رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 5 صفر 1422هـ - الموافق 28 ابريل - 4 مايو 2001
العدد 1474

مقال

العنف والمثقف

 

حميد الأمين

عام 1941 قال هتلر وهو يطرق أبواب موسكو:

- عندما أدخلها فإن أول شخص سأقوم بشنقه هو إيليّا أهرنبورغ وثاني شخص سيكون ستالين·

هذا القول يلخص خوف الحكام الدكتاتوريين من تأثير وقوة الكلمة إذ أنهم يفتقرون إلى مقارعة المثقفين لكنهم يمتلكون السلاح لمقارعة السلاح الآخر لذلك فتحت سجون التعذيب السرية والعلنية ليس للمجرمين إنما لمثقفي الرأي·· الباستيل، قصر النهاية، نقرة السلمان، أبو غريب، خلف السدة، أبو زعبل، القناطر··· كما أن الثقافة نفسها تشكل عبئاً ثقيلاِ على من يديرون السلطات التنفيذية· فلقد روى الأستاذ أحمد حمروش عندما كان مديراً للمسرح القومي أن الفرقة القومية للفنون المسرحية أعدت عام 1965 عملا ضخماً عن المقاومة الباسلة في بورسعيد يمتزج فيه النص الرائع بالإخراج المتميز والأغاني الهادفة وقد اقتضى ذلك العمل جهداً كبيرا طوال أشهر تم تجنيد خبرة العاملين في تلك المجالات· في يوم الاحتفال أناب الرئيس جمال عبدالناصر نائبه المشير عبدالحكيم عامر لحضور الاحتفال بأعياد الثورة· عندما حان وقت عرض المسرحية سأل المشير الأستاذ أحمد حمروش عن الفقرة التالية، أخبره عن المسرحية وراح يسهب في شرحها كعمل فني ممتاز، قاطعه المشير قائلاً:

- إلغي تقديم المسرحية وأعرض بدلاً منها·· دكتور إلحقني·· المغص جوّه إبّطني·

وهو منولوج هابط فنياً لفرقة ثلاثي أضواء المسرح·

لكن العنف إزداد بقدر ما تطورت ثورة الاتصالات وتعددت الأشكال فيها في كتابة الرقائق القديمة فاقتياد المثقف إلى السجن سابقاً يكتم من صوته أما الآن فإن أمواج الأثير تعزف ألحانهم من غابات أفريقيا إلى جبال الأنديز إلى عمق الصحارى مما زاد في يقظة رجال الأمن لذلك أغاروا على المنابع بغية غلقها،لكن روح المثقف المتمردة كالمياه لا يمكن حبسها وإذا ما حاولوا ذلك فإن منابعه سوف تتعدد فالمثقف المرهف بطبعه يكون في أشد حالات الامتعاض لدى نزول الخيزران والكيروان على جسده ورأسه أما إذا جربوا أساليب أقسى فإن روحه تسبق إكمال مهمة جلاديه فهو دائماً يصارع من أجل روحه التي ربما تختنق في الشوارع أكثر مما هي في السجون·· إنه قليل الفرح لكن الحزن يتضاعف عنده لذلك يكون ألمه شديداً للممارسات القمعية والعنف، ولما كانت (الأنا) مزروعة في كيان كل مثقف مهما أبدى من تواضع وهذه ليست صنعة سيئة فإن أبطال الروايات والمسرح وغيرها يمتلكون شخصيات إيجابية إلى حد المثالية وأحياناً يرى الكاتب نفسه في بعضها فمن أجل الإبداع تكون هذه الصفة ضرورية، وقد فطن رجال الأمن ومن خلفهم يقف المخططون إلى هذه الثغرة في نفس المثقف فعمدوا إلى تحطيم كبريائه كأحد أنجع أساليب العنف ليفقد التحدي، إذ تصوروا أن الذليل لابد أن يصبح عبداً ومن يرفض العبودية يلاقي مصير "سبارتكوس"·· عبدالجابر الوهبي غسان كنافاني، حسين مروة، ناجي العلي، شهدي عطية الشافعي لوركا، بابلوا نيرودا·· والقائمة طويلة جداً·· ومنهم من نجح في الفرار ومات في الغربة·· محمد مهدي الجواهري، مصطفى جمال الدين، عبدالوهاب البياتي، بلند الحيدري، شمران الياسري (أبو كاطع)·· أما الأحياء فكثير منهم يدخل بلده متخفياً كواسيني الأعرج أما الذي يمشي منهم فإن الموت يمشي معه، ينجو أحياناً كفخري كريم بعد أن تترك الرصاصات أثرها على الفك أوالصدر·· الطاهر وطار قرأ الفاتحة على روحه مسبقاً عندما أدخل القرآن في الإذاعة أيام ما كان مديراً لها لكن هذه الفاتحة تحولت إلى دعاء أبقاه حياً حتى الآن·· رشيد بوجدرة الكلمة تحتاج إلى حارس من ورائها خوف الاغتيال هذا في المغرب العربي أما في المشرق فإن الحارس هو الذي يغتال الكلمة·

يؤدي نجاح العنف إلى نهايات مريعة للمثقف فمنهم من لا يستطيع أن يحيا بروح مشوهة فيعمد إلى الانتحار ومنهم من يكتم أنفاسه كعليل بداء لا شفاء منه ينتظر موته البطيء محرم عليه الصراخ من شدة الألم أما الذي يموت في غرف التعذيب فقد تفوق على كل الأحياء بطول عمره حتى لكأنه يدوم في ذاكرة الناس كأحد الأولياء· لكن أكثر الناس سوء حظ ذلك المثقف الذي ينقلب فتصبح أقدامه إلى الأعلى ورأسه إلى الأسفل يجند قلمه الذي ما عاد قلماً إنما سوطاً يجلد به الناس يمارس العنف كأحد صغار المنفذين، يفتح أشداقه على سعتها ليرضي سيده كالكلاب كلما زاد نباحها إزداد تفضيلها تموت الكلمة عند هؤلاء يقبرها العنف المفرط ومن غرائب الأمور أن الكلمة الرخيصة تباع بأغلى الأثمان· لكن من الذي يهزم العنف وهو يمتلك كل الأسلحة وخصمه المثقف أعزل·· إنها الكلمة·· ففي أوائل الستينات انطلقت آلة العنف  بأقصى سرعتها، أحدثت الرعب في النفوس تراجعت لها الجموع تتساقط تحتها، لم يستطع قادة الميادين وقفها فبرز مظفر النواب بقصيدته الشهيرة (براءة) ليوقف الهزائم ويحطم آلة العنف فيفر الخوف حتى في روح الجبان يهبهم شجاعة لم يكتسبوها منذ مولدهم·

لقد عمل مظفر النواب عملاً لم يسبقه أحد من محترفي التحريض ولا من قادة القتال فقد تعودنا أن ينفخ القائد الحماس في جنوده على ساحات القتال لكن ما من أحد أنشد في بيوت الموتى نشيداً يجعل من آلات التعذيب الرهيبة شفرات حلاقة صدأة·

كم ثوباً من ثياب الأفاعي ارتداها العنف·· بإعلاء أصوات النشاز على العزف الجميل·· بتسطيح الثقافة·· بعدم النشر·· بإيقاف لقمة العيش عن أفواه عيال المثقفين·· بإلصاق الورق اللامع على وجوه الإعلانات·· وفي كل الأحوال هو يحتفظ بسن الأفاعي المحزوم·

إذا ما حلمنا يوماً أن العنف قد كف فهل تتضاءل أم تتضاعف الإبداعات!؟ أيكون العنف سماداً نتناً يُنْبت الزروع أم سبخة تقتل النباتات؟

طباعة  

إضاءات
 
ندوة "السينما العربية.. نظرة مستقبلية"
مناقشة ثلاث تجارب جزائرية وسورية وعربية عاملة في أوروبا

 
أخبار ثقافية
 
إصدارات
 
إسهامات الكويت الثقافية في بدايات القرن الفائت
الشيخ قاسم بن محمد آل إبراهيم تبرع بألفي جنيه إنجليزي لجماعة الدعوة والإرشاد بمصر وساهم بإنشاء خط حديد الحجاز وبناء أول مسجد في لندن

 
وتد
 
نص
 
تعقيب
 
توضيح للمالكي..
 
أجيال
 
من هناك