· الاسم الصحيح - كما يراه أفلاطون - يشير إلى طبيعة الشيء الذي يسميه ويخبرنا بحقيقته ومن ثم يميزه عن غيره من الأشياء
· نظرية المحاكاة الطبيعية يفسر بها أفلاطون أصل الأسماء وطريقة وضعها، حيث يبدأ تحليله لها ببيان أنها جزء من الكلام
· في عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز عرف العرب محاورة كراتيليوس حول أصل اللغة والأسماء من خلال معرفتهم بالتراث الفلسفي اليوناني
· من الواضح أن الفارابي كان مطلعا على المحاورة بشكل جيد أو على بعض ما كتب عنها تلخيصا وشرحا
عزمي طه
السيد احمد**
يهدف هذا البحث إلى عرض نظرية المحاكاة الطبيعية عند أفلاطون، وهي نظرية وضعها لتفسير أصل اللغة وإطلاق الأسماء، وأوردها في محاورة خاصة هي محاورة كراتيليوس، كما هدف إلى بيان انعكاس هذه النظرية عند عالمين في مجال البحث اللغوي في العالم الإسلامي، هما: الفارابي وابن جني·
وترى هذه النظرية - وهي في مجالها أقدم نظرية مكتوبة وصلت إلينا - أن أصل وضع الأسماء كان عن طريق محاكاة هذه الأسماء لمسمياتها من خلال الحروف والمقاطع، فالحروف لها خصائص طبيعية، وللأشياء خصائص طبيعية، والمشرعون وواضعو الأسماء الأوائل اختاروا حروفاً ومقاطع لتدل على الأشياء المختلفة، مراعين أن تكون طبيعة هذه الحروف والمقاطع المختارة لتسمية شيء من الأشياء محاكية لطبيعة هذا الشيء الذي تسميه ودالة على طبيعته، وعليه فالاسم المثالي - بحسب هذه النظرية - هو الذي يدل على طبيعة الشيء الذي يسميه·
وقد عدَّ أفلاطون هذه النظرية العلمية الوحيدة الممكنة، لأن التفسيرات الأخرى المحتملة ليست تفسيرات علمية، وهي: افتراض أن الآلهة هي التي وضعت الأسماء الأولى، وأن الأسماء الأولى وضعتها شعوب أخري أقدم منا، وأن العصور القديمة ألقت على موضع اللغة حجاباً فلا يمكن معرفة أصلها، وأن الأسماء أطلقت عن طريق الاصطلاح الاعتباطي·
وقد بيَّن البحث الصعوبات التي تواجه هذه النظرية، وهي صعوبات أدركها أفلاطون نفسه، ومن أبرز هذه الصعوبات عدم قدرة هذه النظرية على تفسير جميع الألفاظ في اللغة اليونانية أو غيرها، وهو الأمر الذي يفسح المجال للقول بنظرية أخرى هي نظرية الوضع الاتفاقي·
وقد بين البحث أن هذه النظرية يجب أن تستند إلى نظرية عامة في تفسير الوجود وحقيقته·
ثم انتقل البحث إلى بيان انعكاسات هذه النظرية لدى عالمين بارزين في مجال البحث اللغوي هما: الفارابي وابن جني، حيث قدم أقوالاً لكل منهما يتضح فيها وجود انعكاس لما انطوت عليه نظرية أفلاطون هذه من أفكار، وهو الأمر الذي يدعم القول بمعرفة العرب بمحاورة كراتيليوس، ويؤكد أن الحكمة كانت ضالة هؤلاء العلماء، ولا يتوانون في التقاطها من أي وعاء خرجت·
يهدف هذا البحث إلى عرض نظرية المحاكاة الطبيعية عند أفلاطون، وهي نظرية وضعها لتفسير أصل اللغة وإطلاق الأسماء، وأوردها في محاورة خاصة هي محاورة كراتيليوس، كما هدف إلى بيان انعكاس هذه النظرية عند عالمين في مجال البحث اللغوي في العالم الإسلامي، هما: الفارابي وابن جني·
وترى هذه النظرية - وهي في مجالها أقدم نظرية مكتوبة وصلت إلينا - أن أصل وضع الأسماء كان عن طريق محاكاة هذه الأسماء لمسمياتها من خلال الحروف والمقاطع، فالحروف لها خصائص طبيعية، وللأشياء خصائص طبيعية، والمشرعون وواضعو الأسماء الأوائل اختاروا حروفاً ومقاطع لتدل على الأشياء المختلفة، مراعين أن تكون طبيعة هذه الحروف والمقاطع المختارة لتسمية شيء من الأشياء محاكية لطبيعة هذا الشيء الذي تسميه ودالة على طبيعته، وعليه فالاسم المثالي - بحسب هذه النظرية - هو الذي يدل على طبيعة الشيء الذي يسميه·
وقد عدَّ أفلاطون هذه النظرية العلمية الوحيدة الممكنة، لأن التفسيرات الأخرى المحتملة ليست تفسيرات علمية، وهي: افتراض أن الآلهة هي التي وضعت الأسماء الأولى، وأن الأسماء الأولى وضعتها شعوب أخري أقدم منا، وأن العصور القديمة ألقت على موضع اللغة حجاباً فلا يمكن معرفة أصلها، وأن الأسماء أطلقت عن طريق الاصطلاح الاعتباطي·
وقد بيَّن البحث الصعوبات التي تواجه هذه النظرية، وهي صعوبات أدركها أفلاطون نفسه، ومن أبرز هذه الصعوبات عدم قدرة هذه النظرية على تفسير جميع الألفاظ في اللغة اليونانية أو غيرها، وهو الأمر الذي يفسح المجال للقول بنظرية أخرى هي نظرية الوضع الاتفاقي·
وقد بين البحث أن هذه النظرية يجب أن تستند إلى نظرية عامة في تفسير الوجود وحقيقته·
ثم انتقل البحث إلى بيان انعكاسات هذه النظرية لدى عالمين بارزين في مجال البحث اللغوي هما: الفارابي وابن جني، حيث قدم أقوالاً لكل منهما يتضح فيها وجود انعكاس لما انطوت عليه نظرية أفلاطون هذه من أفكار، وهو الأمر الذي يدعم القول بمعرفة العرب بمحاورة كراتيليوس، ويؤكد أن الحكمة كانت ضالة هؤلاء العلماء، ولا يتوانون في التقاطها من أي وعاء خرجت·
خصص أفلاطون إحدى محاوراته لموضوع أصل الأسماء واللغة، وهي محاورة كراتيليوس، وقدم في هذه المحاورة نظرية في تفسير أصل الأسماء واللغة وهي: نظرية "المحاكاة الطبيعية"·
وقد وجدنا انعكاسات لهذه النظرية عند بعض العلماء العرب والأعلام في بحوثهم اللغوية حول التسمية وأصل الأسماء وأبرزهم الفارابي وابن جني·
محاورة كراتيليوس ومدى معرفة العرب بها
من مولفات أفلاطون الأولى الذي كان متأثراً فيها بآراء أستاذه سقراط· وتختلف هذه المحاورة عن باقي أعماله في هذه المرحلة بأن هذه الأعمال قد غلب عليها المضمون الأخلاقي، في حين كان الموضوع الرئيس لهذه المحاورة هو أصل الأسماء واللغة·
تبدأ هذه المحاورة بسؤال صريح عن الأسماء: هل هي طبيعية أم اصطلاحية؟ ثم ينطلق الحوار وإثارة الأسئلة، بعد ذلك حول الأسماء من حيث وظيفتها وإطلاقها على مسمياتها وملاءمتها لها، لينتقل إلى بيان أصل عدد غير قليل من الكلمات والأسماء اليونانية وكيفية اشتقاقها، وقد شغل هذا الموضوع جزءاً كبيراً من المحاورة، انتهى باستخلاص عدد من النتائج الجزئية حول إطلاق الأسماء ووظيفتها وصوابها وملاءمتها الطبيعية لمسمياتها، لتقدم المحاورة في النهاية نظرية عامة في هذه القضايا هي نظرية لمحاكاة الطبيعة، التي عدها أفلاطون النظرية العلمية والوحيدة والممكنة، على الرغم مما واجهه من صعوبات ناجمة من قصورها عن الإجابة على عدد من الإشكالات المتعلقة باللغة·
أما معرفة العرب بهذه المحاورة، فقد جاء من خلال معرفتهم بالتراث الفلسفي اليوناني بصورة عامة، وكان وصول هذا التراث إليهم - ومن ضمنه مؤلفات أفلاطون - من أكثر من طريق، كان أبرزها طريق المدارس السريانية في عهد الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز، إضافة إلى طريق "الكنائس المسيحية المنتشرة في الشام وما بين النهرين"·
فإذا رجعنا إلي كتب التراجم والفهارس نجد أن العرب قد عرفوا معظم كتب أفلاطون بما في ذلك محاورة كراتيليوس، فابن النديم يورد ثبتاً بمؤلفات أفلاطون ينقله عن إسحق بن حنين الذي ينقله عن ثاون (من علماء مدرسة الإسكندرية) ويرد فيه اسم هذه المحاورة: "قول سماه قراطوليس"· أما ابن جلجل في كتابه تاريخ الحكماء فلا يرد عنده ذكر اسم هذه المحاورة، لكن القفطي يورد رواية ثاون التي تضمنت اسم المحاورة: "كتاب قراطلس"·
والشهرزوري في نزهة الأرواح، يقول عن أفلاطون وكتبه ما نصه: "فهو الإلهي الذي كان له السبق على كل من بعده·· والذي بلغنا من أسماء كتبه ستة وخمسين كتاباً، وفيها كتب كبار"·
أما ابن أبي أصيبعة فيزودنا ببعض المعلومات المهمة، فهو يذكر قائمة بكتب أفلاطون، ويذكر ضمنها هذه المحاورة: "كتاب قراطلس"، ثم يذكر في موضع آخر عند كلامه عن جالينوس أن له "كتاب جوامع كتب أفلاطون"، وينقل وصفه عن حنين بن إسحق، فيقول: "ووجدت من هذا الفن من الكتب كتاباً آخر فيه أربع مقالات من ثماني مقالات لجالينوس فيها جوامع كتب أفلاطون، في المقالة الأولى منها جوامع خمس كتب من كتب أفلاطون وهي: "كتاب قراطليس في الأسماء، وكتاب سوفسطيس في القسمة، وكتاب بوليطيقوس في المدبِّر، وكتاب برمنيدس في الصور···"·
ويذكر ابن أبي أصيبعة أن ما أورده نقلاً عن حنين بن إسحق من أسماء كتب جالينوس "قد نقل إلى اللغة العربية"·
لكن الوصف الأدق للمحاورة نجده في رسالة الفارابي التي عنوانها: فلسفة أفلاطون وأجزاؤها ومراتب أجزائها من أولها إلى آخرها، والتي نشرها فرانز روزنثال وفلتسر عام 1934، وأعاد نشرها عبدالرحمن بدوي في كتابه: أفلاطون في الإسلام في عام 1973، ونورد فيما يلي ما ذكره الفارابي عن هذا الكتاب:
"ثم فحص (أي أفلاطون) بعد ذلك هل تلك الصناعة هي صناعة علم اللسان، وهل إذا أحاط الإنسان بالأسماء الدالة عن المعاني على حسب دلالتها عند جمهور تلك الأمة التي لها ذلك اللسان، وفحص عنها وعرفها عن طريق أهل العلم باللسان، سيكون قد أحاط علماً بجوهر الأشياء وحصل له بها ذلك العلم المطلوب، إذ كان أهل الصناعة يظنون بأنفسهم ذلك، وتبين له أنه لا تعطى هذه الصناعة ذلك العلم أصلاً، وبين كم تعطيه من العلم الذي يمكن أن يكون طريقاً إلى ذلك العلم· وهذا في كتابه المعروف بـ "اقراطلس"·
واضح تماماً، من هذا العرض الوجيز الذي قدمه الفارابي لموضوع المحاورة وغرضها، اطلاع الفارابي على المحاورة، أو على أقل تقدير اطلاعه على بعض ما كتب عنها تلخيصاً أو شرحاً، لكننا نرجح أن يكون الفارابي قد اطلع على المحاورة نفسها لما سنجده من شبه بين ما فيها من أفكار، وما في كتاباته ذات الصلة باللغة العربية، ولا نستطيع في ضوء مالدينا من معلومات أن نجزم بأن هذا الاطلاع كان على ترجمة عربية للأصل، أو لاختصار له، أو أنه كان بلغة أخرى كالسريانية واليونانية، فكل ذلك محتمل·
هذه المعلومات التاريخية تدعم القول بمعرفة العرب لمحاورة كراتيليوس بعامة، لكنه لا توجد أي إشارات البتة إلى أن المحاورة قد ترجمت كاملة إلى العربية، وكل ما يستطيع الباحث ترجيحه وتأكيده هو ما أورده ابن أبي أصيبعة وهو وجود ترجمة لـ "جامع"، أي اختصار موجز لمحاورة كرايتليوس كتبه جالينوس، ويبدو أن هذا "الجامع" شديد الإيجار حيث شغلت "جوامع خمس كتب من كتب أفلاطون" المقالة الأولى من كتاب جالينوس والذي يحوي ثماني مقالات·
أما حديثاً فقد ظهرت للمرة الأولى ترجمة عربية كاملة للمحاورة نقلها عن الإنجليزية الدكتور عزمي طه السيد أحمد، كانت في طبعة خاصة محدودة عام 1991، ثم نشرت ثانية في طبعة عامة أخرى عام 1995، وهذه أول ترجمة كاملة للمحاورة إلى العربية، كما ظهرت ترجمة عربية أخرى بعد ذلك بقليل ضمن ترجمة الأعمال الكاملة لأفلاطون، التي قام بها: شوقي داود تمراز ونشرتها: الأهلية للنشر والتوزيع في بيروت في عدة مجلدات، وقد وردت ترجمة المحاورة في المجلد الرابع وشغلت الصفحات من 108 - 9·
نظرية المحاكاة الطبيعية
نظرية المحاكاة الطبيعية هي نظرية يفسر بها أفلاطون أصل وضع الأسماء وطريقة وضعها·
يمهد أفلاطون لهذه النظرية بالبحث في الأسماء محاولاً من خلال أسلوبه الخاص في الحوار أن يحلل الاسم إلى عناصره الرئيسة·
يبدأ أفلاطون تحليله للأسماء ببيان أن الأسماء جزء من الكلام (أو اللغة)، وأن "الكلام من نوع الفعل"، و"الفعل نوع من الوجود"، وعليه تكون الأسماء نوعاً من الوجود، أي نوعاً من الأشياء الموجودة، والأشياء الموجودة لها ماهيات ثابتة مستقلة عن ذواتنا وغير متأثرة بأهوائنا، وهي (أي الماهيات) التي تحافظ على العلاقات والصور الطبيعية للأشياء·
لتوضيح هذه الفكرة وتأكيدها يلجأ أفلاطون إلى المماثلة بين فعل إطلاق الأسماء على الأشياء، وأفعال أخرى معروفة مثل: القطع والثقب والنسج، ففعل القطع مثلاً، له طبيعة وماهية ثابتة، فنحن لا نقطع الأشياء كما يحلو لنا وإنما بالطريقة الطبيعية، والآلة الطبيعية لفعل القطع، واستخدام الآلة الطبيعية وفقاً للطريقة هو الذي يجعل الفعل يتم بنجاح، بينما استخدام طريقة غير الطريقة الطبيعية وآلة غير الآلة الطبيعية سؤدي إلى الفشل·
هذا الوصف يصدق على إطلاق الأسماء على الأشياء لأن ذلك نوع من الفعل، لهذا "ينبغي أن تطلق (الأسماء) وفقاً لعملية طبيعية وبآلة طبيعية وليس على هوانا"·
بعد أن يقرر أفلاطون هذه النتيجة، ينتقل إلى تحليل فعل التسمية مبيناً أن فيه من العناصر مثلما في سائر الأفعال من وجود غاية أو وظيفة يحققها الاسم، وفاعل يقوم بإطلاق الأسماء، ومستخدم أو مستفيد من تسمية الأشياء، ومادة ظهر فيها فعل التسمية - وسنرى أنها الحروف والمقاطع الصوتية - وشكل أو صورة أو مثال أنجز الفعل على مثاله ليكون الفعل صحيحاً وملائماً للغرض المقصود منه·
أما وظيفة الأسماء فهي جزء من وظيفة الكلام أو اللغة، "إن الكلام يجعل كل الأشياء معلومة"، والاسم أداة أو وسيلة لنقل المعلومات عن الأشياء وتوصيلها من فرد لأخر، كما أنها وسيلة لتمييز الأشياء بحسب طبائعها، لأن الاسم الصحيح - كما يراه أفلاطون - يشير إلى طبيعة الشيء الذي يسميه ويخبرنا بحقيقته، من ثم يميزه عن غيره من الأشياء، وعلى ذلك يكون الاسم آلة أو أداة للتعلم ونقل المعرفة العلمية من شخص لآخر·
وبما أن الاسم يؤدي وظيفة معينة، فهو شبيه بالآلة التي تؤدي وظيفة معينة من حيث إن له صانعاً وطريقة صنع ومستخدماً للآلة، وعليه فإن إطلاق الأسماء أو التسمية ستكون صناعة متخصصة كما هوالحال في صناعة الآلات الأخرى· وصناعة التسمية ليست صناعة يسيرة يستطيعها كل فرد، وإنما هي عمل يحتاج إلى معرفة بالغاية من فعل التسمية، وقد أشرنا آنفاً إلى أن الغاية من التسمية هي التعبير عن طبيعة المسمى وتمييزه عن غيره بصورة صحيحة، هذا الأمر يستلزم أن يكون مطلق الاسم على معرفة بطبيعة الأشياء، بالإضافة إلى المعرفة بطبيعة المادة التي تتركب منها الأسماء وهي الحروف والمقاطع الصوتية·
وعلى ذلك فكلما كان مطلق الأسماء أكثر معرفة بطبيعة الأشياء وأكثر حكمة، كان عمله - أي تسمية الأشياء - أكثر صواباً· وهكذا تتفاوت الأسماء في دلالاتها على المسميات، صواباً أو خطأ، بتفاوت مهارة مطلقيها·
إن الكلام عن مطلق الأسماء هو كلام عن أصل اللغة ونشأتها الأولى، وإذا نظرنا إلى مطلقي الأسماء المحتملين نجد أننا أمام احتمالين رئيسين:
الأول، أن يكونوا آلهة، - كما يرى أفلاطون - "إذا كانوا يطلقون الأسماء على الأشياء فإنهم يطلقونها بصورة صحيحة" والسبب واضح - في ضوء ما أشير إليه آنفاً - وهو أنهم الأكثر حكمة ومعرفة بحقائق الأشياء·
والاحتمال الثاني، أن يكونوا بشراً، وهؤلاء سيكونون متفاوتين في معرفتهم وفيما لديهم من حكمة، فالرجال - بصورة عامة - أكثر حكمة من النساء، ولذلك كانت الأسماء التي يطلقها الرجال أكثر صواباً من تلك التي تطلقها النساء، وحتى الرجال يتفاوتون في قدرتهم على إطلاق الأسماء، فالأكثر حكمة يكون أكثر قدرة، وتكون الأسماء التي يطلقها أكثر صواباً·
هذان هما الاحتمالان أو الموقفان المعروفان في تفسير أصل اللغة ونشأتها الأولى، فالأول هو التوفيق الإلهي· والثاني هو التوفيق أو الوضع البشري· وقد كان أفلاطون على وعي بهذين الموقفين، لكنه في بحثه هنا أعرض عن الاحتمال الأول، الذي ينسب وضع الأسماء واللغة بعامة إلى الآلهة بحسب معتقده، على الرغم من أنه ذكر وهو يحلل معاني أسماء الآلهة وطرق اشتقاقها بأن (هرميس) وهو "اسم الإله الذي اخترع اللغة والكلام"، على الرغم مما أورده عن احتمال أن تكون قوة إلهية فوق قوة البشر قد أطلقت أسماء الماهيّا الثابتة للأشياء، وعلى الرغم من أن حواره وتحليلاته قد أوصلته أكثر من مرة، إلى مأزق منطقي لم يكن هناك مخرج معقول ومنطقي منه سوى القول بأن الله أو الآلهة أو قوة فوق البشر هي التي أطلقت الأسماء الأولى·
لقد تبنى أفلاطون الرأي الآخر، فمطلق الأسماء على الأشياء عنده هو "المشرع الذي هو الأندر وجوداً بين الحرفيين الماهرين"، وأن المشرعين الأوائل، في اللغة اليونانية وفي اللغات الأخرى" "يجب أن يكونوا بالتأكيد أشخاصاً مرموقين، لقد كانوا فلاسفة، ولديهم الكثير ليقولوه"·
مطلق الأسماء، أي المشرع بحسب ما يفهم من كلام أفلاطون، هو المشرع القانوني الذي يضع القوانين في المجتمع، وماقيل عنه يصدق على مطلقي الأسماء الأوائل، أي المشرعين في اللغة اليونانية وفي اللغات الأخرى·
اما كيفية إطلاق المشرع الأسماء فيصل أفلاطون إليها عن طريق الاستدلال التمثيلي، حيث يماثل بين فعل التسمية وأفعال أخرى كالنسج والثقب، فإذا أخذنا فعلي النسج والتسمية، رأينا أن المكوك هو آلة النسيج، وأن الاسم هو آلة للتعليم ونقل المعلومات عن المسمى، والذي يصنع المكوك هو النجار والذي يطلق الاسم هو المشرع، وحين يصنع النجار المكوك فإنه ينظر إلى المكوك المثالي الحقيقي وهو "ذلك الشيء المهيأ بصورة طبيعية ليعمل كمكوك"، وإذا انكسر فإن النجار حين يصنع مكوكاً جديداً لاينظر إلى المكوك المكسور، بل ينظر دائماً إلى المكوك الحقيقي أو المثالي ويحاكيه، سواء كان المكوك صغيراً أو كبيراً وسواء كان النسيج من القطن أوالكتان، فإن صورة هذا المكوك المثالي هو التي ينبغي أن يجسدها النجار في المادة التي يصنع منها المكوك· وهذا المبدأ يصدق على جميع الآلات الأخرى حيث يجسد الحرفي الماهر في الآلة التي يصنعها الصورة الحقيقية لهذه الآلة التي تلائم العمل المقصود إنجازه بصورة طبيعية، بغض النظر عن المادة التي تصنع منها، ذلك أن هذه المادة قد تختلف من مكان لآخر ومن حرفي لآخر·
هذه الكيفية التي يتم صنع الآلة وفقاً لها نجدها أيضاً في الأسماء، فمطلق الأسماء أو المشرع يستخدم الحروف والمقاطع التي هي المادة التي تتكون أو تتركب منها الأسماء، ويصنع أو "يطلق كل الأسماء في ضوء الاسم المثالي، إذا كان يريد أن يكون استخدام المشرع الحروف والمقاطع بحسب اللغة اليونانية أو بحسب اللغات غير اليونانية الأخرى - مادام الاسم يعطي الصورة الحقيقية والصحيحة·
ولكن ما صفات الاسم المثالي الذي يطلق المشرع الاسماء في ضوئه وبالنظر إليه؟ إن هذا الاسم هو الذي تتحقق فيه كل صفات الاسم في صورتها الكاملة، وهو الذي يحقق الغرض منه على أكمل وجه أيضاً، فإذا عرفنا هذه الصفات أو الشروط وراعيناها ونحن نطلق الأسماء على الأشياء، كان إطلاقنا للأسماء عندئذ صائباً وملائماً·
من أجل توضيح هذه الصفات والشروط التي ينبغي تحقيقها في الاسم المثالي أو الاسم الكامل قدم أفلاطون نظرية المحاكاة الطبيعية التي جاءت جوابا علمياً عن السؤال حول حقيقة الصواب والملاءمة الطبيعية في الأسماء لمسمياتها·
يمهد أفلاطون لهذه النظرية بالتأكيد على أن إطلاق الأسماء على الأشياء عمل تخصصي دقيق ليس ميسوراً لكل فرد، وكذلك معرفة الصواب في إطلاق الأسماء ومدى ملاءمتها لمسمياتها، والمختص في هذا العمل هو "عالم التأصيل المعجمي" فهو يتسطيع تمييز الأسماء وردها إلى أصولها ومعرفة معانيها، برغم ما قد يكون جرى عليها من تغيرات مختلفة، وهو في ذلك كالطبيب الذي يستطيع تمييز الدواء ومعرفته، وكانت له مظاهر مختلفة كأن تكون له ألوان أو روائح متعددة، فهو لا يختلط عليه الأمر بسبب الإضافات لأنه ينظر إلى القيمة الطبية للدواء·
بعد هذا التمهيد لجأ أفلاطون إلى تحليل اللغة أو الكلام، منتهياً إلى عناصره الأولى، فبين أن اللغة تنحل إلى عبارات وجمل، وهذه تنحل إلى أسماء، والأسماء تنحل إلى أسماء أبسط منها إلى أن نصل إلى أسماء لا يوجد أسماء أبسط منها، وقد سمى هذه الأخيرة الأسماء الأولية أو العناصر الأولية، لأن الأسماء الأخرى تتركب منها، وعليه فإذاعرفنا معاني الأسماء الأولية فإننا سنكون قادرين على معرفة الأسماء الثانوية التي اشتقت أو ركبت منها، وعكس ذلك صحيح، فجهلنا بالأسماء الأولية يستلزم جهلنا بالأسماء الثانوية·
والواقع - كما يراه أفلاطون - أنه لا فرق بين الأسماء الأولية والأسماء الثانوية من حيث كونها جميعاً أسماء، وهنا يعود السؤال الذي يراه أساسياً وهو: ما المقصود من الاسم؟ ويجيب عن ذلك بأن الأسماء - أولية أو ثانوية - "مقصودة لتدل على طبيعة الأشياء"· ولكن إذا كانت معرفة صواب الأسماء الثانوية ودلالتها على طبيعة الأشياء التي تسميها متوقفة على معرفة صواب الأسماء الأولية· فإن معرفة صواب الأسماء الأولية ستكون هي الأساس، وهي المعرفة التي يجب أن تمحص جيداً من حيث دلالاتها على طبيعة الشيء الذي تسميه، إذ ينبغي أن تكون هذه الدلالة في أقصى درجة ممكنة حتى تكون التسمية صائبة·
والآن، إذا كان الاسم مقصوداً ليدل على طبيعة الشيء الذي يسميه، فكيف يكون قد تم وضع الأسماء الأولية في الأصل؟ يضع أفلاطون خمسة احتمالات يرفض أربعة منها ويتمسك بالأخير، وهذه الاحتمالات هي:
· أن نفترض أن "الآلهة هي التي أطلقت الأسماء الأولى ولذلك فهي على صواب"·
· أن نفترض أن أصل الأسماء الأولى يرجع إلى لغات شعوب أخرى أقدم منا·
· أن نفترض "أن العصور القديمة قد ألقت عليها حجاباً" فلا يمكن لذلك معرفة أصل وضع الأسماء الأولى·
رفض أفلاطون هذه الاحتمالات الثلاثة لأنها في نظره ليست علمية، "لكنها فقط أعذار بارعة لعدم امتلاك أسباب فيما يتعلق بحقيقة الكلمات أو الأسماء الأولية"·
- الاحتمال الرابع هو افتراض أن الأسماء أطلقت عن طريق الاصطلاح الاعتباطي دون وجود أي قاعدة أو مبدأ يحكم هذا الإطلاق، وقد رفض هذا الافتراض كذلك، لأنه في ضوئه نستطيع أن "نسمي الصغير كبيراً، والكبير صغيراً" ونكون في ذلك على صواب مادام الأمر وضعاً اعتباطياً·
- الاحتمال الخامس الذي يراه أفضل نظرية علمية ممكنة - برغم أنه توجد فيها جوانب "متطرفة وسخيفة" - فهو القول: "بأن الأسماء الأولية أو الأولى هي تمثيل ومحاكاة للأشياء"·
ولتوضيح هذه الفكرة التي تشكل مركز نظرية المحاكاة الطبيعية لديه، يلجأ أفلاطون إلى ضرب الأمثلة، فيقول: في حالة الصم والبكم يتم التواصل عن طريق إيماءات وحركات بالأيدي أو الرأس أو أعضاء الجسم الأخرى، نقلد بها طبيعة الشيء الذي ننقل عنه المعلومات· والاسم شبيه بهذا، إنه نوع من محاكاة الشيء يتم فقط بواسطة الصوت الذي يظهر في شكل حروف ومقاطع· إن الموسيقى محاكاة صوتية لكنها ليست محاكاة بالحروف والمقاطع، كذلك تقليد أصوات الأغنام أو الديكة أو غيرها من الحيوانات هو محاكاة، لكنها لا تتم بالحروق والمقاطع، من ثم فنحن لا نسمي الأشياء بالموسيقى ولا بتقليد أصواتها، وإنما الأسماء المكونة من حروف ومقاطع صوتية· وإذا استطاع شخص ما أن يحاكي الطبيعة الجوهرية للأشياء بواسطة الحروف والمقاطع فإنه عندئذ يكون قد أشار إليها ودل عليها كما هو في الواقع، أو بلفظ آخر يكون قد أطلق عليها أسماءها الصحيحة·
والآن، حيث إن دلالة الاسم على طبيعة المسمى تتم بالمحاكاة لها من خلال الحروف والمقاطع، علينا أن نصنف الحروف إلى حروف صائتة وحروف صامتة، ثم كل مجموعة من هذه المجموعات الجزئية الداخلة فيها، ونتعرف على طبيعة كل مجموعة وما فيها من حروف، حسب ما هو معروف في علم الأصوات، ثم نصنف الأشياء إلى مجموعات كلية وجزئية أيضا"، ثم نحدد طبائع كل مجموعة فيها، وبعدها نطبق على كل منها الحروف التي تماثلها أو تحاكيها في طبيعتها، وقد تكون المحاكاة بحرف واحد أو بحروف عدة، فبهذا "تكون المقاطع"، "ومن المقاطع نكون أسماء وأفعالاً، وهكذا نصل - في النهاية - من مجموعات الأسماء والأفعال المؤلفة إلى لغة واسعة ومناسبة وتامة"·
على هذا النحو افترض أفلاطون أو تصور تكون اللغة، وأن المشرعين الأوائل للغات فعلوا ذلك، وفي رأيه علينا، لكي نفهم اللغة وصواب الأسماء فيها، أن نسلك عكس الطريق الذي سلكوه، فهم جمعوا الأجزاء وركبوها، ونحن نجزيء ونحلل ما ركبوه وهذا المسلك في نظره يوصلنا إلى تكوين "رأي علمي" حول موضوع اللغة بأكلمه، ويرى أفلاطون أن هذا التصور لنشأة اللغة ليس مقصوراً على اللغة اليونانية بل يمكن تطبيقه على اللغات الأخرى، وبطبيعة الحال فإن هذه الفرضية لا تخلو من صعوبات لدرجة قد تبدو معها نظرية المحاكاة هذه نظرية سخيفة، على حد قول أفلاطون·
لقد أوصلنا التحليل إلى القول بضرورة أن تبدأ المحاكاة من الحروف وهذا حق، لأن الأسماء مكونة من الحروف، "وإذا كان الاسم سيكون شبيهاً بالشيء فإن الحروف التي ربكت منها الأسماء الأولى يجب أن تكون بطبيعتها شبيهة بالأشياء" نوعاً من المشابهة، لأنه إن لم يكن هناك أية مشابهة بين الحروف والأشياء فلن يمكن للأسماء أن تحاكي الأشياء أبداً·
لنفحص طبيعة هذه الحروف: يبدو أن الحرف (رو) P (المماثل لحرف الراء في العربية) "هو الأداة (أو الآلة) العامة المعبرة عن كل الحركة"، إنه "أداة ممتازة للتعبير عن الحركة"، بالإضافة إلى السرعة والصلابة، ولذلك فإن مطلق الأسماء "غالباً ما استخدم (هذا) الحرف لهذا الغرض"·
ويحاول أفلاطون أن يبين الملاءمة الطبيعية في هذا الحرف للحركة بطريقة معقولة أو علمية، وذلك حين يبين أنه عند نطق هذا الحرف فإن "اللسان يكون أكثر ما يكون اهتزازاً وأقل ما يكون سكونا"·
ويقدم أفلاطون عدداً من الكلمات اليونانية التي يوجد بها الحرف: رو P وتفيد في الوقت نفسه معنى الحركة، في أشكالها المختلفة مثل تروموس (ارتجاف)، تراخيص (يركض)، وثرايين (يسحق)، ريمبين (يدور)، وغيرها·
هناك الحرف (إيوتا) (نطقه يماثل همزة مكسورة في العربية) الذي يرى أفلاطون أن مطلق الأسماء أو المشرع قد استخدمه للتعبير عن "العناصر الرقيقة التي تمر خلال جميع الأشياء، وهذا هو السبب الذي من أجله استخدم الحرف (إيوتا) I ليحاكي به طبيعة الحركة (كما في) (إينا) (يذهب) و(إيسثي) (يسرع)·
هناك مجموعة من الحروف تستخدم في محاكاة الحركة الناتجة عن تأثير الريح على بعض الأشياء، كحركة الارتجاف أو الاهتزاز أو الارتعاش أو الهياج، وتضم هذه المجموعة الحروف: (في) (يماثل حرف الفاء)، و(بسي) نقطة (بسي)، و(سجما) (ويماثل حرف السين)، و(زيتا) Z (ويماثل الزاي)·
أما الحرفان: (ذلتا) (ويماثل حرف الدال) و(تاو) T (يماثل حرف التاء)، فإنهما يحاكيان أو يعبران "عن الربط والاستقرار في مكان"، ووجه المحاكاة أننا عند نقطتهما نقوم بـ "إغلاق اللسان وضغطه"·
والحرف (لامذا) (يماثل حرف اللام): "بعبر عن الملاسة) وعن النعومة وما أشبه ذلك، لأن في نطقه حركة انسيابية، إذ "ينزلق اللسان عند نطقه"، لذلك يعبر عن السطوح المستوية والأشياء الملساء·
أما حرف (غاما) (يماثل حرف الجيم) فإنه يصدر عند النطق به صوتاً أثقل "يعوق اللسان المنساب"، وإذا مزج الحرفان (غاما) و(لامذا) فإنهما سيحاكيان الطبيعة الدبقة الرطبة كطبيعة الصمغ·
الحرف (ني) N (يماثل حرف النون) أو يعبر أو يحاكي "معنى الداخلية" لأنه "يُصوت من الداخل"، ويظهر محاكاة هذا الحرف لهذا المعنى في كلمات لها هذا المعنى مثل كلمات: (إنذون) = باطن، و(إنتوس) = داخل·
هناك "حرفان كبيران" هما (ألفا) A (يماثل حرف الألف) وحرف (إيتا) (نطقه يماثل همزة مكسورة مع المد)، الأول يحاكي أو يعبر عن العظم (أي الحجم الكبير) والثاني يعبر عن الطول، أما الحرف (أومكرون) O (يقابل همزة مضمومة) فيحاكي أو يعبر عن الاستدارة وهو "علامة الاستدارة" ولذلك نجده في الكلمات التي تفيد هذا المعنى·
والواقع أن أفلاطون قد اكتفى بتوضيح طبيعة الحروف المذكورة فيما تقدم، لكننه ذكر أنه يعتقد أن "المشرع قد طبق الحروف الأخرى بهذه الطريقة، مكوناً بواسطة الحروف والمقاطع اسما لكل واحد من الأشياء، وركب من هذه الأسماء، عن طريق المحاكاة كل ما تبقى"· فركب الأسماء الثانوية من الأسماء الأولية، ثم ركب من الأسماء والأفعال الجمل والعبارات·
هذه هي نظرية المحاكاة الطبيعية، كما نجدها عند أفلاطون، والآن لننظر إن كانت هناك صعوبات تعترضها·
صعوبات تواجه نظرية المحاكاة الطبيعية
هناك عدد من التساؤلات يمكن أن تثار في وجه هذه النظرية، وقد كان أفلاطون على وعي بها، وحاول أن يرد عليها بطريقة موضوعية إلى حد كبير دون إظهار تعصب لنظريته، وهو أول من اعترف بقصور نظريته حيث وصفها بأنها قد تبدو سخيفة·
أبرز هذه التساؤلات التي حاولت إظهار جوانب القصور في هذه النظرية هي:
- هل تستطيع هذه النظرية تفسير صواب جميع الأسماء في اللغة؟
- هل تنطبق هذه النظرية على اللغة اليونانية وحدها أم أنه يمكن تطبيقها على بعض اللغات الأخرى أو جميعها؟
- هل سيكون للشيء الواحد اسم طبيعي واحد أم أكثر؟
- هل هذه النظرية مكتفية بذاتها أم أنها تستند إلى نظريات أخرى؟
لقد أوضح أفلاطون أن نظرية المحاكاة الطبيعية لا تفسر جميع الأسماء في اللغة اليونانية، فهناك قدر كبير من الأسماء لم يطلق على أساس المشابهة، من ذلك أسماء الأعداد، حيث لا نستطيع تصور أن يكون هناك "أسماء تشابه كل عدد بمفرده، لأن الأعداد كثيرة كثرة تصل نظرياً إلى ما لا نهاية؛ ولهذا لا بد لنا- بجانب قبولنا لهذه النظرية- أن نفسح المجال للقول بالعادة والاصطلاح، ونعترف بأن لهما دوراً في دلالة الأسماء على المسميات·
هناك بعض جوانب القصور الأخرى في هذه النظرية، من ذلك أن عملية التسمية- برغم ما تفرضه النظرية من ضرورة تخصيص الحروف المماثلة للتعبير عن طبيعة الشيء الذي يمثله عند اطلاق اسم عليه- لا تتم بدرجة واحدة من الاتفاق من قبل المشرعين المختلفين، فمطلق الأسماء أو المشرع، شأنه شأن المختصين في المهن المختلفة، "يمكن أن يكون جيداً أو يكون سيئاً في قيامه بهذا العمل الذي يكون في أعلى درجات إتقانه" إذا أعطى (المشرع) كل ما هو ملائم "لطبيعة الشيء" من خلال المقاطع والحروف"، أي تكون كل الحروف الملائمة موجودة في الاسم، ولكن إذا زيدت بعض الحروف غير الملائمة أو حذفت بعض الحروف الأخرى من الاسم بشرط أن تظل "الصفة العامة للشيء باقية"، في مثل هذه الحالة تكون التسمية صحيحة لكن بدرجة أدنى، ومثال ذلك أسماء الحروف الهجائية التي يزاد فيها بعض الحروف، لكن ذلك لا يغير الصفة الأساسية للحرف·
إن عملية التسمية هي نوع من التعبير الكيفي عن الشيء يتم بواسطة الحروف والمقاطع، وعليه فإن الصواب والخطأ في مثل هذا التعبير له درجات أو أوضاع مختلفة، وهو يختلف عن التعبير الكمي الذي لا يوجد فيه إلا وضع واحد هو الصواب· وما عداه يكون خطأ، فالأعداد مثلاً إذا زيد على أي منها أو حذفت منه وحدة لم يعد العدد له ما كانه، مثل هذا الأمر لا ينطبق على التسمية حين نزيد أو نحذف بعض الحروف من الاسم·
أما عن انطباق هذه النظرية على اللغة اليونانية وحدها أو على لغات أخرى، فأفلاطون خلال سياق المحاورة يفترض ضمناً أن النظرية عامة تنطبق على كل اللغات، وقد تقدمت الإشارة أكثر من مرة إلى عدم تفريقه بين اللغة اليونانية وغيرها، لا من حيث أصل الوضع ولا من حيث الامتياز، مادامت اللغة تؤدي الوظيفة المنوطة بها·
هناك جانب آخر من جوانب القصور في هذه النظرية، وهو أنه إذا كانت للحروف طبائع خاصة بكل منها، فإننا نتوقع أن تكون الحروف المتشابهة في النطق في اللغات المختلفة لها الطبائع نفسها؛ ومن ثم تكون دلالاتها على الأشياء متشابهة- لا نقول إلى حد التطابق- ولكن إلى درجات كبيرة على الأقل· لقد لاحظ أفلاطون أن الحروف المتشابهة في النطق، كالراء أو السين، لا يكون لها الدلالة نفسها في اللغات المختلفة، في اليونانية والارتيرية مثلاً؛ وفي رأي أفلاطون أن هذا الاختلاف يرجع إلى العادة والاصطلاح· إن دلالة الاسم على المسمى في ضوء القول بأن اطلاق الأسماء أمر اصطلاحي- بمعنى أن يتلفظ شخص بصوت له عنده معنى معين يفهمه الآخرون عند التلفظ به- إن هذه الدلالة الاصطلاحية بالصوت على معنى معين أو شيء معين يمكن أن تتم باستخدام الحروف المتشابهة في طبيعتها للشيء المسمى، كما يمكن أن تتم باستخدام حروف أخرى غير مشابهة، وتكون التسمية في الحالين صحيحة "إذا ما أقرتها العادة أو الاصطلاح"·
ومع أن أفلاطون قد سبق أن رفض هذا الرأي وعده خاطئاً -كما ذكرنا آنفاً- إلا أن عجز نظرية المحاكاة عن تفسير جميع الأسماء في اللغة الواحدة، وعجزها عن تفسير اختلاف دلالات الحروف المتماثلة واختلاف الأسماء في اللغات المختلفة، أوصله إلى القول بضرورة أن نفسح المجال أمام نظرية الاصطلاح الاتفاقي في تفسير كل الأسماء ودلالاتها بجانب نظرية المحاكاة الطبيعية، كما اضطر لهذا القول أيضاً لتجنب التعسف والتكلف في تفسير كل اسم أو لفظ في اللغة وفقاً لها·
ما تقدم ذكره من صعوبات تواجه نظرية المحاكاة الطبيعية ليس كل شيء، فهناك صعوبة أعمق بحاجة إلى تخط، لكن تخطيها ليس بالأمر السهل· لقد قلنا إن نظرية المحاكاة الطبيعية تقوم على افتراض أننا نحاكي طبيعة الأشياء من خلال الحروف والمقاطع ذات الطبائع المشابهة لطبائع الأشياء، هذا الأمر يستلزم معرفة مطلق الاسماء بطبائع الحروف والمقاطع، ومعرفته بطبائع الأشياء والموجودات، وهكذا لا بد أن يكون لدى مطلق الاسماء مفهوم أو تصور معين للوجود وحقيقة الموجودات، ولا بد أن يكون قد أطلق الاسماء وفقاً لهذا المفهوم، والخطورة هنا تكمن في تصور مطلق الأسماء للوجود ومفهومه عنه، فإذا كان مفهومه وتصوره هذا خاطئاً فإننا سنكون مخدوعين في اتباعه باستخدام الأسماء التي أطلقها، لانها تشير إلى فهم خاطئ للوجود· لقد قدم أفلاطون أمثلة للعديد من الأسماء والألفاظ بيّن فيها وجه الصواب أو الملاءمة الطبيعية في اطلاقها، وذلك في ضوء مفهوم هرقليطس عن الوجود· الذي يرى "بأن كل شيء يجري ولا شيء يسكن" وأن "جميع الأشياء في حركة·· و(أنك) لا يمكن أن تنزل في نفس الماء مرتين"، لدرجة شعرنا معها أن أفلاطون يتبنى نظرية هرقليطس هذه، وأن المشرعين أو مطلقي الأسماء الأولى كانوا على هذا الرأي، لكن سرعان ما نقلنا أفلاطون إلى الرأي المقابل· لقد قدم عدداً من الأسماء والألفاظ "يظهر فيها مطلق الأسماء أن الأشياء ليست في حركة أو تقدم، ولكنها في سكون"·
والآن أي هذين الرأيين هو الأصوب؟ وأية مجموعة من الأسماء هي التي أطلقت بصورة طبيعية صحيحة: تلك التي تفسر في ضوء القول بالحركة والتغيير أم تلك التي تفسر في ضوء القول بالسكون وعدم التغير؟ هل يمكن أن نلجأ إلى إحصاء الألفاظ فيكون الرأي الأصوب هو الذي تمثله ألفاظ أكثر، كما يجري في الانتخابات؟ وما هكذا تحسم المسائل العلمية؛ إنها لا تحسم أو يقرر صوابها بناء على التصويت، بل لا بد من برهان ودليل يقوم على صوابها، ولكن الدليل أو البرهان في حالة معرفة حقيقة الوجود هذه لا يأتي من دراسة الأسماء، التي هي في أحسن أحوالها محاكاة للأشياء، ولكن الأتم والأفضل أن نعرف حقيقة الأشياء والموجودات من دراستها هي نفسها، وأفلاطون مع تقريره لهذه القضية، يعترف بأن كيفية دراسة الوجود الحقيقي أو اكتشافه أمر عسير لكنه غير مستحيل تماماً·
وهكذا فإن نظرية المحاكاة الطبيعية عند أفلاطون ليست فاعلة أو مستقلة بنفسها، بل لا بد لتطبيقها من ارتباطها بنظرية في الوجود تقدم تصوراً وتفسيراً معيناً له، وهو الأمر الذي عده أفلاطون- كما أشرنا آنفاً- أمراً عسير المنال وإن لم يكن مستحيلاً·
لكن أفلاطون، على الرغم من هذه الصعوبات والعقبات التي تواجه نظريته، يصر على أنها المعيار الذي يقاس به تفاوت اللغات في الكمال؛ إذ يؤكد رأيه هذا بعد ادراكه لما تقدم عرضه من صعوبات بقوله: "إنني أعتقد بأن اللغة ستكون في أكمل حالاتها، إذا أمكن أن تكون كل ألفاظها، أو غالبيتها العظمى، موضوعاً على أساس مبدأ المشابهة، وأن اللغة ستكون أكثر نقصاً إذا كانت شروط وضعها غير ذلك·
انعكاسات نظرية المحاكاة الطبيعية عند الفارابي وابن جني
لقد أغرتنا نظرية المحاكاة الطبيعية بما فيها من طرافة وجاذبية وروح علمية في التفسير بالنظر فيما إذا كان لها انعكاسات عند اللغويين العرب، خصوصاً وأن محاورة كراتيليوس كانت معروفة لدى العرب، وإن لم يكن لها ترجمة كاملة- كما تقدم بيانه·
وهكذا نظرنا في البحوث اللغوية لكل من الفارابي وابن جني· أما اختيارنا لهذين العالمين لبيان انعكاسات نظرية أفلاطون في بحوثهما اللغوية فله -في نظرنا- ما يبرره؛ فالفارابي أول فيلسوف في العالم الإسلامي تعرض لقضايا فلسفة اللغة مستعيناً بآراء الفلاسفة اليونان، ومعلوم أنه كان على اطلاع على جملة آراء أفلاطون فضلاً عن آراء أرسطو، وكتب وصفاً موجزاً لمحاورة كراتيليوس التي وردت فيها نظرية المحاكاة الطبيعية التي نعرض لها، وأما ابن جني فكان أبرز أوائل علماء اللغة في العالم الإسلامي، الذين قدموا آراء ناضجة في قضايا اللغة وأصلها· وقد أخذ من جاء بعده من علماء اللغة في هذه المسألة، فكان الاكتفاء بالنظر في أقوال ابن جني كافياً لدينا لتحقيق مطلوب هذا البحث المحدود ومناسباً لمقامه·
ولفظ "انعكاسات" مستخدم هنا استخداماً مجازياً منقولاً عن انعكاس أشعة الضوء على سطح ما، فكما في الضوء يعكس السطح الأشعة الساقطة عليه بحسب طبيعته وخصائصه، فها هنا الأفكار التي قدمها أفلاطون في نظرية المحاكاة الطبيعية، وقعت على صفحة عقل كل من هذين العالمين، فقام كل منهما بعرض هذه الأفكار حسب طبيعة عقله وما له من اهتمامات ومقاصد·
ويحسن ملاحظة أن وقوع هذه الأفكار على عقل العالم، أي اطلاعه عليها، قد يكون بطريق مباشرة، أي بالاطلاع على كتب أفلاطون أو ملخصات لها تضم هذه الأفكار، وقد يكون بطريق غير مباشرة، أي بالاطلاع على كتابات أخرى عرضت رأي أفلاطون كما هو، أو عرضته بطريقتها الخاصة بعد انعكاسها على عقل عارضها، فنكون هنا أمام انعكاس لانعكاس·
لقد ظهر لنا أن في بحوث الفارابي وابن جني انعكاسات للأفكار التي انطوت عليها نظرية المحاكاة الطبيعية التي وضعها أفلاطون؛ وهذا ما سنحاول بيانه فيما يلي:
أول هذه الانعكاسات عند الفارابي نجده في اعتبار الألفاظ آلة تشبه الآلات التي في الصناعات الأخرى، حيث يعرض لها رأي "قومٍ" يرون أن الألفاظ "آلة استخرجت بالإرادة على ما تستخرج آله من آلات الصنائع··· (و)··· كل آلة فبنيتها وخلقتها خلقة يصدر عنها الفعل المطلوب لتلك الآلة، مثل المثقب للثقب، ومثل المنشار ومثل سائر الآلات الأخرى·
هذا الرأي تقدم ذكره عند أفلاطون، بل إننا نجد بعض الأمثلة تكرر بعينه، مثل: المثقب المستخدم للثقب·
ويتابع الفارابي توضيح هذا الرأي قائلاً: "كذلك اللفظ لما كان آلة للقوة الناطقة فينبغي أن تكون نفس صيغتها صيغة تعرف المدلول عليه، وإنما يكون ذلك بأن يحاكيها"، فهذا القول هو مضمون نظرية المحاكاة الطبيعية؛ حيث ينبغي أن يحاكي الاسم الشيء الذي يسميه·
يواصل الفارابي توضيح هذا الرأي الذي يرى أن للألفاظ طبيعة خاصة بها تحاكي طبيعة الشيء الذي تسميه، وهو الرأي نفسه الذي تقول به نظرية المحاكاة الطبيعية عند أفلاطون، وفي هذا يقول: "إن كل لفظة دالة، فينبغي أن تكون محاكية للمعنى المدلول عليه، ومعرفة بطبعها لذات ذلك الشيء أو لغرض يكون علامة للمدلول عليه، ومعرفة بطبعها لذات ذلك الشيء أو لغرض يكون علامة للمدلول عليه خاصة، وتكون اللفظة بطبعها محاكية، مثل قولنا: "هدهد" للطائر الذي يحاكي هذه اللفظة صوته الخاص به، ومثل العقعق" ومثل "خرير الماء"؛ والحق أن الفارابي هنا يضيف بعداً جديداً لنظرية المحاكاة الطبيعية كما هي عند أفلاطون، أو يوسعها ويبلورها أكثر، مستفيداً من علم المنطق الذي يتقنه، وهو ما نراه واضحاً في استخدام الفارابي للألفاظ: عرض وخاصة، فلفظة "هدهد" لا تحاكي طبيعة الطائر المعروف بهذا الاسم، من حيث هو حيوان ذو أجنحة ويطير··· إلخ، ولكنها تحاكي عرضاً خاصاً به (خاصة)، لا يوجد في غيره، وهو صوته·
وثمة وجه شبه آخر وهو واضع الأسماء الأول؛ لقد عرفنا أن أفلاطون يجمع بين المشرع للغة والمشرع للقانون، ويجعل مهمة اطلاق الأسماء مهمة المشرع القانوني، هذه الفكرة تجدها عند الفارابي في أكثر من موضع· يقول في شرح العبارة: "··· فإن الألفاظ تشرع للأمم كما تشرع الشرايع في أفعالها، يعني أن الألفاظ تشرعها الأمم وتضعها كما تشرع الشرايع في الأفعال وغيرها، وواضعو الألفاظ هم أيضاً واضعو الشرايع، ويرى أن ضبط اللغة ووضع الأسماء إما أن "يشرعه مدبر واحد أو أكثر- بحسب الحاجات والضرورات- ممن يوكل اليهم التشريع في المجتمع"·
هذه الأمثلة تكفي للقول بوجود انعكاسات لنظرية المحاكاة الطبيعية لأفلاطون في بحوث الفارابي اللغوية·
فإذا انتقلنا إلى ابن جني العالم اللغوي البارز فسوف نجد فيما سنقدمه -على سبيل الاشارة والمثال لا الحصر والاستقصاء- من مواضع عند ابن جني رائحة نظرية المحاكاة الطبيعية وروحها بارزة فيها، ولكن بشكل عربي أصيل وأنيق·
يقول ابن جني في الخصائص من "باب القول على أصل اللغة، إلهام هي أم اصطلاح" ما نصه: "··· وكذلك لو بدئت اللغة الفارسية فوقعت المواضعة عليها، لجاز أن تنقل ويولد منها لغات كثيرة: من الرومية والزنجية وغيرها· وعلى هذا ما نشاهده الآن من اختراعات الصناع لآلات صنائعهم من الأسماء: كالنجار والصائغ والحائك والبناء وكذلك الملاح· وقالوا: ولكن لا بد لأولها من أن يكون متواضعاً بالمشاهدة والإيماء·
هذه الأمثلة المذكورة هنا وردت في كراتيليوس في أثناء شرح أفلاطون لنظرية المحاكاة الطبيعية باستثناء الصائغ حيث نجد في كراتيليوس- في المقابل- الحداد·
وفي بيان الآراء في أصل اللغة يعرض رأياً يستحسنه مُبهماً صاحبه، وهو واضح الشبه بما تضمنته نظرية المحاكاة الطبيعية، يقول: "وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات، كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وسحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي، ونحو ذلك؛ ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد· وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل·
وفي باب "إمساس الألفاظ أشباه المعاني" نجده يقرر وضع ألفاظ بحيث تحاكي الأحداث يقول: "فأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع ونهج متلئب عند عارفيه مأموم، وذلك أنهم كثيراً ما يجعلون أصوات الحروف على سمات الأحداث المعبر بها عنها، فيعدلونها بها ويحتذونها عليها، وذلك أكثر مما نقدره وأضعاف ما نستشعره···"·
ويؤكد ابن جني استحسانه لهذا الرأي، مشيراً إلى ملاحظاته في مجال الألفاظ العربية، فيقول: "فإن كثيراً من هذه اللغة وجدته مضاهياً بأجراس حروفه أصوات الأفعال التي عبر بها عنها؛ ألا تراهم قالوا: "قضم في اليابس وخضم في الرطب، وذلك لقوة القاف وضعف الخاء، فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى والصوت الأضعف للفعل الأضعف، وكذلك قالوا: "صر الجندب، فكرروا الراء لما هناك من استطالة صوته؛ وقالوا: صرصر البازي، فقطعوه لما هناك من تقطيع صوته، وسموا الغراب غاق حكاية لصوته، والبط بطاً حكاية لأصواتها، وقالوا: قط الشيء إذا قطعه عرضاً وقده إذا قطعه طولاً، وذلك لأن منقطع الطاء أقصر من منقطع الدال···، وسنستقصي هذا الموضع -فإنه عظيم شريف- في باب نفرده به"·
إن هذه التحليلات التي تربط بين محاكاة الفعل بالصوت الذي يماثله شبيهة إلى حد كبير بتلك التي قام بها أفلاطون في كراتيليوس، والتي ذكرنا طرفاً منها فيما تقدم·
ونجد في "باب تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني" عند ابن جني محاولات بيان معاني الألفاظ والرجوع بها إلى أصولها وجذورها، وهو يشابه ما فعله أفلاطون في محاورته بالنسبة إلى العديد من الألفاظ·
ويشير ابن جني إلى أن أحد أسباب جهلنا وجه التسمية في بعض الأسماء، بقوله: "نعم، وقد يمكن أن تكون أسباب التسمية تخفى علينا لبعدها في الزمان عنا···"· ويستشهد ابن جني بقول سيبوبه، "لعل الأول وصل إليه علم لم يصل إلى الآخر"، والحق أن كلام ابن جني شبيه بما ذكره أفلاطون حين عدد الافتراضات المحتملة في تفسير أصل الأسماء والتي منها "القول بأن العصور القديمة قد ألقت عليها حجاباً"·
هذه الأمثلة التي سقناها عند ابن جني، تكفي للقول بوجود انعكاسات في بحوثه اللغوية لنظرية المحاكاة الطبيعية عند أفلاطون، وذلك ما قصدنا إبانته في هذا البحث·
تعقيب ومناقشة
مجال هذا البحث فلسفة اللغة، وهو مبحث فلسفي موضوعه اللغة؛ حيث يتم البحث في اللغة من عدد من الجوانب، أبرزها: مفهوم اللغة وماهيتها، وأصل وضعها، ووظيفتها، وصلتها بالأشياء والإنسان والبيئة والوجود بعامة، وصلتها بالفكر والمعتقدات السائدة، ودلالتها على المعاني، وقوانين تطورها، والتحليل اللغوي للجمل والعبارات، وجوانب أخرى·
وقد ركز هذا البحث على عرض أقدم نظرية مدونة -فيما نعلم- تتعلق بتفسير أصل اللغة ووضع الأسماء لتدل على مسمياتها، وهي نظرية المحاكاة الطبيعية، وذلك باستخلاصها من كلام أفلاطون نفسه في محاورة كراتيليوس، ولعل هذا البحث هو -على قدر علمنا- من أوائل البحوث في العربية المخصصة لعرض هذه النظرية، إن لم يكن أولها· ويرجع السبب في عدم تعرض الباحثين المحدثين قبلنا -سواء كانوا من المشتغلين بالفلسفة أو من المشتغلين باللغة- لهذا الموضوع، إلى أن نص المحاورة لم يكن ميسوراً بالعربية إلا بعد ترجمته حديثاً إلى العربية، كما يرجع أيضاً -في تقديرنا- إلى أن المشتغلين بالفلسفة ينظرون إلى موضوع المحاورة، وهو أصل اللغة والأسماء، على أنه ليس موضوعاً فلسفياً رئيسياً، أو على الاقل ليس موضوعاً رئىسياً في فلسفة أفلاطون، وكذلك ينظر المشتغلون باللغة والعلوم اللغوية إلى البحث الذي قدمه افلاطون في هذه المحاورة على أنه أقرب إلى الفلسفة منه إلى المباحث اللغوية، وأن أسلوبه غير مألوف لديهم، فيزهدون فيه ويعزفون عنه، ويقتنع البعض ممن يتعرضون للموضوع بالاشارة الوجيزة المنقولة عن مراجع ثانوية بأن أفلاطون قال بنظرية المحاكاة دون الدخول في أي تفصيلات·
وقد أبان البحث -فضلاً عن النظرية- انعكاسات هذه النظرية عند كل من الفارابي وابن جني، قاصدين من ذلك بيان امكانية اطلاع هذين العالمين البارزين على هذه النظرية التي قال بها أفلاطون؛ أما إمكانية اطلاع الفارابي عليها فالفرضية التي نقدمها ليس لدينا الأدلة الكافية لاثباتها بشكل قاطع بالرغم من وجود القرائن والمعلومات التي تبرر طرحها، وهي أن اطلاعه على محاورة كراتيليوس فيه احتمالان: إما الاطلاع على محاورة كراتيليوس في لغة غير العربية كالسريانية التي يتقنها من أيام دراسته في مدرسة حرّان -كما هو معلوم في سيرته- أو الاطلاع على ما كُتب عنها ونقل إلى العربية، ونقصد اختصار جالينوس المشار إليه في البحث· وأما إمكانية اطلاع ابن جني على هذه النظرية فالغالب أنه كان غير مباشر، ونرجح أن يكون بتوسط الفارابي، أي باطلاع ابن جني على كتب الفارابي، أو بتوسط علماء الكلام، ولا سيما المعتزلة الذين كان ابن جني على صلة قوية بهم·
إن هذه الانعكاسات التي أوردناها فيما تقدم لا تعني أننا أمام نقل حرفي للأفكار لا أصالة فيه ولا تجديد أو تطوير أو متابعة أو إتمام، وهو ما كان الكثير من المستشرقين يهدفون إلى إثباته في بحوثهم المتعلقة بالفكر الإسلامي بعامة، وإنما يعني ذلك- في نظرنا- حرص العلماء المسلمين على أن يعرفوا ما عند السابقين لهم من آراء وأفكار- إذ الحكمة ضالتهم، كما يوجه الدين الإسلامي- ليتابعوا من جانبهم البحث عن الحقيقة فيما يبحثون، وهذا هو المنهج السليم في البحث؛ إذ معلوم أنه لا باحث يمكن أن يبدأ من درجة الصفر المعرفي في بحثه، وأنه لا بد من الاطلاع على جهود السابقين··؛ لقد كانت بحوث الفارابي اللغوية أوسع بكثير مما نجده عند أفلاطون، وكانت له إضافات وإسهامات قيمة وأصيلة في مجال فلسفة اللغة والمباحث اللغوية ترجع مصادرها عند التحليل إلى مصادر مختلفة يونانية وإسلامية ألفت بينها وأضافت إليها وصاغتها عبقريته الفذة، وأبرزتها في حلة عربية إسلامية ناصعة·
ومع أننا نجد عند ابن جني أقوالاً تعبر عن جوهر نظرية المحاكاة الطبيعية التي قدمها أفلاطون في محاورة كراتيليوس، إلا أن ما قدمه ابن جني في مجال اللغة- كما هو معلوم للعديد من الباحثين اللغويين- يفوق في تنوعه ودقته ما بحثه أفلاطون في هذه المحاورة·
____________
يتبع