الكويت - عاصمة الثقافة 2001 - الواقع والطموح
حميد الأمين
كل شيء يصدأ إن لم يتحرك، حتى الماء الذي يحيي ويطهر ما في الدنيا إن ركد زمنا قصيرا فإنه يفسد، لكن نفسي كالفرس الجموح يسخنها جري قلبي الذي يضرب على خاصرتي فتعجز أقدامي عن اللحاق بأشواط الحياة التي لا أستطيع أن أتواجد في كل ميادينها في آن واحد سيما وأن لجام عقلي يشدني الى الوراء فأعود أثور على نفسي·· تلك هي العذابات التي تنعش فكري ثم يهدأ قلبي فاتحا بابا كبيرا يسعى لإدخال كل الناس الطيبين ويتسامح مع من هم ليسوا طيبين فيبدأ عقلي يثور من جديد، يلوم قلبي الساذج، عندما يتدخل القلم كالمبضع يفصد دمي، يغمس ريشته ويسجل· لكن كتاباته تظل لا تعدو أن تكون محاضر شجار لدوائر الشرطة رغم أنه اتخذ بنحافته وطول لسانه شكلا شيطانيا· فقد ظل كيده ضعيفا·· أبدا لن يقترب من ملامسة روحي التي رغم العواصف والنيران يلونها قوس قزح··
أجمعوا لي موسيقى الكون وتغريد الطيور وخرير المياه وصمت الأرض ووقوف الجبال وسير الغيوم ولمعان النجوم وباحات المعابد، فسوف لن تكون أكثر من وتر واحد في قيثارة نفسي، فإذا ما عزفت أوتارها جميعا في آن واحد فسوف تقودني الى الجنون·
كيف يمكن لموظفي وزارات الإعلام في بلداننا أن يقتربوا من قيثارة هؤلاء العازفين بأقلامهم وهم قد ألفوا صوت "بندول" الساعة وجرس انتهاء الدوام· عودتنا الكراسي الرسمية أنها لا تعرف غير قرع الطبول ولقد تحايل البعض ممن يعرف العزف على لحن عذب أو شجي فترك كرسيه الرسمي برهة ليذهب الى إحدى المقاهي ويضع لحنا ثم يعود مسرعا الى كرسيه جسما جميلا يستطيل كقوالب الخشب المسندة، فمنذ أن قذف هولاكو بحبر الروح على مياه دجلة الذي لم يستطع أن يظهرها بل فاض دما، أخذ أحفاده يكتبون سيرته بمدادها، يعظمونه لبناء بعض أبنائه حاضرات "كبخارى وسمرقند" وظلت الكتب تدون في مخابئ سرية تضع ألحانا جديدة لعزف الحياة الذي لا ينقطع، يخبوا بعضها وينقطع الآخر حيث أن المثقفين الذين يرحلون عن بلادهم لا يحسنون صنعة جمع المال، فإذا ما تصارع الأدب مع السياسة والفكر وتأمين العيش فإنه يقودهم الى هاوية اليأس فالمسافة ما بين الاحترام وسلطة المال لا تقوي أرجل المثقفين الناعمة كأوتار موسيقاهم على قطعها·
قال بيكاسو "أحب أن أعيش عيشة الفقير ولكن بثروة كبيرة"
لقد حمل في قوله هذا الكثير من الأثقال، أخفها أنه لا يريد أن يفسد الترف إبداعاته أو أن يجعلها تتوقف وأنه لا يريد للمال أن يكون مرهما للجروح وإنما يريد جروحه مفتوحة لكي يتابع إبداعاته، هذا إذا تغاضينا عن أن المال هو سبب معظم الجروح وفي عين الوقت لم يتجاهل أن سوط الذل تحاك جدائله في بورصات المال·· لكنني سوف لن أجد قرية منعزلة كمزاج مثقف لا تدخل له بسهولة، وإن كنت فضوليا وألححت في الدخول فسوف تأسف على ذلك لسماعك ما لا يسر· فكيف دعوته الى دارك المكتظة بالزفير والدخان·· لا أحد يضمن ماذا يقول······
ربما تراءى له زفير نجاة الصغيرة وهي تنوء بكلمات كامل الشناوي، أو أنه يرى بدخان زهور حسين توقد للمواكب الحسينية النعي والنواح·· فتطيب له الإقامة عندك·· وربما رأى في الأفواه المفتوحة بالزفير أوعية مجترات تتأهب لالتهامه وفي الدخان محرقة لعظامه مع الفضلات يشعلونها لطرد الرائحة فيفر منك·· اتركوا المثقف يأتي ويذهب مرات كأنه يذرع شارع الحبوبي أو شارع سليمان باشا·· دعوه يدخل من بوابات الكويت القديمة بمجرد طرقها، فإذا ما وقف على نافذة شرطي الهجرة وتأخرت الكشوفات ومنع من الدخول لساعات فإنه سيشعر ببقائه في حجر صحي للأمراض السارية·· كيف لكم أن تقتربوا من روح الفنان وأنتم تريدون الصورة لامعة جميلة وهي لا تكتمل عنده إلا إذا ظهرت الشقوق والتجعدات، فرموشه التي تنطبق على عينيه كالنور الذي يلي النافذة يمنع الذباب في الدخول ويسمح للإضاءة·· من يدافع عنه إذا ما عزف على وتر لم تعتادوا سماعه في بلد تقبل فيه الحكومة وأعضاء البرلمان الشتائم ويهرع المحامون لإقامة الدعاوى في المحاكم على الضحايا انتقاما لكبريائهم حيث ينضمون الى أصحاب الإعلانات المدفوعة الأجور·· إنه جسد وروح وصوت يتواجد في أماكن مختلفة لأزمان مختلفة لا يمكن احتواءه في مدن تلم أطرافها أحيانا وتفصلها أخرى·· لا يذكر من رمضان قدسيته فقط وإنما زمنا يعيده في كل عام الى أيام الطفولة فمنذ أن ولد والى الآن يأكل في رمضان الأصناف نفسها التي اعتاد عليها صغيرا· الحلوى، الشربت، طقوس البسملة، الأكل النهم، السهر·· وإذا ما صلى أواخر الليل تمتد قامته الى ما وراء السماء حيث تكتوي بنار الشمس حينا وترتجف لبرد القمر أخرى·· يجد في ترتيل القرآن لونا فريدا لا تحويه ألوان قوس قزح، لا يبزغ طوال العام، فلعله يؤكد بذلك نزوله في هذا الشهر، فوهج آياته يزداد دفئا وتلوينا لا تبصرها عيون وقلوب بعض أصحاب العمائم الذين يرددونه كأحد المقررات· حين رأت عيون محيي الدين بن عربي هذا السني توقفت المطابع عن طبع كتبه في قرننا هذا وأمرت قوات الحدود بمنع مرورها مع أن الندوات الإعلامية تبرزه دائما كأحد النادرين في تاريخ ثقافتنا·· هذه المناداة تشبه نداء السماسرة على بضائع لا تتوفر في الأسواق·
"علق المحتوى على سارية وأفرغه خلسة أو علنا"· إنها مزحة تافهة لا يضاهيها إلا توظيف برزان التكريتي ممثلا لحقوق الإنسان في جنيف·
لا تجعلوا الجانب الإعلامي يطغى على الثقافة فالجواد الأصيل لا يفوز في سباقات العدو بزينته لكنه إن ظل واقفا فإن أنظار المشاهدين تتفحص الزينة وليس الحوافر وهذا ما يريده مروجي الإعلانات·· الشكل الذي يزول بزوال الصورة ليستبدلوه بإعلان آخر·· فالعولمة تركب صاروخا ملونا اسمه الإعلام فهو سريع الانطلاق سريع الانمحاء من الذاكرة· ومع ذلك فإننا ننادي بوجوب حضور الإعلام، فالحدث الثقافي بدون وجود الإعلام كالقبر دون شاهد، لكن لا تجعلوا الشواهد بديلا عن القبور فتكف الناس عن زيارتها، ولنا في ندوة مجلة العربي لعام 1999 خير مثال على اتساع الحدث الثقافي بنوعية مفكريه، بعمق المسائل المطروحة، برقي الحوارات، يصاحبه إعلام أقل اتساعا يشير فقط الى أنه ها هنا يتواجد باب كبير لا يفتح إلا بغرز آلاف المفاتيح ليس لدى الإعلام مفتاح واحد منها إلا أنها فقط تستطيع أن تصور شكل الباب الكبير، أما مفاتيحه فإنها لدى المثقفين وليس لدى الإعلاميين·