ترميم بيت شعر
أم فكر متصدع؟
نشمي مهنا
بيت من الشعر كرره على مسامعنا (أيام الدراسة الثانوية) معلمنا حتى حفظناه واستوعبناه وهضمناه واستشهدنا به مراراً:
من يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميت ايلام
الآن نتوقف عند هذا البيت، لنقول ماذا لو لم ير الضحية (الهوان)، أو لو ير الميت (بافتراض عودته للحياة) أن ذلك الجرح أماته كما في الشطر الثاني؟
مرض مزمن أصابنا جميعاً، حتى أصبحنا لا نطيق لأجسادنا شفاء منه، أو جرح اعتدنا على موسيقى نزفه·
مرض أن نحكّم العاطفة، والأهواء، ونشرع نوافذ القلب حتى ولو كان القادم فكرة بضخامتها وحدتها التي لا تعرف إلا ممرات العقل·· العقل وحده·
فمنذ أمد وقع الساسة والقادة على هذا (الداء) أو تعاملوا معه بهدوء (كي لا يشفى)، وتركوه يتأصل ويستقر·· لم يحركوا آلاتهم الإعلامية الضخمة إلا لدكّه في تربتنا كي لا يرى النور أو تحييه نسمات·
عبدالناصر بشّرنا بنهضة عربية قومية، فرفعنا قلوبنا رايات للنصر ملأت الشوارع العربية متناسين تجاوزات الثورة ومراكز القوى، وبضجيج ذلك الحب ضاعت صرخات ونداءات غُيِّبَتْ في أقبية السجون·· فتغلبت العاطفة·
وجدّنا العربي الفلسطيني أمين الحاج الحسيني كرها في الإنجليز والأوروبيين وتشفياً فيهم مالت موازينه مع الطاغية هتلر·· ولم يغلّب ثقل العقلانية أو يستشف أفق المستقبل السياسي في ذلك الوقت·
لم يكن الحسيني وحده الذي أمال الميزان، بل غالبية الشعوب العربية في ذلك الوقت، التي لم تع (الجرح) و(الهوان)، الغريب أن يأتي أحدهم في العصر الحديث ليُحيى هذا العشق الهتلري بعد أن تبين الخيط الأبيض والأسود والرمادي في عصر تضيء "كشافاته" العتمة·
ففي بيت الثقافة العالمي في برلين أقام الراحل نزار قباني قبل سنوات أمسية للشعر العربي، قدم لها قائلاً "يسعدني أن تكون برلين واحدة من المحطات الكبرى على خارطتي الشعرية، فاسم المانيا كان دائماً لجيل الأربعينات الذي أنتمي إليه، اسماً جميل الرنين، ومثيراً للمخيلة والحلم، لما يوحي من تداعيات القوة والفروسية والزهو القومي·
هذه "القوة "والفروسية" و"الزهو القومي" الصفات اللواتي أعاد الشعب الألماني العصري تفسيرها وتنقيحهما ليسقط من معانيها جرثومة العنصرية والاضطهاد والدمار·
ويستبدلها بمعان أخرى إنسانية أممية (وإن بدت على السطح بين فترة وأخرى مجموعات "هتلرية" منتهية بحكم التاريخ) فهل نحن أكثر هتلرية منهم·· لنعيد إحياءها؟
أراد نزار قباني (وجميعنا نزاريون!) أن ينشر قصيدة له بعنوان "راشيل وأخواتها" في صحيفة "الحياة" جاء في مقطع منها:
هتلر هجّرهم من شرق أوروبا·· وهم من أرضنا قد هجّرونا
هتلر (يرحمه الرحمن) لم يمحقهم··
ويريح الأرض منهم
فأتوا من بعده كي يمحقونا
وحينما قرأ رئيس التحرير آنذاك (جهاد الخازن) القصيدة اقترح تغيير كلمات (الترحم) على هتلر إلى:
(هتلر يلعنه الرحمن لم يمحقهم)
بالعاطفة الجياشة إياها، رفض نزار هذا التغييرو(اللعنة) على هتلره، إلى أن توصلا (الشاعر ورئيس التحرير) إلى صيغة شعرية توافقية·
هتلر (لم يجد الوقت لكي) يمحقهم·· ويريح الأرض منهم
فأتوا من بعده كي يمحقونا
فنُشرت القصيدة:
موقف قد يدل على أن أحدنا (الخازن) أبعد (الجيّاشة) وأخفض من صوتها وحنينها قليلاً، ولكن إلى حين·· ويعود إلى طبيعته العربية الأصيلة!
ومنذ سنوات أجرت إحدى الصحف استطلاعاً ظريفاً يصب في ذات الموضوع، عندما توصل معدوه إلى أن أغلبية النساء اللواتي شاركن في الاستطلاع· أشرن إلى أن (الطاغية) صدام يمثل في مخيلتهم (العاطفية) صورة القائد الفارس الذي "يتمختر" على حصان عروبته ومنقذاً للحرائر العربيات في الأراضي العربية المغتصبة!
أدرك نظام فاشي (في بغداد) عاطفة الشعوب بمخابئها السرية، ليعلي ادعاءاته بأكذوبة تحرير القدس، وبـ 7 ملايين متطوع، ودعم مالي (لا يملك ربعه)، وصوراً أخرى يعريها العقل لو أضيئت مصابيحه!
nashmi@taleea.com