"إيمانا من (الصفحة الثقافية - الطليعة) بضرورة رفد الجهود القائمة في مؤسساتنا الثقافية الرسمية والأهلية، ولتقديرها لكل جهد يسهم في "تجميل" وجه عاصمتنا الثقافية، لتسري في أوردته فتزيده نضارة، وإسهاما منها في ملء أجوائنا بنسمات محركة ونشطة·· تعتزم الصفحة تنظيم أنشطة ثقافية متعددة، تضم برامج لندوات فكرية وأدبية وأمسيات شعرية غنائية وموسيقية·
أهم محاور هذا البرنامج الثقافي:
أولا - احتفاء خاص برواد الثقافة في الكويت: تحت هذا العنوان يتم تكريم إحدى الشخصيات الثقافية الكويتية ممن أسهموا بنتاجاتهم الفكرية والأدبية في مسيرة الثقافة في الكويت·
تُقدّم خلال الاحتفاء مجموعة من القراءات في أعمال هؤلاء الرواد الأدبية والفنية بأقلام مجموعة من المتخصصين·
وتنوي الصفحة البدء بفاتحة الاحتفاءات لبرامجها الثقافية بإعداد حفل تقديري للشاعر د· خليفة الوقيان لما له من دور أدبي وثقافي فكري شكّل إضافة متميزة للثقافة الكويتية من خلال إصداراته الشعرية ودوره كصاحب قلم حمل حسا وهَمّا قوميا وتنويريا·
ثانيا: الندوات: أهم المحاور المقترحة:
- حرية الكتابة والتعبير··· قيود وحلول·
- وسائل الإعلام والمواد الثقافية·
- الطباعة والنشر·· محاذيرها وهموم الناشر·
- الأدب الحديث بين الفهم الصحيح وتأويل النص (مناظرة)·
- الصفحات الثقافية في صحفنا المحلية·· الدور والإنجازات·
- الأدب الكويتي في عيون عربية·
- المجلات الثقافية·· ماذا قدمت للثقافة الكويتية؟
- قراءات في قصص ليلى محمد صالح
- قراءات في قصص (كريم الهزاع - لطيفة بطي)·
- النقد·· حضوره وغيابه وأسبقية النص·
- قصيدة النثر·· تساؤلات حول القبول والرفض·
- الشعر والسياسة·· تاريخ التلازم والانفصال·
ثالثا: الأمسيات (شعرية، موسيقية، غنائية)
- أمسية شعرية (1) لقصائد النثر يلقيها مجموعة من الشعراء الشباب تقدم بثوب جديد وبطقوس غير تقليدية·
- أمسية شعرية (2)·
- أمسية شعرية (3) لموهبتين جديدتين (سامي القريني - منى الهزاع)·
- أمسية موسيقية·
- معرض فني لأحد الفنانين التشكيليين·
- أمسية غنائية: تقدم فيها نصوص غنائية للشاعر المصري عباس منصور بعزف وغناء من أحد الفنانين، يطرح من خلال كلماته بعدا إنسانيا مغايرا لما تقدمه الأغنية العربية المعتادة·
رابعا: سوف يتم في نهاية العام حصر وتجميع الأنشطة الثقافية لتطبع في "كتيب"·
وترحب الصفحة الثقافية في "الطليعة" باقتراحات القراء الكرام، ومشاركاتهم، التي لا غنى عنها في التوجيه، لاستكمال برنامجها الثقافي وإنجازه على الوجه الأكمل، والأكثر أثرا·
وهنا إحدى "قراءات" المشاركين في احتفائية الدكتور خليفة الوقيان - والتي يتم حاليا الإعداد لتنظيمها قريبا، - وهي للشاعر صلاح دبشة:
***
قراءة
عبر "الخروج من الدائرة"
خليفة الوقيان.. وتسليط الضوء على الكائنات الليلية!
صلاح دبشة
يتصف خليفة الوقيان بصراحة الموقف وعلنية الرأي، والابتعاد عن المداهنة، وأساليب المجاملة، في قضايا الفكر والمجتمع، ويحمل بعداً قومياً واضحاً يبرز بصورة جلية في مقالاته ونصوصه، والمتتبع لشعر خليفة الوقيان يجد نفسه في فضاء مفتوح يتوشج بآفاق رومانسية تتجلى عبر العديد من نصوصه الشعرية، كما في ديوان (تحولات الأزمنة- 1983) مثل قصائد (لا أدري- ليلى- أشواق مبعثرة) إلى جانب التزام شعري يندرج في سياق الضرورة بقضايا أمته العربية مما يوحي بانتماء عميق لها يصدر عنه ويتمثل في عدد من نصوصه توزعت على دواوينه الثلاثة (المبحرون مع الرياح 1974- تحولات الأزمنة 1983- الخروج من الدائرة 1998)·
ولعل الحيز الأكثر تجلياً في شعره، والذي طبع كثيراً من نصوصه تلك التصويرات الحادة، التي تنطلق من وعيه الاجتماعي بوجود خطر داهم يهدد إنسانية المجتمع الكويتي وحريته، ويسعى للقضاء على مظاهر الحياة فيه وإلغاء خصوصيته وهويته، فاخترق بتلك التصويرات التخوم البشرية غائراً إلى ما ورائها إظهاراً للأعماق النفسية لذلك الخطر وطبيعته، وأصبحت من السمات البارزة لأسلوبه أثرت على بعض الشعراء من بعده، فكان أن انتظمت رؤيته الشعرية المنبثقة من هذه الدائرة في ثنائية متضادة (الليل ضد النهار) اندرجتا في صراع مستمر عبر نصوصه، فوظف هذا الصراع في صور درامية، تحرض على الالتفاف إلى الواقع ومساءلته·
" ولا شك أن التمركز من قبل الشاعر في سياق يستظهر الحالة المستقبلية للمجتمع بافتراض التحقق الكامل للخطر يدل على موقفه التنويري من طبيعة تشكل هذا المجتمع وسيرورته، موقفٍ يصدر عن خبرة استقرائية تؤكد أن ذلك التشكل ينافي حقيقة الإنسان وطموحاته وآماله، وتعلن عن مقولاتها عبر "فعل نزف" للإيحاء بسلوك مكافح وعميق الإيمان بكينونته··
"أكتب بمداد الشريان
وحي الإنسان إلى الإنسان
أطلق نجمات الصيف المحبوسة في القضبان"
(الطاعون)
· وقد يكون هذا الموقف إزاء تطويق الجميع، وإيقافهم عند لحظة قديمة من الزمن مصدراً لبث أشكال الصراع بين البنية المضمحلة للنهار والبنية الطاغية لليل، فالخطر المتوسع يتم التقاطه في تصويرات حادة يتسلل من خلالها شعور عام بتهديد الحاضر للطمأنينة والسكينة·
· والشعور العام بوجود خطر غير طبيعي يترك في الإنسان انطباعاً شديداً بأنه مقبل على الغرق في الظلمة، والإحساس ببشاعة هذا الخطر يخدش عبر اللغة السكون المصاحب دائماً للتأملات الراقية، والرغبة القوية في "إيضاح الرؤية" تجعل "الظلمة" بكائناتها ودلالاتها تأخذ حيزا في الذات الشاعرة التي تسعى لتشكيل خطاب شعري له القدرة على استخدامها في أعمال إبداعية مضادة ليستطيع من خلالها تجسيد ذلك الخطر وجعله قابلاً لإدراك الناس·
"تفجر
إن دود الأرض يزحف
والدَّبا المسعور يحصد حقلك الأخضر"
(تعويذة في زمن الاحتضار)
· وهذا الخطر الداهم يهدد الحياة الحقيقية وبهاءها بالفناء والهلاك، فالحقل الأخضر يحصده الدَّبا المسعور، والنبع الرقراق تسعى نحوه الأفاعي (الطاعون) والبلابل تلوذ بالقفر وتندب الحلم الشريد (من مذكرات حمار) ونبض الروح تسرقه الذئاب السود، والنجوم يحتز أعناقها ليل قاتل، ووجه الشمس تنسج الغربان في قسماته رؤيا ظلامية (تعويذة في زمن الاحتضار)··· إلخ·
· وهذا الخطر ليس خارجيا ليتمكن الناس من فرزه وتحديد ملامحه، بل يتفاعل في الداخل ويبرز عبر مظاهر ظلامية بدأت تتوسع··
"إن أفعى الدار تخرج
من شقوق·· صخور جدرانك"
(تعويذة في زمن الاحتضار)
· ومما يضخم من هذا الخطر غير الطبيعي أن عناصره المعادية لإنسانية المجتمع لا تواجه سوى ردود أفعال هشة ومتفرقة، في مقابل امتلاك حركتها لحشد هائل من الطاقات محذرة فكرياً ونشطة سلوكياً، فهي تعمل دون كلل بوتيرة متجانسة وبتواطؤ كبير فتمكنت من تحقيق كثير من المآرب والأهداف والمكاسب، واستطاعت بتوظيف أيديولوجيا المجتمع من الانتشار السريع بتسهيلات من أطراف خفية، مما شكل انطباعاً حاداً عن أن المجتمع يتعرض لـ "حالة قتل عام" فتحولت الحياة فيه إلى غابة مليئة بكائنات الظلام المرعبة، وتعددت فيها أشكال الوباء·
"هل تبصر في هذي الغابة
أسراب الخفاش
الدود، النمل الوحشي
كل الطرقات المكفنة بالصدأ العفن
السل، الجدري، الطاعون"
(الطاعون)
· إن التعبير عن واقع "مظلم" عبر الكائنات الليلية (الخفاش، الدود، العنكبوت، الأفعى··· إلخ) يمثل تثويراً لمخزون معرفي في ذواتنا يصوغ نظرتنا العامة إلى تلك الكائنات وارتباطها في تخيلاتنا وتصوراتنا بمشاعر الفزع والخوف، والدفع عبر النصوص بحضورها الساكن وتصرفها المطلق يعطي أبعاداً رمزية تعمل على "تعميق القلق" تجاه الواقع المستلب·
· تلك الكائنات الليلية تصبح الصور الحقيقية عبر الرؤية الكاشفة لمضمون شخصيات لها شكل البشر فقط، إنها (الخفاش) الذي يعيش في الزوايا والأماكن المهجورة الضيقة، وعلاقته مع الحياة علاقة مقلوبة، وعندما يطير يكون مضطرباً وعشوائياً، وهو شديد الشهوة للدماء، و(العنكبوت) الذي هو عند (فيكتور هوغو) حيوان محكوم بالشر لأنه يختبئ في الظلام ويقيد فريسته بقيود مميتة، ورغم صغر الواحد منه إلا أن كل القوى الشريرة تتكشف فيه، و(الدودة) ككائن حقير ومقزز، تمثل الجسد الحي للتلوث، فوجودها واستمرارها دليل دامغ على تحول صورة المكان تدريجياً إلى صورة قذرة، و(الأفعى) كائن من طبيعته الشر، فأداة ومادة القتل كالأنياب والسم جزء من شخصيته، وهو رمز للنهش والابتلاع، والانسلاخ عن الذات، وإلى آخر تلك الكائنات·
· ونقول إن القدرة على "الإبصار" كنمط سلوكي يتمتع به الشاعر مدفوعاً بهاجس الانتماء العضوي للمجتمع يجعله يتجه إلى صياغة هم مشترك يريد إدخال الآخرين في صميمه، فهو يسأل صديقه الشاعر (علي السبتي) في قصيدة (الطاعون)··
"هل تبصر في هذي الغابة؟"
وهذا يحيل إلى أن الشاعر لا يشاهد ويصف إنما يبصر ويستجلي، فتلك الكثرة المتحركة ذات الطبيعة الاستبدادية تصدر عنها محاولات حثيثة لتدمير الوعي وتهميش الإدراك للحياة، وتثابر من أجل "اعتقال العقل" عبر استمرارها في الحاضر وإصرارها على الظهور بشكل معلن، بموازاة تحركات سرية فاعلة، وهو أمر شديد الفظاعة، فتلك الأفعال في جوهرها غير إنسانية، ولا تنتمي إلى معرفة حقة بالكون والوجود، وهنا يتعين ارتباطها بـ "الظلمة" مما يحدو بالخطاب الشعري أن يسلط أضواءه على أوجهها ويبين سلوكياتها عبر حامل رمزي دون أن يصبح لطيفاً في مقابل فعل أكثر بشاعة·
· وذلك الشكل من الإعلاء لـ "عبثية الخصم" هو نوع من الاعتراف بإنجازاته المدوية، التي تندرج في صور من التخريب المدني الفاعل معنوياً، الذي ينتج عنه إعادة الحياة إلى سياق بدائي· وهذا الاعتراف ليس مصحوباً بالهزيمة، بل دافع للمواجهة الشاملة واستنهاض الطاقات الكامنة··
"تفجر/ أيها الغضب المهجر/ أيها الألق المغيب/ في المدى المخنوق/ في الأفق المعفر"
(تعويذة في زمن الاحتضار)
· فالشاعر يظل مدفوعاً بالأمل، تاركاً يقينه التام بإنسانية موقعه في الحياة يشكل نظرته المضادة تجاه السعي الشامل والكلي للآخر، ليس قتلاً مقابل قتل، وإنما وجود مقابل وجود، ليتسنى الخروج من الدائرة·