العنب المر
محمد جابر باقر
مع بداية هروب النهار ساحباً معه ثوبه الفاضح··
كان عبدالرحمن قابعاً فوق تل مرتفع·· يحدق بعينيه الذابلتين إلى البعيد·· إلى هناك إلى المروج والبساتين المتراصة الأطراف المليئة بالكروم وأشجار البرتقال وكأنها قطعة قماش مزركشة لعروسه تستعد لأسعد لحظات عمرها، ويستغرق عبدالرحمن في أفكاره المتضاربة وأسئلة لا يجد لها مرفأ وتلقائياً ومن دون وعي وإدراك تمتد يده إلى البعيد حيث أشجار الكروم لتقطف عنقوداً حباته تكاد أن تنفجر·· وعبثاً كان وهماً وخيالاً·· لم يلتقط إلا هواءً ساخناً·· مع أفكار مشتتة·
ويصحو عبدالرحمن من غفوته على أنامل رحيمة رقيقة·
- قم يا بني - فالوقت أزف·
- أماه ماذا تفعلين هنا·
- أني أبحث عنك في كل مكان·
وأنت هنا··
وتنهيدة من الأعماق·
- أماه بالله عليك أجيبيني أليست هذه الأرض (ويشير بيده إلى البعيد)·· أرضنا··
بشفق وحسرة ترد الأم·
- نعم يا بني إنها أرضنا·
- إذا لماذا نحن هنا في هذه الخيام·· وليس لنا وطن وأرض؟!
- قدر - قدر يا بني·
- قولي إنها سرقة·
- هي الحقيقة المرة·· يا بني·
- وتمتد يد الأم الحنونة لتمسح على رأس ابنها المحتار القلق بكل حب وحنان·· وتساعده على النهوض·
- قم يا عبدالرحمن - قم يا بني فخالتك وابن عمومتك في انتظارك·
وينهض عبدالرحمن متثاقلاً ويسير ببطىء وكلما نظر خلفه نحو حدائق الكروم تعثر وسقط حتى وصل أخيراً وقلبه مليء بالحنين والغضب·
وفي الصباح الباكر وعلى غير عادته يستيقظ نشطاً والحياة تدب في كل أوصاله، وهمة وعزم تبدوان على ملامح وجهه·
تقابله أمه باستغراب ودهشة·
-أراك مستيقظاً وليس كعادتك يا عبدالرحمن·
وتمتم بكلمات لم تفهمها إلا أنه أشار إلى حيث مزارع الكروم والموالح··
- أرجوك يا عبدالرحمن أفصح ماذا يدور في خلدك·· إلى أين أنت ذاهب·
- وأخيراً نطق بكل ثقة وثبات·
- إلى هناك يا أمي - إلى الملتقى هناك؟
- إلى أين؟
- إلى حيث يجب أن أكون·
وانطلق راكضاً·
وتسرع خلفه الأم المسكينة·
- عبدالرحمن - بني·· انتظر·· أرجوك ويلتفت نحوها - ويسرع نحوها ليرمي جسمه النحيف في أحضانها وتبتل ثيابه بدموع منهارة ولم تسلم الأم من أن يبتل ثوبها المتواضع وبعد عناق دام محزن مؤلم·
- ليس عندي ما أقوله لك يا بني إلا أن أدعو الله لك بالتوفيق والشـ·· والشهـ·· والشهادة وأخذت تبكي بعمق وبصوت مليء بالحزن والألم·
ويسل نفسه منها وينطلق بقوة حتى اختفى عن ناظري أمه القلقة المضطربة·
الجو مليء بالدخان ورائحة البارود وحرق الإطارات·· والحجارة منتشرة هنا·· وهناك ومجموعة من الفتيات تلهب المكان وتشعل النار ضد أعداء الله والوطن·· مطالبين بحقهم في الحياة والعزة والكرامة·
لقد صمموا على القتال·· لاسترداد الحق المغتصب ومن أجل أشجار الكروم والبرتقال ونسائم الوطن العليلة وتراب الأرض المقدسة المغتصبة··
وينضم عبدالرحمن إلى المجموعة بكل ما أوتي من قوة وشجاعة وليلتقط أول حجارة ليرميها نحو أعدائه أعداء الله والوطن ويستمر مع أصحابه الشجعان في معركة الشرف بلا تردد·· أو ضعف·· ويصرخ عبدالرحمن·· الله أكبر·
تتحول أنظار أصحابه نحوه·· ويشاركونه·· الله أكبر·· الله أكبر·· يا أخوان سقط عبدالرحمن·· ويسرعوا نحوه ويحملونه نحو مكان آمن·· عبدالرحمن الدماء أغرقته·· إنه رصاصة طائشة انطلقت من يد شيطان·· أسقطته بلا رحمة أو إنسانية وقبل أن تقفل أجفانه يمد يده في الهواء عالياً·· وبألم شديد وحسرة·· وبسكرات الموت·· أماه ها أنا أخيراً التقطت عنقود العنب الذي أردت أن أتذوقه من بساتين آبائي وأجدادي وتقترب يده نحو فمه وبصوت حزين مؤلم تصحبها نظرة حزينة أوصيكم إخوتي في الشرف والكرامة أن تقولوا لأمي·
- أخيراً استطاع عبدالرحمن أن يقطف عنقود العنب من بساتين أجداده ولكنها للأسف مذاقها مر·· مر··
- وتسقط رغبته على أيدي أحد أصحابه ليودع عبدالرحمن الحياة·
- ليلتقي إلى جوار ربه حيث جنة الخلد·· والكروم المسكر·