رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 22 ذو الحجة 1421هـ - الموافق 17 مارس 2001
العدد 1468

التكوين والخطيئة.. قراءة في "الأشياء".. لباسمة العنزي
"أشياؤها".. تستنطق الذاكرة وتجتاز "الكتابة عبر النوعية"

بقلم: كريم الهزاع

(1)

 

نجد في النص الأول "يكاد الآن ينطفئ" لغة عالية على شكل دفقات متفرقة·· مثلاً:

"لكن رغباتي  السفلية التي أنبثقت فجأة من إحدي حفر الجحيم أخذت بتلابيبي نحو الهاوية/ مستلقية على أريكتها الوثيرة تداعب بأصابعها الرخوة حبات الفاكهة الناضجة"· النص يشي بإسقاطات جسدية عرفت الكاتبة كيف توظفها، إنه إعلان عن حالة جسدانية تلاحقها الرغبة أو الغواية التي لا مفك من الخضوع لها·· النص يصدم المتلقي بين فينة وأخرى حتى على مستوى الدراما أيضاً يحقق النص نوعاً من الخلخلة والفراغ·· في المشهد الثاني أحالتني الكاتبة لصلاح عبدالصبور ومسرحياته الشعرية، وبما أنه للذاكرة مفاتيحها كما يقول علماء النفس، فمفتاحي لهذا التداعي جاء عبر: "الغيوم السوداء توشك على الرحيل والملكة تطرق أبواب الليل"·· والنص مليء بالعبثية والتشظي نجحت كاتبته عبر عنصر الحوار وعناصر أخرى أن تكشف لنا ما يدور في المملكة على مستوى المرئي واللامرئي·

 

(2)

 

·· وفي النص الثاني تحديداً نجحت الكاتبة في كتابة نص "الكتابة عبر النوعية" كما أسماها إدوار الخراط أو من سبقه إلى هذا الفعل مثل جيمس جويس أو جان بول سارتر أو من عرفوا الفعل البيولوجي، حيث استطاعت الكاتبة أن توظف القص والمسرح في هذا النص بالإضافة إلى اللغة العالية المكثفة التي لا تخلو من الموسيقى أو الموران الداخلي: "على خشبة المسرح فتاة تملأ وجهها البثور تفرش لحافاً صوفياً على قارعة طريق مهجور"·· والتجنيس الأدبي يقف معضلة أمام كثير من المبدعين وأحياناً يؤخر إبداعهم إذا ما استطاعوا أن يطرحوا جرأتهم قبل أن يطرحوا إبداعهم دون أخذ الإذن من ناقد أو كاتب يمارس أستذته على المواهب الشابة·

وكأن كل حواس البشرية ومخيلتها وذائقتها تمر عبر "أناه"·· فهذا النص مثلاً تخيلته كنص مفتوح سيكتب بشكل عمودي·· الأفعال في هذا النص هي التي ساعدت في إعطائه الحرية لكي يتدفق على شكل دراما متشابكة، وفي هذا النص تعلن الكاتبة بأنه لم يعد هناك قرار وصانع قرار أو لعبة وصانع اللعبة ومستهلكها· لا، وكل الدماء تتدفق وبشكل مفضوح بحياكة المؤامرة أو صياغة هذا المشترك الجديد، لم يعد هناك شيء خلف الكواليس، لكن هذا لا ينفي حالة القلق الشديد، وحالة العنف والقسوة والتشظي "الشوارع الموحشة حيث القطط الضالة الممزقة الأحشاء" كل الشخوص، الأزمنة، الأفعال، نافذة الصبر حتى الكاتبة نفسها·· إنه عصر القلق، السرعة، الاستهلاك، الكل مطحون في هذه الدوامة·

 

(3)

 

أشياء مقززة وعبثية في نص "الصراصير"، لم يكن عبث البيركامو، ولا وجودية سارتر، ولا مأساوية كافكا معادل موضوعي لما طرحته باسمة العنزي في النص·· صحيح أنها تذكرنا بـ "الطاعون" و"الذباب" وأعمال لكافكا لكن لم يكن ذلك بتأثير من كل هؤلاء·· إنه شيء خاص بـ "الأنا" لدينا·· لا نستطيع هنا أن نقول إن الآخر يشاركنا الأشياء الخاصة شئنا أم أبينا، لكنا نستطيع أن نقول إن الآخر يشاركنا الأشياء بالرغم عنا وربما العكس صحيح·· والحوار المستفز بين الصرصار والبطلة له إسقاطاته التي تحدث عنها غيري، لكن ما أريده هنا هو حالة التشيؤ التي يمر بها إنسان هذا العصر· الحياة مسرح الجميع، ويمكن أن نصنع مسرحاً من كل شيء· المسرح هو الأرضية المشتركة لكل الأشياء، في الواقع وفي الكتابة "لحظة مشاهدتك مقبلاً نحوي كأن لوحة زيتية كبيرة معلقة في جدار الذاكرة الرخوة اهتزت بفعل زلزال فسقطت وتهشم بروازها المذهب وخرجت أنت ناجياً جارياً نحوي رافعاً رأسك"·

صورة شاعرية سريالية جميلة للغاية، استنطقتني وأنا أقول لأحدهم في المستشفى

- أنت هارب من إحدى روايات ماركيز·

استطاعت باسمة العنزي أن تستنطق الذاكرة، تستنطق الأشياء: الثيمات، الأساطير، المعقدات "منذ ثلاثين عاماً دفن أبي حبلي السري تحت أساس المسجد" ذلك المعتقد الذي يسمح للآخرين أن يختاروا لك حياتك وقدرك من خلال التحكم بدفن حبلك السري في مكان  ما يتبع شهوتهم· تحيلنا الكاتبة إلى موضوع القضاء والقدر وبدء التكوين وخطيئة سيدنا آدم· أشياء كثيرة تتحكم في الإنسان، سلطات متعددة يعي بعضها ويسقط تحت سلطة بعضها الآخر دون وعي، وكل هذه الأشياء تشارك في صنع هذه "اللعبة الجوفاء"·

 

ü رئيس تحرير مجلة "أفق" الالكترونية·

طباعة  

إضاءات
 
قصة
 
إصدارات
 
مقال
 
قصائد بشعة
 
وتد
 
أجيال