رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 8 شوال 1421هـ الموافق 3 يناير 2001
العدد 1459

أصدقاءٌ يلملمون أضواء محبٍّ صادق.. في سماء الكويت
ذكرى هاشم السبتي تنث ضوءه الإيجابي

بقلم: فيصل السعد

عندما نفقد عزيزاً نجد أنفسنا منهمكين بين آونة وأخرى في بعثرة تراب تأريخه باحثين عن ايجابياته في هذا الجانب الحياتي أو ذاك· لأننا نؤمن تماماً أن سلوك الإنسان لا يمكن أن يستمر على وتيرة واحدة· بل لا بد وأن تظهر إيجابية هنا وسلبية هناك· ومن نعم الله أن بعد وفاة العزيز لا تأتلف في أذهان محبيه إلا إيجابياته من أجل إحيائه ثانية في الأذهان وإبقاء ذكراهُ مستمرة·

وهناك من تطغي ايجابياتهم على سلبياتهم لذلك نجد ذكرى طيبتهم تلف أجواءهم بوشاح الحزن الذي يبعد الأفواه أحياناً عن النطق باسم الفقيد·

وقد جاء هذا الاغراق الحزني من أننا نعيش اليوم ندرة طيبين، من هنا لا بد أن نلتفت بين آونة وأخرى إلى ذواتنا من أجل أن نبتعد عن الدروب القريبة من النفاق والكذب والمحاباة، لأن الطيبة المغرية تشترط علينا الابتعاد عن هذه الصفات التي قد يفرضها المجتمع القاسي أحياناً·

ورغم أن غيوم المحبة واحدة إلا أنها تختلف بثقل حبّات مطرها بين زخة وأخرى· إذ إن المحبين يعيشون قوة حب لا ارادية يفرزها القلب دون مراجعة للعقل وقوة الفرز هذه تختلف بين المحبين وهي شبيهة بطبعات أصابع الإنسان لا يمكن أن تتشابه بين اثنين- لذلك ليس بالضرورة أنَّ حزني مطابق لحزن زيد أو عمرو·

ومات هاشم السبتي ليستفز ما في أعماقي من حزن منذ زمن وهو يبحث له عن سبب للبكاء· ولكن موت أبي مناف شجعهُ على الصراخ بأعلى صوتهِ لسببين الأول: أنه كان منذ زمن يتوق للبكاء والسبب الأعظم أنه تمنى الصراخ لأنه فقد العزيز الذي يحبه أخاً وصديقاً ومرافقاً· أجل تمنى حزني الصراخ لأنه فقد كاتم أسراري·

كان هاشم السبتي إنائي الذي يستوعب كل أسراري ويجيد غلقهُ خوفاً من أن يشمّه الآخرون· إنه وفيٌّ بشكل يشجعك أحياناً على كرهه! عندما تجد نفسك عاجزاً على التمثّل به كقدوة لك· لقد وضع تراب الكويت على رأسهِ وأخذ يدور به في مقرات وصحف ومقاهي ومنتديات وروابط العالم العربي معلناً أن في بلده الحب الذي يبحث عنه الآخرون· الكتاب، التعاون الثقافي، وكانت علاقاته خارج الكويت قد أكدتْ وفاءهُ وحبه لترابه·

ولا شك أنه كان داخل الكويت يُمارس حباً ووفاء لأبناء "ديرته" والعرب الذين يقاسمونه العمل عليها·

وأدركتُ أن هذا التكوين جاءه نتيجة قراءات مستمرة لثقافات عدة· وهذه القراءات منحتهُ فهماً جديداً للحياة والانتماء والوفاء والموت في سبيل الوطن·

عاشرتُ هاشم السبتي خمساً وثلاثين سنة ولا أذكر أنه اختلف معي خلافاً أدى إلى قطيعة حتى ولو ليوم واحد· وكان لا يخجله عدم معرفة الشيء لذلك نجده كثير الأسئلة وأيضاً كثير الاستعداد لمن يود أن يسأل·

دخل بيتي واعتبر أبنائي "عمو هاشم" واحداً من أفراد العائلة وعرفنا أكلته المفضلة ومقدار السكر في قدح شايه بحيث أصبح يصل اليه كل شيء دونما طلب منه·

لقد قدم للكويت الكثير من الخطوات المخلصة فهو ثاني مدير لمعرض الكتاب، ومارس هذه المهمة لسنوات كثيرة جعلته قريباً من دور النشر العربية بل وأصبح أكثر قرباً من الكتاب الذي منحه ثقافة أكثر، جعلته إيجابي العطاء في التأليف حيث ألف الكثير من الكتب الثقافية التي أكدت قدرته على العطاء الإيجابي· اضافة إلى أنه مارس كتابة الشعر وأجاد اصطياد اللحظة الشعرية حين تزوره·

ايه أيها الطيّب:

لقد مارست ما يمارسهُ المثقف في علاقاتك ونتاجكَ بحيث أنك استطعت أن تُضطر أصبعنا على الارتفاع والاشارة إليك كذهن معطاء رائع·

وها أنا أرفع اصبعي مشيراً إلى قبرك ولكن·· لا أدري ماذا أقول·· فأنت بالنسبة لي الوفي المخلص المعطاء عاشق الشعر والأدب والثقافة والموسيقى والأصوات الغنائية و··· و··· انت بالنسبة لي العاشق للحياة الحلم·· ولكنك رحلت وتركتني بلا رفيق ابثه أوجاعي وهمومي وأحزاني التي تزورني وترحل لتترك مكانها لأحزان أخرى جديدة·

ايه أيها الأصدقاء:

دعونا نجمع ايجابيات من نحب ونسن منها دستوراً يساعدنا على تنظيف صدورنا من كره الآخرين ونستبدله بالحب الذي نجد فيه العطاء المشجّع على التقدم والتطور إذ إن هذا المنطلق يقود إلى عطاءات أكثر رحابة في ايجابياتها· ونحن -الذين نبحث عن مستقبل أفضل -بحاجة ماسة إلى هذه الرحابة·

وإذا كان ما يُقرُّ الآن صعباً بل ويقود إلى الضحك فإن الاستمرار في تطبيقه يعطينا ألف هاشم إيجابي، ويشجعنا على مراجعة تواريخ من فقدنا لندوّن إيجابياتهم ونحاول تحويلها إلى نسيج ذهني لارتدائها، وذلك من أجل التأكد من أن كل الايجابيات الحياتية متوافرة في أذهاننا ولكننا أهملناها لأسباب عدَّة·

أعود إليك أيها العزيز هاشم لأطلب منك أن تغفو مطمئناً مادام هناك من سيذكركَ أديباً وصديقاً ومحباً لهذا التراب، لقد دثرناك "زوجتي وأنا" قبل أن تودعنا بساعات وكان هذا الدثار الأخير الذي كان مصحوباً بقبلتي لرأسك وكنت أدرك أن هذه لحظة الوداع الأخيرة لأن عالمك أشعرنا بإغلاق بابك الحياتي، فبكيت بحرقة المحب الذي فقد من يعشق·

نم أيها المحب واذا كنا "زوجتي وأنا" قد دثرناك الدثار الأخير فإن محبيك سيمنحونك الدثار الأكثر دفئاً ومحبة·

طباعة  

إضاءات
 
إلى د· عقلة عرسان وفخري قعوار والوفود العربية المحتشدة على بوابات النظام العراقي
الثقافة العراقية.. الحصار والعزلة على يد نظام بغداد!

 
إصدارات
 
نبيل شاركني الأحلام
 
وتد
 
قلبي ملؤه الشطآن
 
أجيال