لوحة سريالية
عبدالرحمن حلاق
نظرتْ إلى شجرة الجوز الوحيدة في بستان الكرز فأغوتها الشجرة بظلها الواسع، حملت أخشاب مرسمها مستسلمة لغواية الظل، مسحت البستان من حولها بعينين يبهرهما الربيع في كل عام، فيرفرف في صدرها طير صغير· اختارت زاوية للرسم، ثبتت الحامل على الأرض، أمسكت بقطعة قماش أبيض، فردتها بين يديها رنت إليها بشيء من العشق ضمتها إلى خدها الأيمن ومالت عليها برأسها، ثم ثبتتها على المرسم، شدت زواياها وأطرافها بدبابيس صغيرة، اطمأنت على سوية سطحها ثم تناولت فرشاة وطلتها بلون فيروزي فاتح، وجلست تمعن النظر في زاوية الرؤية التي اختارتها·
كانت أشجار الكرز تنوء بحملها الكثيف، فتبرق تحت الشمس ألوان قرمزية وحمراء قانية، وأحياناً سوداء تشوبها حمرة طفيفة، كأنما تراصت على الأغصان شفاه نساء العالم أجمع· وعلى سفح الجبل القريب تلوت بعض الدروب الترابية، تطل عليها وعبر مسافات متفاوتة بعض البيوت البسيطة المزركشة بأنوار مختلفة الألوان· ثمة ما يدعو للفرح في كل ما تقع عينك عليه·
أعدت فنجان قهوتها وعلبة الألوان وصوت "فيروز" يصدح بقربها:
"في لنا يا حب خيمة عالجبل
ناظرة تنزورها بليلة غزل"
لملمت شعرها، جمعته، قيدته بمشبك لتضمن عدم شغبه على وجهها، ثم تناولت ريشتها بأنامل خبيرة، وضعت إبهامها في ثقب "الباليتة"·
ـــــ خيال غرفة صغيرة أزركشها بسرير نوم لفارس يحرر هذا الطير الصغير في قفص الصدر· سأرسم له في أسفل الصورة طرفاً من رأس حصانه وأفرش له الفرندة بشفاه الكرز، غير ناسية دالية العنب المعرشة فوق رأسينا، ستعقد أشجار الكرز من حولنا دبكة الفرح وتغازلنا سنونوات، سأبقي لون الفيروز هكذا في خلفية اللوحة لأترك آفاق العناق بين الطيور مفتوحة، وفي وسط الصورة ثمة جسدان يتخاصران كما البجعات في بحيرة "ديستويفسكي"·· للأنثى شكل فراشة تقف على إبهام قدمها الأيمن، يندفع صدرها إلى الأمام ويداها مستسلمتان في الأعلى لنشوة الرقص، يحوط خصرها بذراع من الحنان بينما تدعوها ذراعه الممدودة جانباً لنشوة القفز· سأبقي على لون الجسدين شفافاً هكذا وبلا ملامح فاسحة المجال لحديث الحركة، وأبقي على الطبيعة من حولنا علامات الاستفهام والتعجب ليبقى الجسدان مركز الاهتمام في أسفل الصورة سأفرش الأرض بظلال الفرح وأترك لتموجات اللقاء أثراً على ارتعاشات أوراق الكرز· يجب أن تبدو النسائم خفيفة لطيفة، وها أنذا أدع مساحات متباينة أجدل فيها أشعة الشمس كي تستمر الياسمينة بتفتحها، نعم هكذا تكتسب اللوحة ألقاً، لا أريدها لوحة للبصر فحسب بل ستبدو مثل فسحة في الخيال، لهذا سأترك أطراف اللوحة بلا تحديد، كي أسمرها في صدر الغرفة دون إطار، ستنمو امتداداتها من روح علاقتنا التي أريد· نعم هكذا تكتمل اللحظة·
في المستقبل القريب قد أضيف إليها لحظات أخرى تغطي جدران الغرفة، وسقفها، وأرضيتها، وستبقى مفتوحة لإضافات أخرى تمتد وتمتد فأخرج بها إلى شوارع البلدة، أرصف جدرانها بلحظاتنا المشابهة· سأصنع مدينة ألبسها ثوب أحلامي·
وضعت الألوان والفرشاة جانباً، استلقت على التربة الطرية تحت شجرة الجوز ثم راحت تمعن النظر في اللوحة·
أخيراً ولدت، كانت آلام مخاضها ممتعة، سأتركها هكذا بلا اسم لتعبر عن ذاتها بذاتها، لن أجبر المشاهد على توجيه رؤيته فليفهمها كما يريد، المهم أنها ولدت· ووحدها اللوحة تولد بالغة، لقد أجهدتني ظلالها وتموجات الحركة فيها وامتزاج شفافية الجسدين بالطبيعة الراقصة، إنهما راقصاً بالية·· لا، لا إنهما عاشقان وقد توحدا في لحظة وجد· يكفيني اليوم ما أنجزت فقد هدني التعب، سأغفو قليلاً على إيقاع "فالسات شتراوس" الهادئة، ليتابع الرقص سحره من عمق اللوحة إلى عمق الحلم·
لم تكد تستغرق في غفوتهاحتى بدأت قهقهات غريبة تشق طريقها في أذنيها، غمرها في الحلم مطر أسود، رقصت حولها طيور سوداء، تشير إليها بأصابع ساخرة انبثقت من أجنحتها، تضرب البرك الطينية بأرجلها الرفيعة لترشقها بالسوائل القذرة، في البعيد ثمة حمار قزم ينهق، يشير بحافره إليها وقد انقلب على ظهره ضاحكاً· تناثرت العناكب على شفاه الكرز تدميها· اقترب القزم منها مستهزئاً، صرخت، تلاشت الأشباح من حولها، استيقظت مذعورة على لوحة سريالية، التهمتها أسنان ديدان الأشجار ولم تبق إلى على أشلاءٍ متناثرةٍ في إطارٍ خشبي متسخ·