث التطبيق في نهاية شهر ديسمبر 1996، بعد وقوع العدوان بنحو ست سنوات وأربعة أشهر·
وكان التطبيق فردياً على الموظفين في القطاع الحكومي، وكان هناك تجانس في المستوى المهني، والاقتصادي والتعليمي والاجتماعي· وكذلك كان تعاون المفحوصين جيداً·
نتائج الدراسة
يتضح أن متوسط درجات الاناث أعلى من متوسط درجات الذكور في الاضطرابات الانفعالية والسلوكية والمعرفية والسيكوسوماتية· كما ان متوسط العمر (30 فأقل) أعلى من متوسط العمر (30) فأكثر في الاضطرابات الانفعالية والسلوكية والمعرفية والسيكوسوماتية، وأن متوسط درجات من كانوا داخل الكويت أعلى من متوسط درجات من كانوا خارجها في الاضطرابات الانفعالية والسلوكية والمعرفية والسيكوماتية·
ويتضح أيضاً أن الفروق في الاضطرابات الانفعالية، والسلوكية، والمعرفية، والسيكوماتية من حيث الجنس ومكان الاقامة إبان العدوان، والعمر، والحالة الاجتماعية كانت أكثر ارتفاعاً بعد العدوان العراقي عما كان قبله·
وقد ظهر لمتغير الجنس قيم تنبؤية إحصائياً في الاضطرابات الانفعالية· وبالرجوع إلى المتوسطات نجد ان متوسط الاناث أعلى من متوسط الذكور· وكذلك يقصد بالمتغير التنبؤي أنه المتغير الذي يمكن من معرفة قيمته التنبؤية بقيمة المتغير التابع، حيث هذا المتغير التنبؤي يدخل ضمن معادلة الانحدار· ومعنى ذلك أن متغير الجنس يمكن أن يفسر حوالي %5 من التباين في درجات الاضطرابات الانفعالية·
أما باقي المتغيرات فإنه لا توجد قيم تنبؤية دالة إحصائياً في متغير الاضطرابات الانفعالية·
وقد ظهر لمتغير مكان الاقامة قيم تنبؤية دالة إحصائياً في الاضطرابات السلوكية، وبالرجوع إلى المتوسطات نجد أن متوسطات داخل الكويت أعلى من متوسطات خارج الكويت، وهذا يعني أن من كانوا داخل الكويت أكثر اضطراباً سلوكياً ممن كانوا خارج الكويت· أما باقي المتغيرات فانه لا توجد لها قيم تنبؤية دالة إحصائياً· ومعنى ذلك أن متغير مكان الاقامة أثناء الأزمة يمكن أن يفسر حوالي 2% من التباين في درجات الاضطرابات السلوكية·
وظهر لمتغير الجنس قيم تنبؤية دالة إحصائياً في الاضطرابات المعرفية· وبالرجوع إلى متوسطات نجد أن متوسط الإناث ومتوسط الذكور، وهذا يعني أن الإناث أكثر اضطراباً في القدرة المعرفية من الذكور· وهذا يعني أن متغير الجنس يمكن أن يفسر حوالي %5 من التباين في درجات الاضطرابات المعرفية·
أما باقي المتغيرات فإنه لا توجد قيمة تنبؤية دالة إحصائياً في متغيرات الاضطرابات المعرفية·
وقد ظهر لمتغير الجنس قيمة تنبؤية دالة إحصائياً في الاضطرابات السيكوسوماتية· وبالرجوع إلى المتوسطات نجد أن متوسط الإناث ومتوسط الذكور، وهذا يعني أن الإناث أكثر اضطراباً سيكوسوماتياً من الذكور؛ أي أن متغير الجنس يمكن أن يفسر حوالي %5 من التباين في درجات الاضطرابات السيكوسوماتية·
أما باقي المتغيرات فإنه لا توجد قيم تنبؤية دالة إحصائياً في متغير الاضطرابات السيكوسوماتية·
مناقشة النتائج
أ- مكان الإقامة كمتغير تنبؤي
أما من حيث مكان الاقامة أثناء العدوان العراقي فإنه توجد قيمة تنبؤية ذات دلالة إحصائية في الاضطرابات السلوكية· وهذا يعني أن من كانوا داخل الكويت أكثر اضطراباً سلوكياً ممن كانوا خارجها·
وقد يرجع السبب إلى أن الصامدين قد تعرضوا لخبرات مؤلمة، ومواقف محبطة وضاغطة؛ إذ عمدت قوات الاحتلال العراقي إلى فرض أقسى أنواع الإرهاب لمحو الهوية الكويتية، وإنزال مختلف ألوان التعذيب البيئي والنفسي لإذلال الشعب الكويتي الصامد، وهذا مما يجعلهم يشعرون بقلق دائم ومستمر أو شعور بانعدام الأمن النفسي والاجتماعي، كل هذا أثر في سلوكيات من كانوا بالداخل·
ب- الأضرار كمتغير تنبؤي
أما من حيث الأضرار بالأنفس والأضرار المادية والألم النفسي لدى الكويتيين فإنه لا توجد فروق في الاضطرابات، ويرجع السبب إلى أن المعاناة النفسية والخبرات المؤلمة والمواقف المحبطة والصدمات العنيفة والأزمات والضغوط النفسية التي تعرض لها الكويتيون واحدة تقريباً، لذا اختفت الفروق بينهم في الأضرار، كما أن معايشة الخبرات الصدمية كالتعذيب البدني أو النفسي أو القتل أو مشاهدة عمليات الإعدام والتعرض للاعتقال والتهديدات أو الأعمال الوحشية أو فقدان عزيز أو غيابه··· وغيرها من الخبرات الصدمية القاسية التي عايشها الكويتيون قد أسهمت في ارتفاع معدلات الاضطرابات بدرجة واحدة، فاختلفت الفروق بينهم فيما يتعلق بالأضرار·
وينبغي أن يوضع في الاعتبار أن الأفراد الذين تعرضوا للأحداث المشار إليها لا يتساوون في درجة التأثر بها، ويرجع ذلك إلى الخصائص الشخصية وإلى العوامل الاجتماعية والثقافية المحيطة بالفرد· فما لدى الفرد من مصادر قوة أو نواحي ضعف، ودرجة حساسيته الشخصية ومستوى ذكائه وإدراكه، وقدرته على مواجهة المشكلات والمواقف، وعلاقاته الاجتماعية وروابطه العاطفية بالأسرة··· وغير ذلك من العوامل له دور مهم في ظهور الأعراض أو الاضطرابات الانفعالية والسلوكية والمعرفية، وفي درجة الاضطراب ونوعه في حال حدوثه·
وتختلف معدلات الاضطرابات الانفعالية والسلوكية والسيكوسوماتية فيما بعد الغزو عما كان قبله: وتحقق الفرض الثاني، فإن معدلات الاضطرابات الانفعالية والسلوكية والمعرفية والسيكوسوماتية قد ارتفعت بعد العدوان العراقي عما قبله، وهذه النتيجة تتسق مع معظم الدراسات السابقة في المجتمع الكويتي·
ويمكن تفسير معدلات الارتفاع في ضوء ما تعرض له الكويتيون أثناء الغزو العراقي من الخبرات الصدمية والتي تؤدي إلى ارتفاع معدلات الاضطرابات الانفعالية والسلوكية والسيكوسوماتية·
وقد ساعد على استمرار ارتفاع معدلات الاضطرابات أن هذه الأحداث مازالت رموزها أمام الأعين، متمثلة في ضحايا العدوان من المعاقين وأسر الشهداء والأسرى والمفقودين، بالاضافة إلى أن مصدر الخطر مازال قائماً على الحدود يلوح من حين لآخر· وهذا من ثم يزيد من عدم الأمن النفسي والاجتماعي والقلق الدائم· ويشير علماء النفس إلى أن الأفراد الذين يعايشون الحروب والأزمات والخبرات المؤلمة يكونون غالباً أكثر عرضة للاصابة بالاضطرابات الانفعالية والمعرفية والسيكوسوماتية من الأفراد الذين لا يعايشون مثل هذه الخبرات الصدمية القاسية·
واتفقت معظم الدراسات التي أجريت على المجتمع الكويتي على أن العدوان العراقي قد نجم عنه ارتفاع في معدلات الاضطرابات الانفعالية والسلوكية والمعرفية والسيكوسوماتية، وقد انعكست هذه الاضطرابات في صورة مشكلات اجتماعية على الأفراد والأسرة، ومن ثم على المجتمع ككل· وقد أشار كثير من الباحثين إلى هذه الحقيقة، حيث أن الأشخاص الذين يعانون من ضعف الشخصية يصبحون أكثر عرضة للاصابة بصدمة الأزمات، كما هم الأشخاص الذين كانوا يعانون من ضعف في جهازهم النفسي والذهني· وأيضاً الفرد غالباً ما يعتمد على مؤهلاته الشخصية في مواجهة مصاعب الحياة والتعامل مع أزماتها·
ومن هنا يتضح أن العدوان العراقي إذا كان قد تسبب في معاناة الأسر الكويتية من الاضطرابات الانفعالية والسلوكية والمعرفية والسيكوسوماتية، فإنه قد تسبب في الوقت نفسه في حدوث المشكلات التي ضاعفت من هذه الاضطرابات·
جـ - متغير جنس المفحوص
تشير نتائج الدراسة إلى أن الجنس قد أظهر أعلى قيمة تنبؤية من جميع المتغيرات التنبؤية التي تناولتها الدراسة، حيث بلغت القيمة التنبؤية لمتغير الجنس في الاضطرابات الانفعالية (0.045)· وقد بلغت القيمة التنبؤية لمتغير الجنس في الاضطرابات السيكوسوماتية (0.054)· ونجد أن تأثير الجنس التنبؤي كان دالاً في الاضطرابات الانفعالية والمعرفية والسيكوسوماتية، وهذا يعني وجود فروق دالة إحصائياً بين الذكور والاناث، حيث كانت الاناث أكثر اضطراباً انفعالياً ومعرفياً وسيكوسوماتيا من الذكور، وهذا يتسق مع نتائج الدراسات السابقة·
ويرجع السبب في هذه النتيجة إلى أن الذكور في المجتمع الكويتي لديهم فرص أكبر للتعرف إلى مشكلاتهم والتعبير عن انفعالاتهم والتنفيس عنها مما يقلل من حدة الصراعات والاضطرابات الانفعالية لديهم، وكذلك كانت الفرصة متاحة أمامهم بشكل أكبر للاشتراك في مقاومة العدو ودفع الأخطار والتنفيس عن انفعالات الغضب، على عكس ما نجده عند الاناث؛ فالفرصة لديهن محدودة مما يؤدي إلى قمع مشاعر الغضب، بالاضافة إلى أن الإناث أكثر ميلاً للمساندة ومشاركة المصابين آلامهم مما يعمق مشاعر الحزن والأسى لديهن، ومن ثم يزيد ارتفاع معدلات الاضطرابات الانفعالية والمعرفية والسلوكية والسيكوسوماتية والضغوط النفسية لما بعد الصدمة، كما إن الإناث بطبيعتهن يتسمن بالتقلب الوجداني وسرعة الاستثارة الانفعالية، كذلك لأن استجاباتهن للمواقف الضاغطة تختلف كثيراً عن الذكور·
________________________
* تم تمويل هذا البحث من إدارة الأبحاث - جامعة الكويت، مشروع رقم APO 13
** حاصل على الدكتوراه في علم النفس الصناعي والشخصية من جامعة المنيا عام -1990 يعمل أستاذاً مساعداً ورئيساً لقسم علم النفس- كلية العلوم الاجتماعية- جامعة الكويت