كتب المحرر الثقافي:
كتاب جديد عن رائد الأدب المهجري جبران خليل جبران، يكشف عطراً أنثوياً جديداً في حياته العاطفية الغامضة "أشهى من عطر الليمون"، ففي ذكرى رحيله السبعين، صدر حديثاً في لوس انجلوس كتاب للمهجري الأردني إبراهيم ناصر سويدان، الذي بلغ التسعين من عمره، ومازالت ذاكرته متقدة·
هذا الكتاب المفاجئ "جبران كما أراه" كشف اسماً لصحافية لبنانية ارتبطت بعلاقة ما مع جبران، لم يعرف بعد حدود تلك العلاقة، إن كانت بحدود الصداقات النسائية المحيطة به كما عرف عنه، أم اجتازت تلك الحدود إلى العاطفة والحب كما تشي بعض أسطر الرسائل!
ورد في بعض المراجع اسم الصحافية "هيلانة غسطين" بشكل عارض، ودون توقف، إلا أن الكاتب التسعيني كشف عن "كنز" رسائل تبادلتها "هلّون" (كما يحب أن يسميها) مع الشاعر الذي وصفه كثير من الكتاب والنقاد بـ "العذري"، وهو القائل "إن المودة الحميمة أثمن ما في الوجود"، وكان يرى أن العذرية والتسامي على نداءات الرغبة تفجير للطاقة الفنية· ألم يقل للمعجبة الكاتبة الأمريكية شارلوت تلر إن ممارسة الحب في نيويورك أسهل عليه من قطف زهرة؟
ماذا أضاف هذا الكتاب وصاحبه، وماذا قال عن جبران "كما يراه"؟
قسّم سويدان كتابه الجديد إلى عشرة فصول: جبران والشباب، جبران والهجرة، جبران وهيلانة، جبران والقومية، جبران والعالمية، جبران والمرأة، جبران الناشر، جبران الشاعر، وفاة جبران، قالوا عن جبران·
أهم ما احتوى عليه هذا الكتاب التوثيقي كشفه لرسائل متبادلة بين جبران وهيلانة، وقصائد تنشر للمرة الأولى، قصيدة "إذا الليل" كتبها بالاشتراك مع هيلانة ذات أمسية·
عرف سويدان هيلانة غسطين شخصياً في أواخر أيامها، وأعطته الرسائل المتبادلة بينها وبين جبران وفناجين القهوة الخشبية الخاصة بجبران التي أهداها إياها قبل سنوات من وفاته·
يذكر سويدان في الفصل المخصص عن "جبران وهيلانة" أنها كانت صديقة لجبران أثناء أقامتها في نيويورك، وأنها انتقلت إلى لوس انجلوس بعد وفاته عام 1931·
ويذكر أنها كانت تعمل في جريدة "الهدى" التي يملكها خالها الصحافي المهجري نعوم مكرزل في نيويورك بعد هجرتها من لبنان عام 1917، هي ابنة الشيخ جريس غسطين بعقليني من بلدة بزبدين المتن في لبنان، درست الأدب الفرنسي قبل انتقالها إلى أمريكا والعمل في تحرير جريدة "الهدى" كما عملت بعد ذلك في التدريس في إحدى المدارس الخاصة في نيويورك إلى أن بلغت السن التقاعدية·
خلال فترة عملها في جريدة "الهدى" وأثناء متابعة آثار الحرب العالمية الأولى وتبادل الآراء حول أخبار لبنان وأوضاعه المأساوية، اجتمعت هيلانة بجبران في مكتب الجريدة، وتصفه "قالوا إنه ما أن يشاهد الصور الآتية من لبنان وأخبار المجاعة هناك سوف يبكي ويبكينا معه وهذا ما حصل"·
وتقول "جالسته وسامرته كثيراً وكان يصطحبني معه في زيارات مهمة، وطوال تلك المدة التي صادقته فيها لم أسمع منه كلمة نابية خشنة، بل كان دوماً مثال اللطف والأدب والعفاف"·
خلال تطور الصداقة بينهما، تبادلا الرسائل وأهدته صورتين "إحداهما في الكتاب"، وبسبب الحرج من البيئة العربية المحيطة بهما في الوسط العربي سألته هيلانة "متى سيجد امرأة أحلامه"، ليرد في إحدى رسائله "لا بأس سأجد تلك الصديقة أو خيالها في عالم الأرواح بين ثنايا الأبدية"·
عرف عنه عزوفه من فكرة الزواج، الذي يعتبره قيداً يحد من انطلاقة الفن والابداع·
في إحدى المخطوطات الأصلية التي كشفها سويدان رسالة من هيلانة مرفقة بزجاجة عطر تقول "حياتي أيها أحب اليك؟ عطر الليمون أو عطر هلّون؟ أرجوك الجواب"، فيجيبها "عزيزتي هيلانة·· أنا دائماً بحاجة ماسة للعطور لذلك أشكر لك هديتك هذه، أما إذا رجعنا إلى التفضيل فإني لا أختار عطر الليمون"!
في فصل "جبران والمرأة" يشير سويدان إلى صداقات جبران ورسائله الحميمة المعروفة عنه (إلى ماري هاسكل وجوزفين وميشلين وشارلوت تلر وماريتا لوسن، وكورين روبنسن (أخت الرئيس الأمريكي روزفلت) وغيرهن، وكتب إلى ماري خوري أكثر من 200 رسالة وإلى الأديبة صديقته التي لم يلتق بها مي زيادة·
ويكشف سويدان إحدى رسائل جبران إلى مي زيادة بعد أن أهداها كتابه "الأجنحة المتكسرة" عام 1920 "ورثت عن أمي تسعين في المئة من أخلاقي وميولي (لا أقصد بذلك أني أماثلها من حيث الوداعة وكبر القلب)·· واني أذكر قولها لي مرة وقد كنت في العشرين: لو دخلت الدير لكان ذلك أفضل لي وللناس· فقلت لها: لو دخلت الدير لما جئت أنا، فأجابت: أنت مقدَّر يا ابني·
فقلت: نعم ولكن قد اخترتك أماً لي قبل أن أجيء لزمن بعيد· فقالت: لو لم تجئ لبقيت ملاكاً في السماء· فقلت: لم أزل ملاكاً، فتبسمت وقالت: أين جوانحك؟ فوضعتُ يدها على كتفي قائلاً: هنا·
فقالت: متكسرة
(كان قد تعرض في طفولته لكسر في كتفه)
يتابع في رسالته:
بعد هذا الحديث بتسعة أشهر ذهبتْ أمي إلى ما وراء الأفق الأزرق أما كلمتها "متكسرة" فظلت تتمايل في نفسي، ومن هذه الكلمة قد غزلت ونسجت حكاية "الأجنحة المتكسرة"·
رسائل بالمئات لمعجبات، وكاتبات شهيرات، وصديقات خطها قلم جبران وقلبه، وظلت رغم ذلك حياته العاطفية غامضة، يعتقد الكثير بـ "عذريتها" ويشك البعض، تتكشف رسائل مبللة بعطر أنثوي، وهدايا وصور، ولا أحد يجزم بنزوات صاحب كتاب "النبي"!
سبعون عاماً مرت على رحيله، والآن يكشف الكاتب سويدان عن وجه انثوي "بالصورة" راسل وسامر جبران في سنواته الأخيرة، وينشر في كتابه رسائل أخرى وقصائد تنشر للمرة الأولى·
رسائل جبران إلى هيلانة
هذه الرسائل تنشر للمرة الأولى:
عزيزتي هيلانة
كتبت إليك منذ يومين وأخبرتك بأنني سأصرف في نيويورك أربعة أيام - أي من مساء الاثنين القادم الى صباح الجمعة- وقد طلبت منك أن تعلميني إذا كان بإمكانك زيارتي أثناء هذه المدة· وقد جاءت بطاقتك في هذا الصباح ولم تذكري لي فيها شيئا إلا عن حبيب كاتبة· أرجوك أن تبعثي الي كلمة بهذا الخصوص عند وصول هذه الكلمة إليك والله يحفظك·
جبران
عزيزتي هيلانة
أرجوك أن تكتبي الي أو تخاطبيني بواسطة التليفون عند وصول هذه الكلمة إليك· هنالك بعض أمور تتعلق بفقيدك وفقيدي سليمان البستاني أريد أن أبحث فيها معك وأنت تعلمين أنه ليس في الجالية السورية سواك من يستطيع أن يساعدني على القيام ببعض ما يجب علينا من تكريم تلك الروح الجميلة الكبيرة الطاهرة·
الله يحفظك يا ابنتي الحلوة والله يباركك·
جبران
عزيزتي هيلانة
أشكرك على هديتك اللذيذة التي تدل على ذوقك السليم ولطفك العظيم وجودك العميم· سوف أتمتع بطعمها متذكرا ما لك علي من الأيادي البيضاء في الأيام الماضية الخضراء - فلا زلت الملجأ الأمين لكل جائع مسكين الى دهر الدهرين أمين!
جبران
أيتها الصديقة العزيزة
لقد استحسنت الصورتين جدا خصوصا الصغرى، تلك التي تدل على الهدوء والتعقل والتفكر العميق· حبذا لو كان بإمكاني مصادقة امرأة، من لحم ودم وعظم، تشابه هذه الصورة البديعة· لا بأس، سوف أجد تلك الصديقة، أو خيالها، في عالم الأرواح بين ثنايا الأبدية!
سوف أكون في منزلي في نيويورك مساء الأربعاء الواقع في 5 أيلول عند الساعة الثامنة· ولما كان لدي بعض الأمور المهمة التي أريد مخابرتك بشأنها رأيت أن أطلب إليك راجيا زيارتك إياي في ذلك المساء· ولكن إذا كانت أشغالك لا تسمح لك بذلك فتكرمي بإعلامي عند وصول هذه الكلمة إليك، بل إني استعطفك أن تكتبي الي تحت كل الظروف· أم سلبا أم إيجابا، لكي أكون على بصيرة فلا تتشوش على المواعيد التي علي تحقيقها بأوقاتها·
هذا وتقبلي تحيتي مشفوعة بأحسن تمنياتي· والله يحفظك·
المخلص
جبران خليل جبران
***
وقصيدتان أيضا
دقّوا المسامير
دُقّوا المسامير في كفّي فإن يَدي
مشلولةً ليس يبريها سوى ألمي
وفي فؤادي أغان لا أُلحنُها
إلا إذا امتزجتْ أنغامُها بدمي
ولي شبابٌ إذا لاقَى مُصادرة
يبقى وإلا بُُلي بالعجزِ والهرمِ
إن النواة التي ضنّت بقشرتِها
وخافَت الكسرَ قد صارْت الى العدم
20 مايو 1923
***
إذا الليل
إذا الليلُ أخفاني ببَرد سواده
فلا كوكبٌ يبدو ولا الصبح يطلَعُ
فإن نُحتُ لم تسمع نواحي جارتي
وإن متُّ لا تدري ولا تَتفجعُ
وإن مرَّ بي طيفُ الكَرى متباطئاً
وحدَّقَ في وجهي يخافُ ويرجِعُ
إذنْ لتنحي عن كياني كائنُ
وراح الى بيت الأحبة يُسرَعُ
الى منزلٍ جدرانُه فسحةُ الفضا
وفي سَقفه سرجُ الكواكبِ تَسطَعُ
وأبوابُه الذِّكرى وطاقاتُه اللقا
فليس بها قفلٌ ولا فيها مخِدعُ
أطِوفُ به ومَعي تطوفُ رفيقتي
وبكلِّ أمنٍ في السعادةِ تَرتعُ
لعمري ما في الليل غيرُ خيالِنا
فإنْ هامَ همنا وإنْ تقاعَدَ نخضعُ
وما نحنُ والدُّنيا وكلُّ غريبةٍ
نراها سوى حُلمِ الذي ليس يَهجعُ