رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 5 صفر 1422هـ - الموافق 28 ابريل - 4 مايو 2001
العدد 1474

إسهامات الكويت الثقافية في بدايات القرن الفائت
الشيخ قاسم بن محمد آل إبراهيم تبرع بألفي جنيه إنجليزي لجماعة الدعوة والإرشاد بمصر وساهم بإنشاء خط حديد الحجاز وبناء أول مسجد في لندن

كتب يحيى الربيعان:

الاحتفال بمناسبة "الكويت 2001، عاصمة للثقافة العربية"، يجرنا للرصد والحديث عن تلك الجهود المباركة التي قامت بها كوكبة الأجداد من أبناء الرعيل الأول لهذا البلد المعطاء قبل ما يناهز القرن من الزمن·

نرصدها ونزيل عنها غبار النسيان وفاءً للفضل وعرفاناً للجميل، ولكي تكون ثماراً مرجوة -إلى جانب الابتهاج- بالمناسبة السعيدة للاحتفال·

ولكي توضح مثل هذه المساهمات العملاقة والجهود الحثيثة الداعمة للعلم والثقافة في أي موقع في الوطن العربي أو أي قطر من أقطاره مادام هناك حاجة ملحة لإبرازه وتنفيذه عملاً ودعوة صالحة·

بالرغم من تجاهل مثل هذه الأمور من قبل المسؤولين- معرفة أو غفلة- فغياب مثل هذه الأفعال لا تدل على الحذق أو الإلمام بحسن التدبير فبات نشرها وتوضيحها يصبان في خانة العمل لرفعة الكويت اسماً وفعلاً·

ما يهمنا هنا هو إعادة لما نشرته مجلة "المنار" المصرية وما كتبه صاحبها ومؤسسها الفاضل محمد رشيد رضا- في أول القرن الماضي- وتسليط الأضواء على حدث ثقافي ساهم فيه أحد أعيان الكويت ورجالها رافعاً بذلك اسم موطنه ومسقط رأسه بصمت وبدون ضجيج، همه من ذلك نشر العلم والثقافة، فقرن القول بالعمل وحقق بالفعل الأمل، في أن تكون الكويت رافداً للمعرفة وان أصبحت اليوم عاصمة للثقافة العربية فإن هذا لم يأت من فراغ فللأجداد اليد الطولى في وضع أسسها وتقوية مداميكها منذ ذلك الحين·

 

جماعة الدعوة والإرشاد

 

كتب الشيخ محمد رشيد رضا في مجلة "المنار" المصرية الصادرة في 30 مارس 1911 ما يلي:

لما علم صاحب الدولة الأمير محمد علي باشا- شقيق سمو الأمير المعظم- بتأسيس جماعة الدعوة والارشاد سر سروراً عظيماً، وأرسل رسالة للجماعة عبر فيها عن ارتياحه لهذا النشاط وتبرع لهم بمئة جنيه مصري·

وقد قرر أعضاء مجلس إدارة الجماعة باجماع الآراء اختيار دولته رئيس شرف للجماعة، والتشرف بزيارته في قصره لعرض هذا القرار عليه وشكره على عنايته وفضله، ولقد نفذ الاقتراح، وقبل رئاسة الشرف للجماعة، (وقد ذكرنا هذه المقدمة لما لها من صلة لما سيأتي فيما بعد)·

 

عضو الشرف الأول للجماعة

الشيخ قاسم بن محمد آل إبراهيم

 

في ربيع عام 1911، قام الشيخ قاسم بن محمد آل إبراهيم بزيارة مصر، والجدير بالذكر أن الشيخ قاسم آل إبراهيم يعتبر من أكبر تجار العرب وأجودهم، وله تجارة ناشطة في مدينة بومبي بالهند وفي غيرها من عواصم الدول الأخرى·

كان الشيخ قاسم، قد علم بمشروع تأسيس جماعة الدعوة والارشاد وهو في الهند، فلما زار القاهرة كان همه الأول أن يلتقي بأحد مؤسسي الجماعة لمساعدتهم مالياً في تأسيس المشروع، ويذكر الشيخ محمد رشيد رضا، الذي غطى زيارة الشيخ قاسم آل إبراهيم، في مجلة "المنار":

عندما زرت الشيخ قاسم في فندق (شبرد) كان جل حديثنا يدور حول مشروع جماعة الدعوة والإرشاد، وقد كاشفني الشيخ قاسم، برغبته في المساعدة وقال لي: إن آمالنا في خدمة الإسلام معلقة بكم فعليكم العمل وعلينا المساعدة بالمال·

هل قرأتم كلاماً أروع من هذا الكلام الذي يعبر فيه قائله الشيخ قاسم بإحساسه بالواجب تجاه العمل الإسلامي الخيري التطوعي!!

ويقول الشيخ محمد رضا: سألني الشيخ قاسم بن محمد آل إبراهيم، قائلاً: إلى أين انتهيتم في المشروع؟، فكان ردي عليه: ما يزال في طور التكوين وقد وضعنا له النظام الأساسي فجاء كالنظام الذي وضعناه لجمعية العلم والإرشاد في -الأستانة- إسطنبول، وزودنا فيه ما يتعلق بالدعوة إلى الإسلام، وألفنا له مجلس إدارة من خيار المصريين، وقد أقروا النظام الأساسي له بعد مراجعات ومناقشات وحوارات كما هي العادة، ولا يمكن أن نقبل التبرعات إلا بعد إصدار النظام الأساسي وسيكون ذلك في يوم المولد النبوي الشريف·

وذكر الشيخ محمد رشيد رضا مؤسس مجلة "المنار": لما رد لي الشيخ قاسم الزيارة في إدارة مجلة (المنار) راجعني في مسألة تبرعه واشتراكه في جماعة الدعوة والإرشاد، وسألته عن مقدار ما يحب أن يجود به فاقترح أن يقول ذلك لي سراً حتى أنه لم يصرح به أمام مرافقه السيد عبدالله البسام·

وقد تجلى إيمان الشيخ قاسم ابن محمد آل إبراهيم، في تقواه وشفافية إيمانه حينما سأله الشيخ محمد رشيد رضا، عن سبب إخفاء ما يجود به وعدم الإذن في ذكر اسمه، فكان رده: الإخلاص وإبتغاء المزيد من الثواب، فحاولت أقناعه بالدلائل أن إظهار اسمه لا ينافي الإخلاص وانه قد يكون نافعاً، حيث يكون قدوة في الخير، وفرقت له بين الصدقة على الفقير والصدقة في المصلحة العامة (فسكت ولم يظهر ارتياحاً)·

وقد حضر الشيخ قاسم آل إبراهيم، بدعوة من جماعة الدعوى والإرشاد، أحد الاجتماعات التي عقدت للتبرع لإنشاء مسجد للمسلمين في لندن، وفي هذا الاجتماع كاشف الشيخ قاسم، إخوانه أعضاء مجلس إدارة جماعة الدعوى والإرشاد باشتراكه وبتبرعه·

وكان مقدار ما تبرع واشترك به الشيخ قاسم بن محمد آل إبراهيم كالتالي:

2000 ألفي جنيه انجليزي تبرع ناجزة·

100: مئة جنيه انجليزي إشتراك سنوي·

وقد كان لما تبرع به واشترك به هذا المحسن العظيم الأثر الكبير والطيب لدى أعضاء مجلس إدارة جماعة الدعوى والإرشاد·

مما دعاهم إلى عقد جلسة خاصة لتحديد كيفية شكر فضيلته لهذا السبق، وأجمعوا في تلك الجلسة على تسميته (عضو الشرف الأول لجماعة الدعوة والارشاد)، على أن تنشأ باسمه مكافأة سنوية توزع على تلاميذ (دار الدعوة والإرشاد)، وقرروا تبليغ الشيخ قاسم، بذلك بواسطة رسالة شكر ترسل إليه مع أعضاء مجلس إدارة جماعة الدعوة والإرشاد، ولعله من المفيد أن نذكر هذا النص الكامل والحرفي للرسالة دون أي تصرف:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي قدر فهدى، وأمر بالتعاون على البر والتقوى، وجعل إنفاق المال في سبيله، أول آيات صدق الإيمان به فقال عز وجل (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون)، والصلاة والسلام على إمام المصلحين، وخاتم النبيين والمرسلين، سيدنا محمد النبي العربي الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وأتم به النعمة وأكمل الدين، وعلى آله وأصحابه الذين نشروا دعوته، وأقاموا سنته، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين·

من جماعة الدعوة والإرشاد بمصر، إلى السابق إلى الخيرات بإذن الله، المسارع إلى مغفرة ورضوان من الله، المساعد على إحياء الدعوة إلى الله، السخي الكريم، المحسن العظيم، الشيخ قاسم بن محمد آل إبراهيم، التاجر الكويتي في بمباي من الهند ونزيل مصر الآن زاده الله نعمة وتوفيقاً·

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد فقد بلغ الجماعة وكيلها السيد محمد رشيد رضا منشئ المنار ما وفقكم الله تعالى له من التبرع لها بألفي جنيه ناجزة والاشتراك بمئة جنيه مساهمة، فاجتمع مجلس ادارتها اجتماعاً خاصاً للمذاكرة في كيفية الشكر لكم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من لم يشكر الناس لم يشكر الله)·

وقرر باتفاق الآراء تسميتكم (عضو الشرف الأول) في هذه الجماعة وأن يجعل باسمكم مكافأة سنوية لطلاب مدرستها الكلية (دار الدعوة والإرشاد) لتكون ذكرى دائمة لسبقكم إلى المشاركة في تأسيس هذا العمل الذي يراد به خدمة العالم الإنساني بنشر الدين الإسلامي، دين الفطرة والمدنية، الجامع بين أسباب السعادتين الدنيوية والأخروية، وقرر تبليغكم ذلك في كتاب شكر يوقع عليه أعضاء المجلس ويحملونه إليكم بأنفسهم، وها هو ذا فتقبلوه محمودين مشكورين، ومازلتم موفقين لما ينفع الناس ويرضي الله وآخر دعوانا أن نحمد الله·

وكتب في القاهرة لسبع خلون من شهر ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثلاث مئة وألف من هجرة الداعي إلى طريق الحق·

 

الشيخ قاسم بن محمد آل إبراهيم

يحظى بعناية واهتمام الأمير محمد علي باشا

 

كتب الشيخ محمد رشيد في مجلة "المنار" قائلاً: عندما بلغ، مولانا العزيز أيده الله تعالى بزيارة الشيخ قاسم آل ابراهيم- الثري العربي الكبير الغيور على دينه- لمصر، وهو الذي أعطى وجمع المال الكثير لإنشاء سكة قطار الحجاز الجديدة، وانه الآن قد تبرع لجماعة الدعوة والإرشاد، بمبلغ كبير واشترك فيها، ارتاح سموه لذلك وسر به، فقرر سموه أن يلتقي بضيف مصر الكريم وحدد الوقت لذلك، فتشرف الشيخ بمقابلة سموه في قصر القبة، وكان بصحبته كاتب هذه السطور "محمد رشيد رضا"، فمكثا زهاء ثلثي الساعة في حضرته لقي فيها ضيف مصر الكريم حفاوة بالغة من سموه، وسأله سموه عما رآه من آثار مصر فعلم منه أنه لم ير القناطر الخيرية فقال له إنني سآمر بإعداد باخرة من بواخر النيل الخديوية لكي تركبونها إلى القناطر للنزهة ورؤية هذا العمل المصري العظيم·

ثم انصرف الشيخ قاسم من حضرة الأمير وهو يردد الدعاء والثناء له·

 

الحفاوة بالشيخ قاسم بن محمد آل إبراهيم

 

كان يوم الجمعة هو الموعد المقرر لزيارة أعضاء مجلس جماعة الدعوة والإرشاد لللشيخ قاسم للقيام بالنزهة النيلية في الباخرة الخديوية، وكان قد اجتمع أعضاء الجماعة في إدارة المنار للتوقيع على رسالة الشكر المذكورة آنفاً، ثم توجهوا جميعاً إلى فندق شبرد، وكان الشيخ قاسم في انتظارهم في بهو الفندق·

ثم توجهوا إلى النزهة النيلية التي أكرمه بها سمو الأمير وبعد أن أطلعوا على معالم القناطر الخيرية وقضوا فيها وقتاً ممتعاً عادوا إلى السفينة عند الغروب، فعادت بهم إلى الفندق، وقد حمل الشيخ قاسم، أحمد زناتي عند وداعه بأن يبلغ الأمير شكره ودعائه على هذه العناية الكريمة· والجدير بالذكر أن تبرع الشيخ قاسم آل إبراهيم قد لقي من جماعة الدعوة والإرشاد ومن كبار المسلمين في مصر وغير مصر التقدير، وبعضهم استكثر أن يعطي مسلم مالاً كثيراً لخدمة دينه في بلد غير بلده ووطن غير وطنه لا يرجو به رتبة ولا وساماً ولا تزلفاً للملوك والأمراء·

ويبدو أنهم لم يعلموا بتبرعاته السخية لوطنه الكويت لبناء المؤسسات التربوية والدينية وغيرها من سبل الخير، فضلاً عن تبرعاته الكثيرة لأصقاع أخرى عديدة·

وبعد هذا كله ألا يستحق المحسن الكبير الذي تحدث مصلحو العالم العربي - من أمثال الشيخ محمد رشيد رضا والأمير شكيب أرسلان - عن أعماله وسخائه في رفد الأمة لكل ما يجود دون منة أو غاية الاشادة والتعظيم·

لقد أطلقناها غير مرة صرخة باستحقاق التكريم ووجوبه··· فلا تثريب عليهم أن ضجوا··· ولا تثريب علينا لو ذكّرناهم بصمتهم··· ربما تواطؤهم في حجر الحق قد أصبح سمة (الحال)·

فمتى يرتقي الواجب في عيونهم كما ارتقى حيال كل (حجل وأطوق)·

طباعة  

إضاءات
 
ندوة "السينما العربية.. نظرة مستقبلية"
مناقشة ثلاث تجارب جزائرية وسورية وعربية عاملة في أوروبا

 
مقال
 
أخبار ثقافية
 
إصدارات
 
وتد
 
نص
 
تعقيب
 
توضيح للمالكي..
 
أجيال
 
من هناك