رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 22 ذو الحجة 1421هـ - الموافق 17 مارس 2001
العدد 1468

قصة

الإرث

 

حميد الأمين

أحس التعاسة، ليس بسبب الألم الذي أفقدني وعيي، ولا بكوني نعشاً ممدداً على سرير المستشفى، سوف يدفنونه خلال يوم أو بعضه·

غادرت بلدي أحمل معي زوجتي وأطفالي الثلاثة، ولدين وصبية، بعد أن بعت كل شيء، تركت البقرة فقط، إنها كالأم تهبنا حليبها ومحرم علينا أكل لحمها، سوف يرعاها جيراني بأفضل من عيالهم· يتضاعف موتي بوجوه أطفالي وأمهم، كأن عزرائيل جاءني يسلب مني أربعة أرواح ولا يقبلني نذراً لهم·· أتيت بكم قربي فلربما أصبحت على يوم جميل لا أهبه لغيركم، يدفعني لسرقة جواز سفري من صاحب العمل لأعود أراكم، وبما أنه لا يفهم مثل هذه الأيام الجميلة التي لا تدر له نقوداً فيطردني من العمل، ويحرمني من جلب الهدايا لكم·· أيها الأشقياء الرائعون·· الألم خدر جسدي وأنتم تخدرون عقلي وتوقظونه، عيوني لا تبصر لكني كما في المنام، أرى دموعكم السمراء قطرات من المطر التصقت على وجه زجاجي معتم، بقلبي وعقلي أسمعكم وقد استبدلتم ضجيج الضحك بمكتوم البكاء، أنت فقط يا زوجتي لا أرى دموعك ولا أسمع نحيبك، يذهلك احتضاري فقد أوقف الرعب كل حواسك، ترين آلاف الذئاب في غابة الحياة تتأهب لالتهام صبيتك الصغار·· يا لقسوة العجز·· إنه أشد أنواع القهر، حلّ على رأسك فجأة، تتسابقين معي في تسارع الهبوط من سقالة الدور الرابع، وأظنك قد ضربت الأرض قبلي، فأنا مازلت أتنفس ولو بجهاز اصطناعي، وأنت تختنقين·

حين انزلقت قدمي من على حديد السقالة الأملس، لم أشعر لحظتها بالخطر، إذ إن العشرات من عوارض أنابيب الحديد تصطف أسفلي كدرج أرتقيه يومياً، ألصق قطع الرخام على الحائط فيفقد خشونته ليصبح وجهاً أمرداً، هذا الحائط بنيته طابوقة بعد أخرى، من الداخل أعرفه شبراً شبراً، أمشي عليه أرضاً منبسطة· إثر اصطدام جسمي بالحديد في منتصف المسافة تدهورت السقالة مبتعدة أسفلي، فيما أخذ نصفها العلوي يتهاوى فوق رأسي· أنشبت أظافري في الحائط أتلمس ماسورة أو كيبل أو طابوقة مشروخة، لكن الرخام بشكله اللامع الخادع وقلبه القاسي أغلق سبيل الوصول لها لينتقم مني، ففي الأيام الماضية كنت أشق كتلهُ، أفتتها، أهزأ من صلابته كما يضحك رجال الأمن وهم يرون فعل آلات التعذيب بأجساد المناضلين· خذلني الحائط، تصورت أني ألبسه الحلل البهية، لكنه كان غاضباً، فلقد كان الرخام يطبق عليه كرصاص التوابيت، يتحلل الجسد داخله في فناء أبدي· تسارع سقوطي، أقترب من كومة الرخام الملقاة على الأرض تنتظر رأسي لتفلقه، هذا الرخام الذي لا تستقر القشة على سطحه· صرخت، لا بلساني ولا بفمي المفتوح، لم أكن أخشى الموت، فالإذلال يجعلنا نتمناه كثيراً، لكني خفت الفشل إذ جئت بكم يا صغاري عبر البحار أطعمتكم خبزاً لا يحمل رائحة الحقل، أردت أن أبعدكم عن بلدتي التي لا توجد فيها مستشفيات، إنما كانت مملوءة بالمقابر، لست أرثي ذاتي كما يفعل السكارى، فالمياه التي شربتها تكسر الكأس إن استقرت به، لكني حتى وأنا في غيبوبتي هذه لا أبرح أمشط شعركم وألهو معكم· كنت مؤمناً وكنتم هدية الرب لي، فلو تسلقت جبل الرب ووصلت إلى قمته فإنه لن يُسمح لك في الهبوط، أرى في هبوطي السريع نحو كومة الرخام التي تنتظر رأسي لتطرقه صعوداً إلى جبل الرب ليس بعده هبوط، لكن أنتم هديتي ستكون في الأسفل عند سفحه، ولو خيرت أن أبقى مفلوق الرأس أعمى أتحسسكم، لبادلت قمة الجبل بسفحه· في الغرفة لا أشم غير رائحتكم، أقوى من كل مطهرات المستشفى الخانقة، لا أحس بأيدي الأطباء وهم يضغطون على مواطن جسدي السليم، أما رأسي المهشم فقد اكتفوا بلفه بعمامة بيضاء من عمائم (السيخ)، لكني يا زوجتي الغالية أحس بيدك فقط تلمسني من دون كل الأيادي الفضة التي تقوم بتمريضي، لأول مرة يحدث لي وأنا أحتضر أن أسمع الصوت الحبيب لوحده ولا أسمع الأصوات التي كانت تحيلني عبداً في بناء مجمعات السخرة، إن الموت ليس عنيفاً كما تصورناه، فقد حررني من مشاهدة الوجوه التي لا أحبها، أبقى على الوجوه العزيزة، وجوهكم ووجوه أهلي والمنتقاة من وجوه أصدقائي، إني لسعيد إذ ألمس الأشياء الجميلة فقط، لكن ما يحزنني هو أنني سوف أرحل وحيداً وأفقد هذه الرفقة التي تمنيتها كل عمري، وجاهدت في سبيلها ضد الفقر والقهر والتشرد ورجال الأمن·

إنه اليوم الثالث لغيبوبتي، لماذا أتيت وحيدة يا زوجتي هذا اليوم دون الأطفال، أرى أشباح الأطباء تحيط بك، أميزهم من السماعات تتدلى كالتمائم على رقابهم من أنهم لا يهبوننا كرامات التمائم، فهم آتين مثلي للعمل، ليس مثلي تماماً، إنما صغار مقاولون يسحبون الدماء من الناس ويودعونها في مصارف الدم·

لم تلمسيني في هذا اليوم يا زوجتي العزيزة، مع أنني أمد لك يدي من تحت الغطاء، يأتي صوتك متقطعاً:

- لا ترفعوا عنه الأوكسجين·

- ······················

- أبقوه ثلاثة أيام أخرى·

- ······················

-  والدته وأخته في الطريق، آتين لرؤيته قبل موته·

- ······················

- حسنا يوم واحد فقط، اجعلوه إلى نهاية اليوم·

- ······················

- شكراً لكم·

لماذا غادرت على عجل دون أن تلمسيني· لم يفاجئني نبأ موتي فإنني منذ أن ضربت رأسي كومة الرخام التي احتالت عليّ ووقفت بيني وبين الحائط الذي بنيته وأنا أكلمك من الآخرة، إنه جميل هذا المكان لكنك لا تصله إلا عبر ألم رهيب كما هي الأشياء الجميلة، لا تمتلكها إلا بعد أن تقتل عدة مرات· بذهابك خلت الغرفة من البهجة كحقل تم قطع زهوره، توقفت حواسي فلم أعد أسمع أو أرى أو أشم، ثم أظلمت اليوم بعد رحليك مع أنها طيلة الأيام الثلاثة الماضي كانت مضاءة، كنتُ أحس بأنني روح فقط فارقتها كل آلام الرأس المهشم، عدتُ الآن إنساناً بجسد تفزعه الآلام لحد أصابع أقدامي لكني مكتوم الصوت·· ما أشد الألم عندما لا نستطيع الصراخ·· لم يكن رأسي وحده المهشم إنما كل جسدي، ضربته أنابيب السقالة الحديدية المتهاوية فوقه· فجأة رأيت نفسي ألبس البياض الملفوف على جسدي ويدي وأقدامي·· أهكذا هو الكفن·· مع أنني لم أوضع بحفرة ولم أشم الكافور الذي يقولون عنه أنه أشد نفاذا من رائحة أطفالي· مازلت في المستشفى أتمنى نقلي إلى القبر كي أتخلص من كل هذه الآلام التي أحدثها لي الأطباء هذا اليوم بتحريض من زوجتي·

انتهت آمالي فوق كومة الرخام بعد أن ركضت طوال عمري القصير من دون أن أحظى بمحطة استراحة واحدة· تسارع العدو بعد زواجي، كان عليّ أن أركض المسافات الطويلة بزمن قصير نفسه الذي استغرقه من بيتي إلى المقهى سابقاً·

في عتمة الغرفة تفتح النافذة، يطل ضوء نجم بعيد ينير الغرفة، يحمل لي الساقية وبقرتنا ترتع في برك الماء الآسن التي توردت فيها الأزهار البيضاء، أتسلل عبر كثافة الغابة في أول يوم أقبض فيه بعض الروبيات من وكيل المهراجا ومعي نصف العمال الشبان الذين لم يمارسوا الجنس بعد إلى الربوة حيث سقائف الخشب، كان لأحضان المومسات دفئ الزرائب نستنشق منه النتانة· في اليوم التالي قادونا إلى سرادق المهراجا، كنتُ أرتجف وأنا أقترب منه كالعراف إذا أخطأ بقراءة النجوم في حضرة الحاكم، ظل يضحك طويلاً من وجوهنا المصفرة يشاركه وكيله وحرسه الخاص، ثم أمر بصرفنا من العمل، أسرعنا هاربين كالعجول التائهة كل في طريق تلاحقنا ضحكاته العالية حتى كاد أن يختنق·

انغلقت النافذة عند حلول المساء ولم تعد زوجتي ولا أطفالي·· يا زوجتي الأرملة هل تقاومين الرذيلة من بعدي بإغراءاتها·· المال والجوع وحاجة الجسد· فأنا مالزلت أراك عروساً بملابسها البيضاء يوم وقفنا أمام الكاهن، أنت بجانبي، وبجانب الكاهن عدد من الراهبات يلبسن مثل ملابسك البيضاء، لربما تتمنى كل واحدة أن تصبح عروساً، لكني وقتها لم أفكر بذلك، بل رأيتك راهبة مثلهن محرم عليّ الزواج منها، لازمني يومها هذا الإحساس إلى أواخر الليل عندما خلعت ملابسك، فأيقنت أن الراهبات لكي يغوين الرجال عليهن أن يتعرين تماماً، ومنذ ذلك اليوم أنتِ  في خاطري عفيفة كالراهبات ما دمت في الملابس، لكن حذار من النقود، إنها لا تشتري ملابس لستر النساء إنما لخلع ما يرتدينه· لقد كان والدك قاسياً متزمتاً يصلح أن يكون رئيس مؤسسة دينية، لكني جعلته يبدل أسلوبه، قال لي في أواخر أيامه:

- يا ولد، إنك تمتعني بأحاديثك كما يتمتع المؤمن في حديثه مع الجاحدين·

كان رحمه الله يضع ثلاثة أرباع الموروثات الرجعية في لب الكتب السماوية، ويطلق الأحاديث المتداولة كأحاديث قالها الرب·

عندما مات المهراجا وقف رجل الدين يصلي على روحه يذكر الناس بإحسانه على بناء دور العبادة مع أنه مات في نفس كوخ العاهرات النتن، لقد اشترى الأدعية والصلوات من ذلك الكاهن الساذج بسبب كونه يجيد التمثيل ويختفي وراء الكثير من الأقنعة·

أظلم الليل إلا من هدير محرك الطائرة التي تقل أمي وأختي· تنتحب أختي باكية، تسفح الدمع الذي لم يفارقها منذ صغرها فيما تتشابك أيدي أمي وزوجتي كغريمين يتهيئان للمصارعة:

- هل مازلت حياً؟ سألت أمي·

الطبيب: - ········

- غداً يرفعون عنه الأوكسجين، أجابت زوجتي·

يتألق وجه أختي بالدموع، لها لمعان وجوه عيالي المشرقة، تبرق عيونهم كشعاع الشمس المنحدر على قطرات الندي المتجمع فوق خد الأوراق تسيل ببطء· بدا وجه أمي المتغضن كقطعة من جذع شجرة قديمة يواجه وجه زوجتي مثل ورقة خريف صفراء آيلة للسقوط، لا أثر للدموع في عينيها، هل نضبت دموعها في الأيام الماضية؟ أم أنها تدبر أمراً!

انسحبوا سريعاً من الغرفة، لكن ضوء أطفالي وأختي مازال ينير المكان الذي امتد مع امتداد روحي يسع أرضا وسماءً· عادت زوجتي وأمي مسرعتين تصطحبان شبحاً لا يحمل تميمة الأطباء ولا أنوفهم العالية، لكن له عيوناً تفتش الجحور الصغيرة·

أمي: عشرة آلاف دولار قليلة·

الرجل: ··········

زوجتي: اجعلها خمسة عشر ألفاً، خمسة لأمه وخمسة لي وخمسة آلاف للأطفال·

الرجل: ·········

أمي: حسناً، قبلنا بالعشرة آلاف دولار، ادفعها الآن·

الرجل: ·········

زوجتي: أعطنا عربونا والباقي بعد تسليم كلية زوجي·

انسحب الشبح سريعاً بعد مد يده في جيبه وأفرغها بيد زوجتي·

- أعطني نصف المبلغ·

- لا يا أم زوجي، دعينا نقتسمها ثلاث حصص·

- أنا أمه التي أرضعته·

- لكني لا أقبل أن أبيع كلية ابني ولو دفعوا لي مال الدنيا·

- أولاك صغار لذا تشفقين عليهم·

- أت ترينه الآن في المهد وهو ملفوف في قماط المستشفى؟

بعد المساومة اتفقتا على شيء لم اسمعه إذ إن امتداد روحي انقبض فلقد كانت العشرة آلاف  دولار ثمن كليتي وأنا لم أمت بعد كافية لقطع جميع الروابط العائلية، أما أنا صاحب الكلية فإني أسمع رنة الطمع تدخل لأحشائي تفتشه إرثاً يتصارعون عليه، لم أترك لهم شيئاً غير جسدي المدمى الذي يتطلب الآن حصر وراثة له بين المنتفعين، لو طلبه أطفالي لرجوت أشباح الأطباء أن ينشروه قطعاً كما كنتُ أفعل في كتل الرخام، ويعطوه لهم إن شاءوا يبيعونه أو يلهون به· لا أحفل بالأولاد فسوف يعملون كما عملت أنا سابقاً ما إن تعلمت الكلام لتنفيذ الأوامر، لكني خائف علي ابنتي الوحيدة، ليس بسبب العمل، ففرص الخادمات بالعمل لا تنتهي، وإنما كيف ستتزوج في بلد يعد جمع المهور وجاهة، من أين لها أن تجمع مهراً وقد فشل ساعدي الأسمر· لا أريد لها أن تكون نزيلة أكواخ الربوة الخشبية، لكني لا أبالي لو زار أولادي نزيلات الربوة·

أتوسل لكما يا أمي وزوجتي، اعطوا كل ثمن كليتي مهراً لابنتي، فبهكذا مبلغ سوف تتزوج من صاحب مقام رفيع·

تكاثرت عليّ الأشباح، جميعهم بتمائم عدا صاحب العينين الضيقتين، يرسل بصره بأدق من ناظور الأطباء وأجهزتهم الدقيقة داخل أحشائي·

عادت أمي وزوجتي بعد أن خلت الغرفة من الأشباح:

- لقد رفعوا عنه الأوكسجين·

- سندفنه اليوم هنا·

- موافقة، فهنا يدفنون مجاناً، ونقله إلى البلد بالطائرة يتطلب مالاً·

اللعنة عليكن، أريد سقفاً من تراب بلدي أرقد تحته، مارست الغربة حياً، لا أريدها ميتاً، أمنية واحدة لي: أرسلوني إلى بلدي· إنهم لا يسمحون هنا بحرق جسدي كي أتخلص من الآلام دفعة واحدة لأبقي روحي فقط·· أتعبني هذا الجسد بمطالبه الكثيرة التي أنفقت عليه جزءاً من مدخرات عيالي، والآن يريد سجن روحي معه بعيداً جداً عن بلدي، لماذا لا يقبلون إرسال رمادي في قارورة صغيرة توضع في أحد المعابد، في كل مكان يعبدون الرب وإلى جانبه إما محمد أو عيسى أو بوذا·· إن له روحاً جميلة وكذلك جسده، خذوا كليتي، كل أطرافي، أرسلوا ما تبقى مني إلى بلدي، أحرقوا جثتي هناك ليختلط دخان جسدي بزفير الملايين من الفقراء ليضيق النفس على المهراجات ثم يترسب على مياه كنكا وجمنا تتبركون به في كل حين، تشمون رائحتي وأداعب أجسادكم من تحت الثباب· كيف لو بُعثتُ حياً واستقام جسدي، هل يهبني  الإله كلية جديدة أم أخرج من القبر كما وضعوني به· يتساوى حرام الميت في كل الأديان ويختصمون حول الدم ولحم الخنزير، لكن الميتة حلال على الجائع، وأنا أطعم أولادي حياً كنتُ أو ميتاً· غداً سوف ترحلون بأول طائرة إلى بلدي، لم أحسد أحداً من قبل حتى للفائض من غنى المهراجا، لكني في هذه المرة أحسد النعوش المسافرة على الطائرات·

طباعة  

إضاءات
 
إصدارات
 
التكوين والخطيئة.. قراءة في "الأشياء".. لباسمة العنزي
"أشياؤها".. تستنطق الذاكرة وتجتاز "الكتابة عبر النوعية"

 
مقال
 
قصائد بشعة
 
وتد
 
أجيال