كتب المحرر الثقافي:
بمناسبة ختام موسمها الثقافي الحادي والعشرين لهذا العام، أقامت كلية التربية الأساسية أمسية شعرية وحفلاً تكريمياً لعدد من أساتذتها وقيادي الكلية السابقين والحاليين، وذلك بحضور بعض المهتمين والمدعوين، وبرعاية عميد الكلية الدكتور عبدالله عبدالرحمن الكندري·
شارك ثلاثة من الشعراء في حفل الكلية، هم الشاعر والناقد الدكتور سالم عباس خدادة والدكتور سعيد شوارب وسامي القريني وصفهم عريف الحفل "بالكهل" و"الناضج" و"الفتى اليافع" حيث ينتمي الشعراء المشاركون إلى أجيال مختلفة بالإضافة لتنوع اتجاهاتهم الشعرية·
سعيد بالإبجار
بدأ الشاعر د· سعيد شوارب بقصيدة (عمودية) رومانسية عرض بها عاطفة جياشة، تلتاع بمرارات السفر والترحال، وغربة بدأت من عينيها··
مذ بدأت الإبحار في فجر عينيك
دروبي على الأسى تتشعبْ
كلما أرتدت من هواها عجيباً
في التعاويذ· مدّ لي منك أعجبْ
فأنا لاهث وراء التعلات
على صهوة الحنين المُعذَّب
قد حسبت الإبحار قنديل شعر
وشراعا مع الهوا يتقلبْ
فتمذهبتُ·· ليتني ما تمذهبتُ
فقد جرّني لأضيق مَذهبْ
ثم ألقى د· شوارب قصيدته الثانية والتي بعنوان "مصرع زهير ابن أبي سلمى" مجنحاً بآفاق التاريخ، ليستمد من صوره ما يستكمل به وجوه الحاضر، في حوارية اعتمدت السرد والحكاية:
قام السَّيَّافُ بكلِّ حيَاء
يحكمُ بين العبْْسيِّينَ وذُبْيَانْ!!
فاستفتحُ باسْم الله،
وأن يُغْتالَ زُهْيرُ أبي سُلْمَى
ويُمَثلَ بابْنِ سنَانْ
وبأنْ تَجْتاحَ الجرَّافاتُ،
جميعَ نوادي "عَبْقرَ" في أوْديَةِ الجْاَنْ
وبذلك تُهدَمُ دَارُ الحكمةِ
يُفلسُ كلُّ الشعراءِ
وتقفِزُ أسْعارُ الشيطانْ!!
وتأمَّلَ بعضَ دفاترهِ حيناً
يتحرَّى العدْلَ، ليحكمَ بين الناسْ
فتقطّعتْ الأنفاسْ
التفتَّ عليها حلقُ الخوْفِ وبَرْقُ السيفِ المستلّْ
استلَّ القاضي هُدْبيْهِ، وأُعلنَ:
- باسم العدْلِ·· وباسمِ الديمقراطيةِ·· باسم الحبِّ·· وباسْم الطفِل·· وباسمِ حقوق الإنسان
قضَيْتُ بإعْدامِ الْكلّْ!!
إلى أن يصل إلى:
أخذَتْهُ هِزَّةُ طَربٍ··· أعْلَنَ:
- إن لديْنا أنْكالاً وجحيماً
ولديْنا في ديوان العدْل كبارُ الحكماءْ
وعلى المتضرِّرِ - إنْ ضرَرٌ لا سمحَ اللهُ وقَعْ-
في أيِّ مكانْ!!
أن يتقدَّمَ في ثقةٍ وإباءْ
للأمْرِيكانْ!!
خداده وتساؤلات الوجود
ثم ألقى الشاعر سالم خدادة قصيدتين قصيرتين الأولى بعنوان "السر" والذي اعتمد بها على أسلوب رشيق في عرض الجملة "الحكائية"، مكثفاً رؤيته على لسان الراوي المتسائل، الذي يتلقى إجابات وجودية عميقة بمواجهة صديقه (الذي قد يكون الوجود نفسه):
قال لي صاحبي مرّة
كلْمة مُرّة
لم تزل فوق أفقي تلوح:
أنتَ سر الجروح
قال لي مرة ثانية
كِلْمة قاسية:
أنت سرّ الخواء
في الربا الخاوية
قلت يا صاحبي: من أنا؟
قال: أنت المنى
وأنتَ الضنى
ولا شيء أنت بهذا السواد
ولا شيء في خافقات السّنا
وألقى د· خدادة كذلك قصيدة أخرى لم يبتعد بها عن أجوائه الشفافة، وإلقاء ومضات شعرية حائرة، مترددة، في أفق الكون، لكنها تكشف بعض أغواره ومتاهاته·
بين قدس العاطفة وعاطفة القدس
سامي القريني (الكوثر الشعري المتحدر من ألق الجنة) كان ثالثهم، حيث أبدع في قصيدتيه، رغم طول الثانية التي وجهها إلى (القدس) مستعرضاً في أبياتها العمودية مكانتها، وألم فقدها، ومعاناتها وأهلها من وحشية الصهاينة:
يا تربة القدس يا صهباء أغنية
ميلاء فوق تهاليل الأفانين
يا ضحكة عسلت بتلاء تربتها
كالبشر، يرشع أعياد الشعانين
يا روعة الغسق المكحول جانبه
بالأقحوان ومن ورد ونسرين
ويا نواعير أحلام تُدَحْرج لي
ذكرى ليالِ مدى الأيام تسقيني
يا شهقة الشعر، يا أحلام قافيةٍ
ميساء تلبي أزهار الفساتين
ويستمر (سامي) بنداءات القدس منوعاً أوصافها التي يقترب بها للحسي (بما يشبه الأنثوي) ويبتعد مرة بتشبيهات مشاعرية مجردة، إلى أن يصل - رغم الإطالة - إلى المخاطبة المباشرة:
يا تربة القدس ماذا أنت حاملة
من رجس حكم خنازير ثعابين
ماذا حملت من السم الزعاف على
ترابك الطهر بين الحين والحين
في قصيدته الأولى التي استفتح بها العاطفة، يقول:
خرجنا وأضلاع النخيل تضمنا
وفي القلب أقلام بها الحبر يحلمُ
تذكرتها بين الخمائل ضحكة
تداعب وجنات الزهور وتلثمُ
فلم أرَ ورداً باسماً قبل ثغرها
ولم أرَ بدراً لامعاً يترنّمُ
تجيءُ بفرعِ كالغمام معثكل
غدائره جذلانة تتبسّم
بقصيدتيه العموديتين يثبت سامي القريني مرة أخرى مقدرة فنية متميزة، وبمشاركة شاعرين لهما تجاربهما الشعرية الثرية، والمقدرة لدى المتابعين والحضور، والذي استمتع "بباقاتهم" الشعرية رغم أن الشاعر الدكتور خدادة قد "اختصر" متعتهم وتلهفهم لرؤية "إضاءاته" وذلك باختياراته المقتضبة·
في ختام الأمسية الشعرية قام عميد الكلية بتقديم دروع تذكارية للمكرمين وموظفي الكلية والمشاركين خلال الموسم الثقافي·