كتب نشمي مهنا:
بعنوان "علي السبتي·· رؤية شعرية" قدم الدكتور فايز الداية محاضرته مساء الأربعاء قبل الماضي في رابطة الأدباء، مؤكدا ريادة السبتي الشعرية في الكويت والخليج العربي، أدار المحاضرة وقدم لها القاص حمد الحمد·
بإشارة المحاضر إلى ريادة السبتي الشعرية تطرق الى مجايلته لبعض الأسماء الشعرية العربية البارزة، وبروزه بعد جيل الرواد الأوائل كالسياب والبياتي ونازك الملائكة، كما عايش صعود صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي ونزار قباني وخليل حاوي·
كما أشار د· الداية الى أن بعد السبتي عن قلب العواصم العربية التي كانت تصنع نجوما وتدفع نحو انطلاقات الشهرة العربية غيب ريادته هذه وسبقه في تقديم قصيدة التفعيلة التي كتبها عام 1955 "قصيدة رباب"، هذا إذا أخذ بمصطلح "المركز والأطراف" الثقافية في عالمنا العربي·
وقال الداية إنه رغم انقطاع شاعرنا السبتي لسنوات عدة، إلا أنه برهن على أصالة الروح الشعرية فعاد الى القصائد، ونشر ديوانه الثالث (وعادت الأشعار 1997) وقبله (أشعار في الهواء الطلق - 1980) و(بيت من نجوم الصيف 1969) ويرى المحاضر أن تلك المسيرة تعد بإخلاصها لفن الشعر وديمومة العطاء والرغبة في توصيله، بينما نجد الشاعر عبدالمحسن الرشيد يتوقف منذ السبعينيات في الكويت، وينتشر فاضل خلف مع القصة والخواطر والمقالة من غير أن يفسح للشعر الموقع الأساسي من نشاطه الأدبي· ويرجح الدكتور الداية في محاضرته القيمة أولية طرح رمز السندباد لعلي السبتي في ديوان الشعر العربي الحديث، فبالعودة الى تأريخ قصيدة "رباب" التي تشير الى عام 1955 وهي الفترة نفسها التي ظهر فيها هذا الرمز (السندباد) للمرة الأولى في شعرنا الحديث حيث تزامن مع بعض الإشارات لدى صلاح عبدالصبور، إلا أن المحاضر يرجح أسبقية السبتي في استخدام ذلك الرمز من التراث العربي·
ويتوقف الدكتور الداية أيضا عند شخصية السبتي التي شكلت عنصرا نشطا في الساحة الأدبية في الكويت، حيث حفظت له الساحة بعض المحاورات الشعرية مع عدد من أصدقائه الشعراء (أحمد العدواني، خليفة الوقيان في قصيدته "المبحرون مع الرياح" وسامي السلطان، عبدالله العتيبي، عبدالله سنان)، كما حاور في قصائده بدر شاكر السياب وقصيدة أخرى حاور فيها روح شاعر الكويت فهد العسكر "هكذا يتحدث·· فهد العسكر" التي ضمنها ديوانه "أشعار في الهواء الطلق"·
وانتقل الدكتور الداية الى التخييل في الرمز لدى السبتي، حيث تحدث عن سطوعه وانبثاقه من داخل الموقف وتركيبه كما في رمز السندباد الذي تماهى مع تجربة البحار الكويتي والخليجي، فكان عمقا في التاريخ والأسطورة الشعبية،كما يتمتع بعلاقة باهرة مع مرجعية المتلقي القريب والعربي الذي يحس بأنه قادر على المشاركة في التخييل بحماسة لأن جلال الماضي والأسطورة يمتزج مع عزم على تغيير الواقع·
وأضاف أن ثمة رموز لدى السبتي كانت تستحضرها مكانية القصيدة وتجربتها في عشتار وتموز مع السياب وجيكورة ورمز المسيح وثمة رموز مرت مؤثرة من غير افتعال أو ازدحام (نيرون، يهوذا) وتجلت الرموز الطبيعة في مواقع (الثعبان)·
ويضيف أن تناول السبتي للرموز والأساطير كان مرتبطا بغاية هي التواصل لا الدخول في ضبابية تعميّ العلاقات وتفصل المتلقي عن السياق، ذلك ما يؤكده بعد الشاعر عن الاستعراض وإبراز الأنا التي توقع آخرين في براثنها فتنهار كلماتهم تحت ركام زائف ينفي حضور الإبداع بمعناه الموازي للفعل والقدرة على إحداث نقلة في وجه الواقع ليغدو شعاعا من الغد الآتي بالحلم·
الصورة الجمالية من خلال الرؤية الفكرية
يضيف المحاضر أن تجربة السبتي تميزت بمقاربة جماهيرية اقتربت أحيانا من السردية، والمباشرة، وارتفعت في أعمال كثيرة الى سمت محكم في بنيته الفنية تخييلا وإيقاعا ودلالة، وترجع هذه الحالة الى التوافق بين الشاعر وأهدافه ورغبته في التوصيل وإحكام الرابطة مع الأجواء العامة لتكون الكلمة نبضا من الفعل وهكذا لم يقيد حركة فكره بقوالب جامدة من حيث هي مهدئ ومؤثر في الدفق الشعوري، ويتمثل ذلك في جانبين هما الإيقاع والموسيقى من جهة والتخييل الرمزي من جهة أخرى·
فقد تنوعت التجربة الموسيقية لدى علي السبتي ما بين القصيدة الكلاسيكية وقصيدة التفعيلة والموشح، بل إنه أدخل مقاطع من الشعر الشعبي في قصائده، ومزج السبتي بين الألوان الموسيقية هذه في عدد من القصائد ولم يكتف بتنوعها في قصائد مستقلة، وهذه استجابة لطبيعة التفاعل مع الموقف، وقصد الى تأثير يتماوج معه المتلقي بحسب مراحل التجربة·
يحدد الدكتور الداية أربعة محاور أساسية تتكرر في حضورها مما يعني التوازن والنزعة الى بلوغ الهدف الذي لم ينكفئ الى محور واحد، أو يتبعثر في شظايا كثيرة·
- محور أحاديث الرومانسية بينه وبين من أحب وعانى أو اقترب من وصال، تضاف هنا قصائد حول الصداقة التي شغفت النفس بصدقها ووفائها:
18 بيت من نجوم الصيف
10 أشعار في الهواء الطلق
11 وعادت الأشعار
- محور الحب وقضايا المجتمع الفكرية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية فالشاعر لا يتحدث حالما بل تتشابك هذه القضايا ويغدو الإنسان بعضا من التركيبة المعاصرة في مجتمع يعيش مخاض التغير ورياح التحول·
7 بيت من نجوم
8 أشعار في الهواء
9 وعادت الأشعار
- السياسة والوطن وقضاياه على امتداد الوطن العربي وما كان يمور فيه منذ الخمسينات، من اتجاهات الاستقلال والحرية والمشروع القومي والنهضة الحداثية بمعناها الواسع لا المذهبي الضيق
6 بيت من نجوم
8 أشعار
24 وعادت الأشعار
رؤية السبتي الشعرية
يؤكد الدكتور الداية أن هاجس بلورة الإبداع الشعري يساور علي السبتي في كل مراحله منذ الديوان الأول حيث يلحظ القارئ ثلاثة مواضع يتحدث فيها عن طبيعة الشعر وارتباطه بالآخر الذي لم يكن من النخبة بل تطلع الى ساحة فسيحة يتغنى بالحياة من خلال دفقات أفئدة المحببين، ويكافح من أجل أن يصور خطا المجاهدين وأولئك الفقراء، إنه كان يحلم بعيشة فيها العدالة ولا تطغى المادة وسلطانها على النفوس وتثقل لسانها وخطواتها، ثم تراه في ديوان (أشعار في الهواء الطلق) يتابع في ستة مواضع رؤاه للشعر ونلحظ أنه لا يحب التزويق والبهرج رغم أن العملية الإبداعية مرهقة ومضنية، إنه يقدم خيوطا يحاور الدنيا كيما تكون أجمل وأعمق وأكثر صفاء، وضم الديوان الأخير أربعة مواضع حول الرؤية الشعرية ومن خلال هذه الكلمات يرى المحاضر رغبة السبتي في التواصل مع المتلقي الذي هو بعض من شعره نفسه ويصرح في مواضع بأن من هؤلاء من خيبوا الظن ومع ذلك فهو ينتظر من يتزامن نهوضهم مع نهار جديد·
ثم اختتم الدكتور الداية محاضرته بقراءات مختارة من أشعار السبتي في "هوائها الطلق"، كنماذج تعضد ما رآه الداية في "رؤية علي السبتي الشعرية"·