المرأة في أفق "المقدس" والتاريخ
عباس منصور
"وقال الرب الإله ليس جيداً أن يكون آدم وحده، فأصنع له مُعيناً نظيره"
"وجبل الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية وكل طيور السماء· فأحضرها إلى آدم ليرى ماذا يدعوها· وكل ما دعى به آدم ذات نفس حية فهو اسمها، وأما لنفسه فلم يجد معيناً نظيره، فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً· وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم· فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي· هذه تدعى امرأة لأنها من امرءٍ أخذت· لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً· وكانا كلاهما عريانين آدم وامرأته وهما لا يخجلان··· من 18 إلى 25، الإصحاح الثاني، سفر التكوين·
في معية النصوص والمعتقدات الدينية التي يقدسها معتنقوها وفي مسألة خلق الإنسان كثير من الألفة· وليس مبدأ انشغالنا استقصاء الاتفاق والاختلاف في الموضوع بين العهد القديم والقرآن الكريم رغم إقرارنا بالأهمية البالغة لذلك وخصوصاً في فهم العقيدة اليهودية التي صبغت المسعى الإنساني في كل العصور والتي ربما لن تتحرر البشرية من قبضتها فيما يستجد من أزمنة إنما يعنينا هنا إقرار معرفة يفيض بها هذا الأفق المقدس·
فمن عنصر وجودي هو التراب خلق الله آدم منفرداً· ومن هذا الوحيد المنفرد خلق زوجه- نظيره- حواء·· وفي الفترة بين خلق آدم وخلق حواء تعرف آدم وحده منفرداً على مفردات الحياة: "وعلّم آدم الأسماء كلها···"، هذا العلم "اللدني" تلقاه آدم منفرداً من خالقه مباشرة في حضور خلق ذي طبيعة أخرى هم الملائكة واستمر هذا التواتر في التعليم بين الخالق وأنبيائه حتى خاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم- على مرور الفترات·· وهذه طاقة في التعليم لم تتح لحواء -للمرأة- منذ خلقها وحتى نهاية فترات النبوات ولهذا ربما بدت السيدة "سجاح" التي ادعت النبوة عقب وفاة الرسول غاية في السذاجة وربما التمرد وعدم الإطلاع على مجريات القضايا في مدى التاريخ· فالمقدس يحسم هذه المسألة منذ البداية لأنه من غير المعقول أن يكون نبي رسول من كائن منقوص في خبرته مقارنة بعموم جنسه الذين هم أقدم وأكثر منه خبرة·· فالمقدس يبين أن ادم شهد مرحلة من الوجود لم تشهدها حواء، وآدم تعلم الأسماء وعرفها بينما هذا الأمر لم يُتح لنظيره- زوجه- حواء·
وتحت هذا الأفق الأليف المؤنس يتشكل عقل وينمو ويتوارث مصطبغاً بالمكان وبتراكم المشاهدات والأحداث التاريخية وأيضاً يتشكل عقل مأسور بعناصره وملابساته التي ينتمي اليها·· فالأحداث تستقر في المعقول وفقاً لطبيعة الذات وعناصر انتمائها·
ولنا أن نقول بأن آدم ينتمي للوجود بكل عناصره المادية وما يتبعها من علاقات تؤسس لنظم في المعرفة والفكر في حين تنتمي حواء لهذا الضلع من جسد آدم، ولذا فمن المستحيل أن يتشكل وعيها وعقلها متحرراً عن سلطة الانتماء لهذا الضلع في الوقت الذي يتشكل وعي آدم وفكره في نطاق انتماء أوسع وأكبر·
وليس من الخطأ في شيء أن نقرر بأن الإنسان يصير آدم عندما يشعر بالوحدة ويبحث عن نظيره الذي لا يخجل من التعري معه فيخلع جنته ويدخل العراك لاستعادة عظمه ولحمه لتتحد ذاته ويستعيد ذاكرة الأسماء في حضرة خالقه ويعيش قصة الخلق من جديد تحت وطأة ذاكرة الغرائز والبصر الحديد·
وعرف الإنسان من خبرته في الزمن بعد ذلك أن اللبيب والحر حسبه الإشارة وقصة الخلق في المقدس تزخر بالإشارات التي لا تخطئها الحواس المتربصة بالمعرفة··
فقصة الخلق تجد صداها في قصة كل إنسان في الحياة ويُعاد تشكلها كل مرة مع كل مولود جديد· فمن عناصر الوجود وخصوصاً التراب والماء يتشكل النبات والدم وكل أشكال الحياة ومن حيوية الغرائز يتشكل الحمأ المسنون ويخرج للوجود إنساناً لا يملك إلا ذاكرة كل عقلها ومعرفتها في أسر الحواس والغرائز ثم رويداً رويداً ينمو العقل التاريخي ويتشكل·· ثم يبحث كل عن نظيره سعياً للتخلص من الوحدة فيقع كل آدم على امرأته ليسترد ضلعه وهكذا·· ومن قصة الخلق نعي بأن لكل إنسان ذاكرتين تنتمي الأولى للغرائز والأخرى للتاريخ والاتكاء على إحداهما دون الأخرى لا بد يتبعه خلل وتشوه في مسيرة البشرية على الأرض ومن الواضح طبقاً لقصة الخلق أن ذاكرة آدم بشقيها التاريخي واللا تاريخي تقبض على مساحة من الغرائز وأقصد بها منطلقات الوعي اللاعقلي أكثر مما لدى حواء التي هي بالضرورة أكثر انحيازاً للتاريخي وربما يفسر لنا ذلك كثيراً من القضايا بشأن مسلك الرجل والمرأة علي مدار التاريخ·· فآدم منشغل بالحكمة والفلسفة وحواء منشغلة بتمهيد الأرض لنسلها ولذا تبدو حواء أكثر فهماً لكل ما هو في نطاق التاريخ والطبيعة بينما لا يملك ادم الذاكرة الملائمة والتي تعينه على قضاء حوائجه التاريخية والطبيعية والاهتداء إلى الحلول الناجعة لها من أقصر الطرق بينما أبلت حواء بلاءً حسناً في هذا المضمار وتمايزت عن آدم الذي غرق في الفيزيقي والميتافيزيقي·
ولكل الديانات السماوية والمذاهب العقائدية التي شكلت منعطفات مبينة في تاريخ البشر تدعو الإنسان إلى الانشغال والاهتمام بغيره سواء في نطاق البشر أنفسهم أم في نطاق مفردات الوجود الأخرى وربما تكون هذه الدعوة استجابة طبيعية لعلاقات الإنسان وخصوصاً آدم بغيره من مفردات الوجود إلا أن تاريخ الإنسان في الأرض لم يخل من نزعات حول الاستغراق في المتطلبات الذاتية والانهماك بتلبية حوائج الذات الفردية مما خلق كثيراً من المظالم والانحرافات التي ورثت الشقاء لقطاعات ضخمة من بني البشر في مرمى كل العصور، وربما لم يجانبني الصواب كثيراً إن قلت بأن تلك النزعات عرفت طريقها وأنشبت طرائقها في تاريخ البشر بدوافع كانت تقف وراءها ذاكرة حواء التي يستهلكها الانشغال بتهيئة سبل العيش والاستئثار بآدم الذي هو تربتها وانتماؤها الوحيد الذي تقاتل بشراسة محتومة للعودة إليه في الوقت الذي ينشغل فيه آدم بالتراب·· وأجزم بأنه لو أمكننا استخلاص إحصائية عن مفردة التراب ومدى ورودها في حديث حواء ومقارنة ذلك بحديث آدم لأدركنا الفرق الكبير في انتماء كل منهما·
فغالبية آدم يقولون أن التراب أصل والماء حياة في حين يقول غالبية حواء إن التراب يغبِّر الجسد والملابس والأشياء والماء تنظف، فهذا الانطباع الواعي عن مفردات الوجود يخبرنا عن الخبرات والذاكرة المفارقة لكل منهما· وعرف آدم وامرأته العُري بعدما أكلا من الشجرة تحت إغراء الحية للمرأة·· وحسب الأفق المقدس في التوراة لعن الله الحية: "وقال للمرأة تكثيراً أكثر أتعاب حبلك بالوجع تلدين أولاداً وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك"· 15 الإصحاح الثالث، سفر التكوين·
وحتى ذلك التاريخ لم يطلق آدم على امرأته اسماً وبعده "دعا آدم اسم امرأته حواء لأنها أم كل حي وصنع الرب الإله لآدم وامرأته أقمصة من جلد وألبسهما"· 21, 20 الإصحاح الثالث، سفر التكوين·
وهذا المقدس يعتبر المرأة محرضاً على الحياة وضماناً لتدافعها وفي العهد القديم موقفان للتعبير عن هذا المعنى كأبلغ ما يكون، الأول عندما أباد الله قوم لوط ولم ينج من هذا العقاب سوى ابنتيه اللتين رأتا الأب بلا نسل فقررتا مضاجعته بعد تقديم الخمر له وبهذا استمر نسله في "مُواب، وابن عمي"· من 20 وحتى 28 الإصحاح 19، سفر التكوين·
والموقف الآخر تجلى في زوجة النبي إسحاق السيدة "رفقة" التي أرادت انتزاع بركة زوجها النبي لابنها يعقوب بينما هو أراد منحها لابنه عيسو فدبرت حيلة لانتزاع ذلك لاعتقادها أن يعقوب أصلح للحياة العائلية حيث لا يستقر عيسو في المنزل وهو على الدوام سارح في البرية يرعى القطيع مما لا يسمح بتحقيق الاستقرار اللازم للأسرة كما اعتقدت·
وعندما يقرر القرآن الكريم أنه "زُيِّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة···" فإن المتبادر للذهن والفهم أن دلالة الناس هنا لا تشمل النساء حيث أنهن من محرضات الحياة والخوض في لذاتها تماماً كالبنين والذهب والفضة·
وهكذا تتجلى حواء في ظلال المقدس محرضاً وباعثاً للحياة والمعرفة وضمانة لاستمرار الحياة وفق مزاجيات ومفارقات تم التأسيس لها منذ عملية الخلق وظلت تتابع وفق هذه الرؤية فتبعها الكثير من الفروقات في التكليفات والتشريعات في العقيدة والعبادات: "درتُ أنا وقلبي لأعلم ولأبحث ولأطلب حكمة وعقلاً ولأعرف الشر أنه جهالة والحماقة أنها جنون· فوجدت أمرّ من الموت المرأة التي هي شباك وقلبها أشراك ويداها قيود· الصالح قدام الله ينجو منها أما الخاطئ فيؤخذ بها··· رجلاً واحداً بين ألف وجدتُ أما امرأة بين كل أولئك لم أجد"· من 25 إلى 28 الإصحاح السابع، سفر الجامعة·