رسالة تهديد..
إلى الصامتين!
نشمي مهنا
في بلد آمن، وأرض طيبة، حلق جناحاها في سماوات الجزيرة، وحطّت على رأس الخليج، ارتضى أهلها "التعايش بسلام" قانونا مقدسا فيما بينهم، وبينهم وبين شعوب الجوار، أسسوا بقلوبهم بنود محبة، ومواداً للتفاهم والخلاف، فكانت أدواتهم في أقصى حالات حدة الخلاف الحوار·· الحوار فقط المتسم بالصراحة والجرأة·
كان ذلك منذ قرون، حينما فُطروا على سجية التصريح بكلمة الحق، وولدوا وقد ملئت أعينهم بمشاهد المجالس والدواوين وهي تضم الحاكم وعامة الشعب· فاستمعوا له واسمعوه، لا حاجب يحول دون الشكوى، ولا جبروت يزرع الخوف، ويحبس الغصة في حلوق أصحاب حق مهضوم·
كان "عرفا" قبل الدولة الحديثة ودستورها، و"دستورا" بعد الاستقلال، نوقش، وكُتب، واعتُمد برضى الشعب والحاكم·
هذا ما ميز الكويت وأهلها وحكامها ونظامها، لذا تأتي رسالة التهديد التي تلقاها رئيس التحرير الزميل أحمد يوسف النفيسي في الأسبوع الماضي، "نشازا" مستهجنا، لم تعتده هذه الأرض الطيبة وأهلها، ولئن وصفت بالنشاز فلاختلافها (كوسيلة ولغة) عن الصوت الكويتي المعهود، القابل بسماع الآخر وصداه حتى ولو فصلت بينهما هوة خلاف، ليناقش ويفند إن استطاع حجج الآخر بالحوار (وإن كان وصف "النشاز" لا يفي بدقة جُرم العمل التهديدي وفداحته)·
ولعل النفيسي غير معنى برسالة التهديد الموقعة باسم "الصامتون" بقدر ما كانت موجهة لكل صوت حر، وموجهة لجيل يملؤه الحماس لمواصلة مسيرة الرواد، وحمل مصابيحهم، خصوصاً وأن "الصامتون" موقنون سلفا أن رسائلهم الظلامية لن تثني النفيسي عن مواقفه، بل ويتوقعون قوله "لقد مضى من العمر أغلبه، ولست بصدد أن أغير موقفي فيما تبقى لي من سنين وبصرف النظر عن أي تهديد"·
كتب النفيسي مقالته "إصلاح بيت الصباح" في 17 يناير وتأخرت رسالة المهددين أسبوعين·· لحين استقالة الحكومة!
فهل كانوا غاضبين مما كُتب؟ أم يرتجفون خوفا مما سيُكتب؟ أم كانوا يخشون مثل تلك الدعوات إلى "إصلاح بيت الصباح"؟
غير معنين نحن بالتفسير، ولا بالدوافع ولا بالأسماء والأيدي الخفية التي خطت هذا التهديد، لثقتنا بمؤسسة الحكم، وبقدرتها على فك لغز "الرسالة" خصوصاً بعد أن وضعت بين أيدي صباح الأحمد وسالم الصباح، فأصبح أصحاب الرسالة هم أنفسهم الآن مهددين·
ولأن الكويت بلد مؤسسات وقانون، و"ليست غابة" كما يريدون ويتوهمون، ولأن التهديد انقلب على أصحابه، وأصبحوا يتحسسون رقابهم، بعد أن وضعت رسالتهم بين يدي "المسؤوليْن"، ولأن الصحافي المجرد من السطوات والهراوات والميليشيات هو مسلح بالكلمة الحرة الشريفة والموقف، ولأن "الجرأة" عادة كويتية متأصلة لم تخش أن يغتالها يوماً "زوار فجر" أو قمع سلطة·· نعود إلى بيوتنا وقد تزاحمت برؤوسنا مشاغل محاسن اللفظ، وأدبيات اللغة والتعبير لتشذيبها، وتزيين هندام الكلمة، دون التفكير بمحاذير المعنى، وتهور النقد· فيتجدد في نفوسنا الإحساس بالأمن، والحق في الكتابة والتعبير، وبالدعوة لـ "الإصلاح"·
ويتجدد الإحساس بالأمن، والحق في الكتابة والتعبير، وبالدعوة للإصلاح!
في الختام·· نكشف سرا عن أسلوب إدارة رئيس التحرير وطريقة "رقاباته" في عمل "الطليعة"·· وهو إعطاء المحرر - بمجرد الثقة - مسؤولية الكتابة دون رقابة سابقة ولا لاحقة، لذا فهو في حل عن مضمون أي مقال، وأنا في حل من أي قيود، أو "تشطيب"·
قد يرضيه هذا وقد لا·· عندما يقرأه صباح يوم الأربعاء، متزامنا من قراء "الطليعة"!!
nashmi@taleea.com