"حمامة بيضاء" لعلي عبدالفتاح
قصص من البيئة البحرية والمشاعر الرقيقة تدور حول العلمي والجمالي
بقلم: منى زين الدين
صدر للأديب علي عبدالفتاح مجموعته القصصية العلمية "حمامة بيضاء" وقد جاء الغلاف مثيراً للدهشة حيث تبدو الحمامة البيضاء تحلق فوق روابي القدس والمسجد الأقصى وأيضاً مدينة الكويت من خلال مشاهد الأبراج العالية على ضفاف البحر·
إن الغلاف في حد ذاته يحمل رسالة إلى العالم رسالة واضحة ومباشرة· فالجرح العربي واحد· والأمة العربية- رغم اختلافات الأنظمة- أمة راسخة العقائد والقيم الدينية والقومية والشعوب تمتزج دمها في دم النضال والحرية·
فالجرح الفلسطيني مازال نابضاً في القلب الكويتي وأزمة الإنسان الكويتي هي دمعة الأسى في روح أبناء الأمة العربية· وإذا كنا نأمل بعودة الأسرى إلى بلادهم الكويت فنحن أيضاً نناضل لعودة القدس للعرب وعودة أهل فلسطين إلى ديارهم إنها قضية واحدة وأرض واحدة ودم نازف من أجل الحرية والنهار الجديد·
رسالة خاصة
هذا هو معنى الغلاف أو رسالة الغلاف حيث تستوحى الصورة من خلال القصة الأخيرة في الكتاب قصة فتاتين: فلسطينية وكويتية عاشتا معاً على أرض الكويت فهل تأثرتا بالمواقف والخلافات السياسية وحين سألت الزميل علي عن مغزى صورة الكتاب وأشرت له أن إحدى صديقات بناتي شاهدت الكتاب وسألت إبنتي: وما علاقة الأقصى بالكويت؟ أجابت ابنتي الصغرى وقالت لها هناك قصة عن فتاتين من فلسطين والكويت·
يقول الكاتب: إن الغلاف ليس له مغزى أو لا يحتاج إلى إيضاح بكل بساطة يشير إلى أن الدم الفلسطيني الذي يراق داخل فلسطين والدم الكويتي الذي ينزف من أجل الأسرى وكان ينزف أثناء الاحتلال دم عربي من نبع المعاناة والنضال· الكويتي أو الفلسطيني أو المصري أو الخليجي أو السوري شعوب عربية وحدتها تجارب الحرية والنضال عبر التاريخ ولا يمكن أن ينفصلوا إطلاقاً· هذا ما توضحه صورة الغلاف، إن الكويت في قلب فلسطين وفلسطين في قلب العالم العربي·
مقدمة الكتاب
يقول الكاتب في المقدمة: هذه القصص كتبت من خلال الحقائق العلمية وقد يخالف هذا شروط الفن القصصي ولكن يمكن أن يقال بأنني وظفت دراما القصة القصيرة في تقديم مواقف علمية وإنسانية وثقافية تثري ذهن القارئ بالمعرفة والمعلومات وتثير في أعماقه أرق المشاعر والأحاسيس·
وقد بدأ الكاتب علي عبدالفتاح بتقديم ثلاثة فصول تدور حول هذه العناوين: في أعماق البحار، وأحلام العباقرة، ودمعة قلب·
وفي الفصل الأول عن البحار استطاع أن يستلهم من البيئة البحرية أو الكويتية أفكاراً جديدة تدور في إطار علمي وإنساني· وتبدو القصص فياضة بالدلالات التربوية أيضاً فالطفل الذي يصطاد السمكة الذهبية بعد جهد وصعوبة يطلقها مرة أخرى إلى البحر بعد أن يجفف قطرات الدم حول عينيها إنه يتعاطف مع السمكة·
وتلك هي محاولة الكاتب ليثير التعاطف مع الكائنات والارتقاء بالاحساس إلى مستوى عال يشعر فيه القارئ أنه أحد عناصر هذا الوجود وأن الكون من خلاله مصدر عطاء· فالطبيعة تمنح الحب حيث ينشر الشجر ظلاله والورد يفوح بالعطر والنجوم تبعث الضوء والبحر زاخر بالخيرات·
رومانسية شفافة
ولذلك: لماذا نغتال كائنات البحر؟ إنها إحدى عناصر الجمال في البحر· وربما الفكرة قد تبدو إلى حد ما رومانسية وغارقة في المثالية إلا انها تثري وجدان الطفل بتلك الروح العذبة الشغوفة بالمعرفة الباحثة عن القيم الجميلة·
ولعل الكتاب يغري الكبار أيضاً بالقراءة حيث يثير تساؤلات حول الحياة والموت والخلود ومعجزات الخلق والكون والفضاء والحب والرحمة والحرية والنضال ضد الظلم وعشق الجمال وقد يناقش الصغار الكبار في هذه القضايا بعفوية·
ولا سيما أن الكاتب من خلال أسلوبه الدرامي الشيق وعباراته النثرية الجميلة قد كثف الأحاسيس وجسد المعاني المضيئة وبذلك نقش القيم الجميلة على جدران القلب· فما معنى أن يطرح الطفل هذا التساؤل على جده ويقول له: أريد لؤلؤة يا جدي تعيش معي· أجمل دانة في البحار ولكن كيف يراها؟ وبعد أن يشرح له الجد طريقة تكوين اللؤلؤ وصناعته واستخراجه يظل الطفل يسأل عن اللؤلؤة التي يبحث عنها فيقول له الجد: انظر على صفحة البحر ستجد أجمل لؤلؤة· ويذهب الطفل ويلقي نظرة على صفحة البحر فإذا به لا يرى إلا صورته· وبذلك فإن اللؤلؤة الحقيقية هي هذا الطفل الذي سيعيد بناء الحياة مرة أخرى·
رموز ودلالات
تبدو كل القصص ممتزجة بالرمز العلمي والإنساني معاً وتلك المواقف يشكلها الكاتب من خلال تفاصيل دقيقة عن حياة البحر والعلماء والمخترعين ورحلات البحارة وقصة الحوت وسيدنا يوسف· فهناك أيضاً دلالات دينية تخاطب عقل وروح الأطفال· وتدعم الجانب الروحي·
وكذلك يستعرض الكاتب علي عبدالفتاح قضايا علمية عن الأرض ونيوتن والجاذبية وماجلان وأول رحلة إلى القمر· تلك الأفكار تتيح قدراً من التأمل في عجائب الكون ومخلوقات الله وعظمته وكيف يمكن لنا أن نساهم بالخير والطاقات الابداعية من أجل البشر·
حمامة بيضاء
أما القصة الأخيرة "حمامة بيضاء" فقد كتبت بعشق عميق لفكرة الحرية والقومية وتوحد الأمة العربية وتماسك الإنسان بأخيه رغم ما قد يكون من اختلافات أو خلافات بين الأنظمة الحاكمة· فإن الشعوب لا تفترق عن بعضها ولا تشهر الخنجر في وجه بعضها إطلاقاً·
قصة مؤثرة عن فتاة فلسطينية وأخرى كويتية عاشتا معاً على أرض الكويت واجهتا الأزمات والمواقف والأحداث وتزوجتا وناضلتا معاً في كل المواقف فهل تقف الكويتية ضد صديقتها الفلسطينية في أيام الغزو؟؟ وكيف كان دور الفتاة الفلسطينية من أجل الكويت؟ القصة فياضة بمواقف الحب والحنين والتعاطف بين الشعب الفلسطيني والكويتي والقصة تقول في بساطة: إن الدم العربي واحد والقلب العربي واحد والشعوب جميعاً تناضل من أجل قضية واحدة· وإذا اختلفت الأنظمة فالشعوب باقية متحدة الروح والفكر والقلب· إن حمامة بيضاء قصة بسيطة تعلمنا كيف تظل قلوبنا عامرة بالحب والارتباط مع قضايا أمتنا العربية من أجل الحق والحرية· والقصة صرخة من أجل هذه القيم الكبرى· من أجل أن ينهض الإنسان وأن ننهض معاً ونصرخ في وجه الطغاة·
ونبعث من جديد جيلاً جديداً باتجاه النور والابداع والحق جيلاً يؤمن بقدراته ويتجاوز خلافات الأنظمة وينتمي إلى عقيدته وقوميته وعروبته·
إن حمامة بيضاء دعوة للحب والسلام والحرية بين الشعوب فنحن جميعاً يد واحدة وقوى واحدة وإنسان عربي واحد·
تحية حب للصديق الأديب علي عبدالفتاح لهذا العمل الجديد للأطفال وأعتقد أنه استطاع أن يقدم باقة إبداعية نهلت من تجربته التربوية في الكويت التي تزيد عن ربع قرن من الزمان في عيون الأطفال وكذلك من خلال تجربته الأدبية وقراءاته المتنوعة·