رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 13 ذوالقعدة 1421هـ الموافق 7 فبراير 2001
العدد 1464

نظرية المحاكاة الطبيعية عند أفلاطون وانعكاساتها عند الفارابي وابن جني*(يتبع)

إذا انتقلنا إلى مضمون النظرية نفسها وجدنا أن هذه النظرية تمثل عند أفلاطون -كما تمثل انعكاساتها عند الفارابي وابن جني- محاولة علمية لتفسير أصل اللغة· إن اللغة في هذه النظرية ليست توقيفية من الله فلا نستطيع تفسير نشأتها، وليست وضعاً أو اصطلاحاً بشرياً اعتباطياً يتم كيفما اتفق، ومن ثم فلا تكون هناك أسس علمية لتفسير نشأة اللغة، وإنما هي رأي علمي يفسر جانباً من اللغة والتسميات، تفسيراً علمياً- كما وصفه أفلاطون نفسه- وعلينا أن نقبل به لأنه لا يوجد تفسير علمي آخر· لقد سلك هؤلاء العلماء الطريق الصعب، طريق البحث العلمي، وتركوا الإجابات السهلة غير العلمية كالقول بالتوقيف الإلهي أو الوضع الاعتباطي؛ لكن أفلاطون، ومثله الفارابي وابن جني، يعترفون بقصور هذه النظرية عن الوصول إلى حد التفسير الكامل لأصل اللغة ونشأتها· وهذا التوجه العلمي يحمد لأفلاطون ابتداء كما يحمد لعالمينا البارزين·

لقد تميز عرض أفلاطون لنظريته في تعرف أصل اللغة ونشأتها عن عرض كل من الفارابي وابن جني بربطها بنظرية في تفسير الوجود، وهذا الربط ضروري في المعالجة الفلسفية التي تسعى عادة إلى الوصول إلى الأسباب الأولى والمبادئ الأولى للوجود، خصوصاً وأنه عد الأسماء نوعاً من الوجود ينبغي أن يحاكي طبيعة المسميات وماهياتها، ومع أنه ذكر نظريتين يمكن استخدامهما، وهما: نظرية الحركة والتغير لـ هرقليطس ونظرية الثبات والسكون لـ بارمنيدس، إلا أنه لم يرجح واحدة على الأخرى، لكنه انتهى إلى الإصرار على تبني المنهج العلمي الموضوعي في دراسة الموجودات؛ وهو دراستها عن طريق النظر فيها وتعرف طبائعها وليس من النظر في الأسماء وتحليلها·

لقد تحدث أفلاطون، ومثله الفارابي وابن جني، عن الواضع الأول أو المشرع الأول للغة، وهو حديث يجري في مساق البحث العلمي عن أصل اللغة وأصل وضع الأسماء، إذ التسلسل رجوعاً لا بد أن ينتهي عند واضع أول؛ فهو افتراض علمي وإن كان من العسير التحقق من صدقه أو وقوعه خارج نطاق وسائل التحقق العلمي وإجراءاته·

مما يلفت الانتباه حقاً، الحديث عند أفلاطون- وبعده عند الفارابي وابن جني -عن خصائص الحروف والأصوات التي تعبر عنها وقدرة الإنسان على أن يحاكي بها الموجودات، مما يُعد أساسياً في نظرية المحاكاة الطبيعية، إن هذا الرأي يعكس ميلاً أو شعوراً بالقول بأن الإنسان مشابه في خصائصه للعالم، وهو ما تعبر عنه فكرة أن "الإنسان عالم أصغر" في مقابل العالم الأكبر، وأن عقل الإنسان وملكاته مصممة على غرار الوجود، وهو لذلك قادر على إدراكه·

أما الصعوبات التي واجهت نظرية المحاكاة بالرغم من وصفها بأنها فرضية علمية، فإنها تثبت الحاجة إلى نظرية أكثر شمولاً في عناصرها وقدرتها على تفسير أصل اللغة والأسماء· وربما كان المطلوب نظرية في أصل اللغة تستند إلى نظرية في الوجود وفي الإنسان تسمح لهذه النظرية المطلوبة أن تجمع في نسق واحد ثلاثة اتجاهات تبدو لنا حتى الآن متباينة، وهي: اتجاه التوقيف الإلهي، واتجاه الوضع الاتفاقي، واتجاه المحاكاة الطبيعية (الذي مثلته هذه النظرية)· إن الوصول إلى مثل هذه النظرية ليس أمراً يسيراً، لكنه مطلب علمي مشروع يتحدى الفلاسفة واللغويين معاً·

 

* المجلة العربية للعلوم الإنسانية - العدد 71 السنة الثامنة عشرة·

** حصل على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية من جامعة أدنبرة في بريطانيا عام 1981·

يعمل أستاذاً مشاركاً في قسم الفلسفة والاجتماع - جامعة آل البيت - الأردن·

** أستاذ مشارك - قسم الفلسفة والاجتماع - جامعة آل البيت - الأردن

 

_______________

للعودة

طباعة  

نظرية المحاكاة الطبيعية عند أفلاطون وانعكاساتها عند الفارابي وابن جني*