رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 6 محرم 1422هـ - 31 مارس 2001
العدد 1470

قصة

امرأة أخرى

 

د. كلثم جبر

اشتقت إليك هذا المساء.. كما لم أشتق إليك من قبل··

انتظرت هطول مخابرتك الصباحية التي وعدتني بها، لكنها لم تأت، أتيت بالهاتف وجلست أترقب رنينه، لكن صوتك لم يأت، لذا لم أستطع القيام بأي عمل، ظللت طوال النهار أترقبه!

 

(1)

 

حينما تزاحمت الأشياء في الذاكرة، لم تستطع أن تصرخ بقوة أو تقطع ملابسها ولا أن تغرس أظافرها في لحم وجهها فهي كأية امرأة عربية أخرى عليها أن تلتزم الصمت والهدوء وأن تحتوي انكسارها وتبتسم· وحينما دلف (أبو محمد) كان عليها أن تقبل كتفه، وأن تتناول العباءة من فوق يديه وتعلقها على "الشماعة" القريبة من الباب·· وأن تتناول بعد ذلك "غترته وعقاله" وتعلقهما أيضاً وان تبتسم بألم، لكنها لم تفعل ذلك، وظلت صامتة واقفة تترقبه وهو يقوم بكل هذه الأشياء·· نظر إليها مبتسماً:

- لم تسأليني بعد ماذا حدث··!

- ····!

- سأخبرك أنا، لا شيء يا ابنة العم يذكر سوى أن هؤلاء "الهنود" قد أتعبوني· لو أني أستطيع أن أستبدلهم بـ "كوريين" مثلاً لكان أفضل، هؤلاء أنشط وأولئك أرخص، وفي الحقيقة تعبت أنا من المقارنة·

"وتعبت هي نفسها من ذلك الحوار،  وماذا يهمها من الهنود أو الكوريين أليس في الحياة ما يمكن التحدث عنه سوى هذه الأشياء··"·

رددت أبيات ناظم حكمت··

إن لم أحترق أنا··

وتحترق أنت··

ونحترق جميعاً··

كيف يخرج من الظلمات نور··؟

تجشأ (أبو محمد) ضاحكا وظلت عيناها ترقبانه بصمت:

- هل أعددت الغداء؟

- توارت من أمامه لتدعو "صبيحة" لإعداده وهي زنجية متوسطة القامة، حالكة اللون، سريعة الحركة وتتمنى دوماً وأبداً أن تتزوج··

- تفضل يا أبا محمد الغداء قد أعد·

وتوارت "صبيحة" بعد ذلك في الداخل بينما دلفت هي في الأمام وتبعها (أبو محمد) مبتسماً·

هاجس آخر··

كنت كل مساء أجدل أشواقي إليك، وأحلم أن أتوسد كتفك وأن أبحر بقارب حلمك·

داهمني صوتك على البعد في الذاكرة، فهجرني النعاس، تسللت إلى رأسي وإلى ثيابي وفي قارورة عطري سكنت، كنبتة صبار عنيدة مشاكسة، نبتت من داخلي فرفضت أن أقتلعك فاستقمت وبت تتدفق مع دقات قلبي الصغير عطشى كما الأرض المجدبة المتلهفة لحبات مطر تبلل هجيرها·

هل أغمض عيني وأترقب مخابرتك غداً؟!

 

(2)

 

"ناحت الورقا في ليل··

ذكرت قلبي الرحيل··

آه·· يا ويل المفارق"·

صدحت الأصوات بالغناء، تعالى صوت الدف، زغردت السيدات وتوارت الفتيات ضاحكة تهادت العروس بثوبها الأبيض، ابتسم (أبو محمد) قبل ثلاثين عاماً كانت هناك ليلة مشابهة لمثل هذه الليلة،، وكان يزف لأخرى باختلاف المكان·

ترقرق الدمع في عينيها وهي ترمقه·· حاولت أن تداري الدمع خلف الخمار الذي يلف رأسها ووجها·· وعيناها تبدوان من خلفه·· بينما انسدلت خصلاتها حتى أطراف ظهرها·

همست لها رفقيتها:

- إنك في أروع صورك هذه الليلة!

آه·· كم هي موجوعة، والدف يصرخ بين يديها، في حين تلاصقت أجساد الفتيات حلقة متكاملة· لا يعلم أي من الموجودين من هي·· فهي دائماً تتخفى تحت الخمار الأسود والعباءة السوداء وتتسمى باسم آخر·· ولا تحدث·· فقط تغني·· وتغادر الحفل قبيل منتصف الليل كما سندريلا الهاربة قبل أن تكشف هويتها ويتبدل الثوب المطرز بالخرز إلى تلك الأسمال البالية·· هكذا هي·· لكنها ذلك المساء·· لم تتعجل الرحيل، كانت تنقر الدف وكان صوتها يجهر بالغناء·· وكانت تبكي دون أن يلحظها أحد·

ترقب

وأيضاً اشتقت إليك هذا الصباح كما لم أشتق إليك من قبل··

هطل الشوق غزيراً متدفقاً بداخلي، فأرعدت سمائي، وأبرقت، وأمطرت حزناً وازددت اغتراباً·

لقد تقمصني الحزن بقسوة وحملت شوقي المتدفق في قلبي الصغير وطفت الشوارع بحثاً عنك·

أترقب مخابرتك كطفل يتيم يحلم بليلة العيد، وملاك يتسلل من النافذة أو يهبط عليه من كوة المدخنة ينفحه هداياه·· فلماذا لم تتصل بعد؟!

 

(3)

 

صرخ الطفل في جوف الليل لكنها لم تتعجل الذهاب إليه، واصل الصراخ، لكنها لم تذهب أيضاً!

فرك (أبو محمد) عينيه كان قد تناهى إلى سمعه صوت صراخ الطفل من الجهاز المعلق في السرير فوق رأسه·· امتدت يداه تبحثان عن (أم محمد) كانت الوسادة باردة تحت يديه، خالية، لم يجد خصلات شعرها أو وجهها·· أو··

تقلب ومن ثم اجتاحه صوت صراخ الطفل بقوة·· سحب اللحاف وانزلق إلى الأرض·· ولغرفة طفله ذهب·· كان يحمل الطفل فوق ذراعيه·· كان الطفل قد بدأ يصمت·· لكن (أم محمد) لم تكن موجودة في أنحاء المنزل طاف يبحث عنها·· وفي الزاوية تحت الإنارة الضعيفة كانت تقرأ·· كانت ركبتاها مكومتين حتى وجهها وبين يديها كومة رسائل كانت قد كتبتها منذ زمن وجيز حينما كانت تبحث عنه·· وتنتظر مخابرته··

وحينما جلس في مواجهتها وطفلهما لم ترفع وجهها إليهما·· بينما هرعت "صبيحة" بعد أن تناهى إليها صراخ الصغير·· تتناوله من يد أبيه وتذهب به للفراش··

وكانت إطلالة الدهشة تقفز من عيني (أبو محمد) وهو يسابق الكلمات فوق الورق إنها تلك الرسائل التي بعثت بها إليه في يوم ما··

ترقب آخر··

هطلت على أرضي بقسوة وحنان·· وأرعدت في سمائي دونما رحمة·· وفاجأتني يوماً ما بامرأة أخرى··

ولم أزل أحبك·· واشتاقك!

هجرني النعاس وتناثرت النجوم في سماء حلمي·· تبادلني الشجن، وتداعب خصلات شعري· إنك لابد أن تحلم بي اللحظة·· ألم تقل بأنك تستحضر وجهي كل مساء وتعانقني في الحلم··؟

داهمني الشوق إليك فلم أستطع أن أنام·· لأني لم أتصور أن تهديني امرأة أخرى في ليلة عيدي بينما أغمض عيني وأترقبك تنسل من الباب تهديني فرحا··

كيف استيقظت في ذاكرتي هذه المرأة هذا المساء·· وكيف لم أستطع إلا أن أتذكرها بعد أن نسيتها أو تناسيتها!

 

(4)

 

سحب الأوراق من يدها··

قرأ رسائلها إليه في يوم ما··

قرأ الرسالة الأخيرة (ترقب آخر) كانت مدونة بتاريخ هذه الليلة·

رمقها بنظرة غاضبة·· مالبث أن تلاها بنظرة حانية·· احتواها في صدره··

يهمس:

- لماذا تعفين نفسك من مسؤولية الزواج الثاني·· بعد أن رفضتني أعزب وقبلت بي متزوجاً بعد ذلك!

طباعة  

إضاءات
 
في أسبوع ثقافي أقامته في دمشق
فعاليات "دار المدى" تنوعت بين الفكر والسياسة والشعر

 
إسماعيل فهد إسماعيل يحاضر عن "الكويت وإسهاماتها في الثقافة العربية"
 
عالم المعرفة: "النهضة العربية·· واليابانية" يفوز بجائزة التقدم العلمي
 
في محاضرة له حول "الإعلام والتحديات" كان التعقيب محاضرة أخرى تميزت بالصراحة والشفافية
مبارك العدواني: ضرورة أن نعي اتجاهات ومتغيرات الساحة العالمية وتأثيرها على إعلامنا الكويتي

 
الطليعة" تنشر برنامجها الثقافي مساهمة في احتفاليات "العاصمة"
 
وتد
 
أجيال
 
من هناك