قراءة
علي حسين الفيلكاوي
استكمالا للقراءات الأربع المعدة في أعمال الشاعر الدكتور خليفة الوقيان للمشاركة في الاحتفائية المقرر تنظيمها من قبل (الصفحة الثقافية في الطليعة) قريبا، وذلك استفتاحا لبرنامجها الثقافي ضمن احتفاليات الكويت 2001 عاصمة للثقافة العربية· ننشر هنا قراءة الشاعر علي حسين الفيلكاوي:
من الوهلة الأولى لقراءتنا مجموعة نصوص الخروج من الدائرة يطل علينا ذلك الإنسان المدرك الممتلك لإدارة الوعي المتعمق والممتد خارج دائرة السكون والجمود بإرادة الكلمة وحيوية الصورة اللامتناهية ولعلنا نشاهد ذلك التوافق بين عنصري الوعي المتعمق والادراك المتداخل في زوايا الحس الفني وتأثيراته المتدفقة في بناء القصيدة المفضي لفضاء التخلق·
إن ما يقود مجموعة قصائد "الخروج من الدائرة" إلى ذهول نهاياتها ويتشكل كعنصر مشترك على مدى مساحات النصوص هو ذلك الهاجس الكامن في أعماق الشعور المنبثق نحو فضاء الحرية والتغيير وكسر طوق التعصب والانغلاق وهي تلك النزعة الأصيلة نحو الانطلاق من محدودية التقليد المتكرر والمضيء نحو التعدد الواعي ولعل سعة الإدراك والاستجابة المتخلقة عن اللاوعي المتحفز جعلت كل ما يتكون خارج هذا الوعي مشغولاً دوماً بقضية ما ومن ثم صيرورة هذه القضية بفعل اللغة إلى عمل مبدع امتلكت النصوص على أثره ما يشبه العين الجوالة المتخطية للحاضر الزمني والمستشفة للمستقبل في بعض قضاياه، حيث تندلق بين طيات بعض النصوص رائحة النبوءة المنطلقة من رؤية وطنية خالصة، وهنا يمكننا أن نلحظ أيضاً النزعة الوطنية والقومية، التي أخذت بدورها تصوغ ملامح المؤثرات الرئيسية التي تعتمل في أعماق نصوص "الخروج من الدائرة" وهي تلك النزعة المتجسدة بمبادئ صادقة حملت هموم الوطن وأحلامه وتصدت للذود والدفاع عنه ولعل المهمة الوطنية الدقيقة التي تميزت بها نصوص (الخروج من الدائرة) في اتجاهها الوطني هي انها لم تكتف بالدفاع والذود عن قضايا هذا الوطن ولكنها أخذت دور المعالج لما يعتمر هذا الجسد الوطني من تفتت ووهن وانتكاسات متتالية والتصدي المتواصل لعملية التخريب اللاواعية المنبثقة عن ذات الجسد الوطني، الذي كان ومازال يعاني من انسحابات وتفشي ذات الأمراض الظلامية التي لامست وجدان الشاعر واستفزت مشاعره بشكل مثير ومبكر استطاع بوعيه المدرك، أن يستشف مكامن الداء، ويدرك مدى خطورته، أن يبحر ضد تيار جارف بدأ دون هوادة أو تنكر يقتلع أشجار الفكر المستنير ويضع الحواجز الاسمنتية لبناء جدران الانغلاق على مدار فصول الوطن·
كان لا بد لهذه الرؤية الواعية أن تأخذ شكلها النصي الابداعي وإلا ستبقى خارج اطار التميز والرصد بمعنى ان هذه النصوص امتلكت الأسبقية والتميز في طرح العنصر السياسي الوطني والاجتماعي ذي الجذور السياسية في صدور ساحتنا الأدبية المحلية وذلك بشكل متطور يتوافق والرؤية العصرية في إطار لغوي معبر بطبيعية وعفوية إذ لم يقحم ذلك الشكل الفكري المتطور في مساحة النص بشكل مباشر ومتقصد لكنه كان التوافق والتمازج بين ذلك الوعي الفكري والمساحة اللغوية التي تميزت بقدرة تعبيرية صارخة رفت نسيج صورها بدقة متناهية أحياناً وأحياناً أخرى بعفوية صادقة متدفقة في ظل اختيار لفظي متجانس ومتكامل ما بين سطر وآخر اتسق في إيقاع متناسب ومتتابع اعتمد على عنصر المفارقة والإيهام أو التقاء الضدين أو الجمع بين حالتين تعري إحداهما الأخرى مما يدفع المخيلة باستمرار إلى عالم رحب وخصب مليء بأفق التأمل الذي يخلص في أغلب الأحيان إلى اضافة وعي جديد وتكون آخر لشعور مخزون قابل للتفجر والتحليق من جديد في أي لحظة على أرضية ذهن المتلقي·
··· إن مجموعة "الخروج من الدائرة" هي محاولة دؤوبة لنحت رؤية جديدة ترسم خطوطاً واضحة لما ينبغي أن يكون ومن هذا المنطلق الذي ينبغي أن يكون يتفاعل التصادم الحتمي مع ما هو كائن بالفعل ليتخلق نتيجة لتلك المفارقات المتضادة توهج النصوص الذي يأخذ سياق دلالاته لترتسم على مساحة النصوص تلك التجربة المتميزة المتدفقة من خلال اشتعال المناخ الانفعالي الذي يحاكي تلك التجربة من جهة ويتجاوب مع قضايا مجتمعه الملحة من جهة أخرى· هذا التجاوب الذي يأخذ منحى التمازج والتماهي في أحيان أخرى إذ إنه يعكس ويمزج الفكر السياسي المنطلق من وعي مضيء ووضوح صادق في اتون القضايا الملحة ليتخذ شكلاً أدبياً لاحقاً، هذا الانصهار المتقد لا بد أن يتخلق في شكل أدبي أن يتمثل في صورة أخرى أقل حدية يمكنها أن تضيء ذهنية المتلقي في ذات الوقت الذي تفلت من حصار الرقيب وتكسر طوق الدائرة لتحلق برؤيتها إلى النور فكان استخدام الرمز الذي أصبح كجناحي عصفور يحلق بالمعنى بعيداً عن حدود الظلام نحو الضود ويختبئ تحت رفرفة أجنحته تلك الرؤية الداخلية في شباك الرقيب كلما دعت الحاجة إلى ذلك·
ولذلك كان الرمز مدفوعاً بأجنحة الإيهام للإفلات من المخالب الظلامية ومن أجل سكب أكبر جرعة من الدواء في ذلك الجسد المريض حيث تتركز خلف ستار الرمز غيوم المعنى بينما الصورة الشعرية المتسمة بالنضج تمطر أبعاد ذلك المعنى وتتمدد في شكلين الشكل الأول هو الصورة المغلفة بالرمز والشكل ألا وهو الغابة من وراء هذه الصورة فنحن أمام شكلين وحالتين في صورة واحدة ونحن نمضي في قصائد مثل "من مذكرات حمار" و"تسابيح"، "الهبوط من الجنة" في مستويين من الوعي الأول يسير في مستوى واضح وبسيط والآخر يمضي في مستوى متعمق له دلالته الفكرية المنطلقة من احتدام القضايا الملحة التي يتداخل بها الاجتماعي بالسياسي· ففي "المذكرات" نلحظ تلك الحالة التي اتخذت هيئة الحيوان في شقها الأول وصورة الإنسان في شقها الثاني لنجد تلكما الحالتين في كينونتهما الأولى منذ بدء الخليقة يبحثان معاً وبشكل متساو عن "فراش" عن "معاش" ولما ظمئ ذلك الإنسان حمل له الحيوان المتمثل بالحمار الماء على ظهره وطوى القفار لكي يرفع لذلك الإنسان "الحجر المخضب من دمه"، من أجل أن يتبنى له مكراً لقد ظمئ وشقي وظل وحيداً ليرتوي ويسعد الإنسان ولكن وبرغم كل هذه التضحيات والخدمات يجازى بالنكران والنفي عن دائرة المقربين والإبعاد المجحف عن خزينة العطايا·
"لم يخلق الرحمن لي عيناً
كعينكم
وتطهر من خطاياها القديمة بالدموع
أنكرتم صوتي
نعم
أنا أنكر الأصوات صوتي
حين ترتجف الشفاه
أنا أنكر الأصوات
حين الهامة الغبراء تصدح
في الرياض اليانعات"
يمكننا أن نلاحظ تلك الخطوط السردية التي تمضي نحو نهايتها الدرامية بما تحتويه من رمز مغلق متخفٍ يبدأ بالانفتاح والانسراد تدريجياً ليحتدم وجه المفارقة ولتتوج الصورة في أقصى حالات فوراتها فليس ذلك الحيوان المتمثل في الحمار سوى الإنسان الكادح البسيط الذي أعطى دون أن يأخذ وزرع دون أن يحصد والذي لا يمتلك لساناً للشكوى أو حتى دموعاً يمكنها من خلال ذرفها تخفيف حدة الألم وفي الجانب الآخر من الرمز يتمثل الوجه المظلم أو الضلع الآخر لثنائية الخير والشر بالإنسان المتسلط أو مجموعة من المتنفذين الأشرار أخذوا كل شيء ولم يعطوا أي شيء فلقد سرقوا شقاء ذلك الإنسان البسيط وجيروا كل مكاسبه لصالحهم بينما ظل هو وحيداً منفياً وراء قضبان شقائه·
ويمتد الرمز في جنوح افتضاحاته نحو قصيدتي (تسابيح) و(الهبوط من الجنة) ولعل قصيدة تسابيح امتداد لقصيدة (من مذكرات حمار) من منطلق الفكرة وكنتيجة حتمية لغياب بوصلة العدل الاجتماعي وهي في اتجاه آخر تختلف في التلبس الرمزي حيث يمتد الرمز في جذور متشابكة مع العنصر القصصي المنبعث من النصوص القرآنية حيث يستخدم النص الشعري قصة الطوفان من أجل بنائه السردي في حبكة مثيرة مفتاحها يتجلى بالمقطع الأول
"فوق خد الحبيبة
دمعة تلو أخرى
يمنة ثم يسرى
إن عيسى بن مريم
كان حليماً حكيماً
وكان بما ينفع الناس
أدرى"
بعد تلك المقدمة التي تشكل رمزاً مستقلاً بحد ذاته متكاملاً من حيث الفكرة والموضوع مع الرمز الآخر في بقية النص والمتمثل بالقرية التي أمر الله مترفيها لينتشر الفساد وليشيع الخراب والدمار فوق أرضها ولتنتهي من الوجود مغمورة بغزو الطوفان وهو العنصر الخارجي الذي استخدم كفاصل سردي غير مجرى الأحداث لتعلو في خطوط سردية متشابكة مجسدة الزمن الحقيقي ليتكشف من خلالها أنحاء الواقع وتنمو تلك الخطوط السردية بشكل مندفع وعنيف نحو نهايتها إلا أن الجدار المنغلق يقف سداً أمام هذا الاندفاع لتنمو جرعة الماء ثانية في الفم ولنستشف من أجواء القصيدة تلك الحالة الانتكاسية التي تنذر بتفشي الخراب والدمار تحت هجير هذه الأجواء المغلقة التي في حدودها اندفعت قصيدة (تسابيح) - 86 - لنستخلص في ختامها هذا الكم المركز من السخرية المغلفة بالمرارة والممتد الى التحسر على زمن مضى:
"نحن والصخر كنا الوقود
نحن والصخر نبقى الوقود
جل محصي الوجود
ما تلفظ من كلمة أو تزيد
فعليها رقيب عتيد"
يتكشف العنصر الرمزي كأحد أساسيات النص أيضا في قصيدة (الهبوط من الجنة) التي تتشابك باستخدامها الرمزي مع قصيدة (من مذكرات حمار) حيث يتجلى العنصر الرمزي باتخاذه هيئة حيوان أيضا هو أفعى هذه المرة وتشترك قصيدة (الهبوط من الجنة) أيضا مع (تسابيح) حيث المرتكز السردي النابع من القصص القرآنية إذ تتعرض هذه القصيدة لقصة خروج آدم من الجنة حيث يشكل "أبليس" أداة الفصل الدرامي التي تنقل النص من وعي الى آخر ومن خلال هذا المنحنى الدرامي يفتضح العنصر الرمزي ويلقي بظلاله على مساحة النص، تلك الظلال التي تتمدد جذورها الى الواقع لتنعكس تلك المخاوف الخبيئة المطمورة عن الأعين وترتد نحو الشعور وتكون مهمة النص حينها هي استيضاح وتتبع ذلك الخطر الكامن المتمثل بالوحش الظلامي المدفون عن أعين الرصد والتحذير منه:
"بين نابي حية الخلد الجميلة
ذات يوم كان ابليس مقيما
يعقد القمة فوق الرأس
يرخي المسبحة"
(الهبوط من الجنة)
الخروج من الدائرة هو الخروج من الكون الى فضاء الانطلاق ومن حالة السكون السلبي الى الحركة الإيجابية· إن الوجود داخل حدود الدائرة مجرد وجود خاو إلا من الملاحظة المجردة، ذلك الوجود في الواقع أشبه بالرجل الذي يراقب العالم من ثقب الباب يعرف الكثير دون المشاركة في إيقاع الحياة وكسر طوق الدائرة، والخروج ليس سوى مشاركة أولى حقيقية في إيقاع الحياة، وهنا وفي ظل معطيات الوجود الجديد تكونت هذه النصوص التي اتقد مجملها بجمر الهاجس الوطني واتخذت شكلا فنيا يتناسب وهذا الخروج والوجود الجديدين·
لقد فاض الرمز بدلالاته في نصوص مثل (المذكرات·· تسابيح ·· الهبوط من الجنة) في رصد أثر قضية ما ووصف ترسبات حالة مرضية تعشعش في أنحاء الجسد الوطني بينما يختفي ذلك الاتجاه الرمزي في قصائد مثل (تعويذة في زمن الاحتضار - مذبحة الفواكه·· هنيئا لكم·· زمجرة) رغم أن مجموعة هذه القصائد أيضا تعتبر ضمن إطار القصيدة السياسية الوطنية التي لم تعن بوصف ورصد حالة ما بقدر ما هي محاولة للتصدي والدفاع عن ذلك الجسد المريض من الخطر الذاتي والخارجي والقيام بنصحه وتحذيره ومن هنا تختفي الحاجة الى الرمز، ففي قصيدتي (مذبحة الفواكه، هنيئا لكم) نجد أنهما قصيدتان تنبعثان من عين واحدة وتندفعان بشعور رقراق واحد، ففي قصيدة مذبحة الفواكه تعتمد قاعدة السكون الذي يسبق العاصفة المفاجئة حيث تغمرنا حسية المشهد بحركته اليومية المعتادة وكانغماس أكبر في حسية المشاهد اليومية تعطى الشخصيات أسماء - هذه الأسماء لها دلالاتها الخاصة في المجتمع الكويتي - وتمنح للحركة تفاصيل يومية معتادة ومواقف متكررة غير مثيرة للاهتمام فمثلا هنالك الشخصية التي تدعى سليمان والشخصية الأخرى "خليل" حيث يدخل سليمان الى المقهى ويذهب لأداء صلاة العشاء بينما خليل يجلس بصمت بين أصوات الأطفال الملتفين حول المراجيح وبعد حوار هامشي بين امرأة وزوجها يدوي صوت انفجار تختلط به الفاكهة بالجثث المتناثرة حيث تمتزج دماء من بالمقهى في وحدة معبرة وبمفارقة معمقة استدرج المتلقي لها منذ البداية بإيهامه أن كل شيء طبيعي وعلى ما يرام ولإحكام الاستدراج وتوسيع مدى مصيدة الإيهام كان ذلك الوصف لحالة سليمان الصحية والحوار الهامشي للمرأة لتكون لحظة انفجار المفارقة لحظة عنيفة وذات أثر فعال يتبقى في النفس ويمنح النص قوة لا متناهية، بينما في الجانب الآخر نجد أن التقنية المستخدمة في قصيدة (هنيئا لكم) تختلف كليا عن تلك المستخدمة في (مذبحة الفواكه) بالرغم من أنها ينطلقان من ذات الاتجاه إلا إن قصيدة (هنيئا لكم) تفردت باستخدام الأسلوب التهكمي الساخر ومنذ البدء ولتعميق هذا النهج التهكمي كان التماهي بين دور الجاني والضحية فالضحية تلبس قناع الجاني وتتمثل بصفاته وتتلبس جرائمه أما الجاني فيتخذ من الخير قناعا لا يتناسب وملامح دمويته وفي إطار البعد التهكمي تتغير الأدوار والمفاهيم باستمرار وتتبدل مواضعها وتصبح الاتجاهات معكوسة في ضمير واقع حائر وغاضب من جريمة تشبه فقدان العقل بينما القصد التهكمي يأخذ أبعاده في النص ويؤدي دوره في تركيز الفكرة وإيصال المعنى حيث (التقرب الى الله بسفك الدماء) و(الصلاة بلا قبلة) و(تقديس حرمة الميت في دحرجته مثل المتاع)· بينما في قصيدة (زمجرة) وهي قصيدة وحيدة ينسحب الشاعر فيها نحو ذاته ويبدأ الانطلاق وهي تحمل في أعماقها ذات البعد الإصلاحي ونفس الهموم المتشابكة مع قصائد المواجهة مثل التعويذة - مذبحة الفواكه - هنيئا لكم) إلا إنها تمتاز بكونها مقدمة لهذه المواجهة حيث العودة الى الذات التي يحاصرها التعب من كل جانب بسبب عدم تمكنها من كشف المخادعين أو المفسدين والظلاميين الذين هم بحاجة الى معجزة تشبه عصا موسى حتى يبصر والضياء والنص بعموميته مظلة مؤقتة لاستراحة المحارب بمراجعة كل ما مضى لتقرير حقيقة ما لاستعادة الثقة والوقوف من جديد لمواجهة الأخطار المنبعثة من جسد الأرض بينما العبث يتلاعب بالكيان الداخلي وقد تكررت كلمة العبث مرتين للتأكيد على عدم القدرة على الاستمرار بهذا التيه فهنالك قضية مؤرقة وهنالك هدف سام لا بد من الوصول إليه ذلك الهدف الذي يشبه جمر الحقيقة الذي يتخفى تحت رماده حلما في كينونته ينتظر التحقق:
"هكذا كنت
وأبقى
قلقا يمشي
وبقيا من خيالات
وأحلام
وحزن وظنون
عبثا أغمض عيني
على الجمر
فهل تشفى جفوني"
وفي ختام قصائد المواجهة يرتسم نص (تعويذة في زمن الاحتضار) في صورة كلية قاتمة جراء واقع فوضوي يتكون بين أحراش الغابة حيث يزدحم النص بـ "السباع، النمل، العناكب" حتى السكين تأخذ شكل أنياب الأسد وفي الجانب المضيء يتمثل الخير بالحمائم والبلابل واقع الغاب بعناصره المتحفزة يمهد للخطر القادم فمنذ البدء يزحف على مساحة النص الثابت وفي حشد منظم (دود الأرض - الدب المسعور) بينما الشمس وبما يتناسب مع الخطر القادم وهذه الأجواء المحتقنة يحتجب ضوؤها والغربان علي الطرف الآخر مشغولة بنسج الرؤى الظلامية، كل هذا الحشد المرعب والمدمر جعل الجانب الخير المتمثل بالبلابل والحمائم يهرب تاركا حلم الغد المتمثل بزغب تلكم البلابل والحمائم تحت رحمة الحشد الظلامي الذي يتغلغل في الجسد الوطن في ظل نوايا دموية تقطر من أسنان (السباع - الذئاب السود) وفي زوايا كل ذلك الحشد الذي بدأ يغطي مساحة النص تخرج (أفعى الدار) التي سوف تسحب كل تلك الدلالات من دوائر حبكتها الى منعطفها الأخير الدرامي وبظهورها أمام الحشد الظلامي الزاحف تمتلئ جوانب النص لتسيل غايته وتتعرى أحجية الحشد في المقطع الأخير من النص الذي يشبه النبوءة أو الرؤية النافذة التي تحذر من مخالب الخطر الظلامي:
"تفجر
إن ليلا قاتلا
يطوي المدى
يحتز أعناق النجوم·· البدر
يسقي شفرة الخنجر
يجيء··· يطل
محمولا على اسم الله
- جل الله -
يرقى سدة المنبر"