كتب المحرر الثقافي:
افتتح مساء السبت الماضي في مقر رابطة الاجتماعيين الأسبوع الثقافي اللبناني، وذلك بحضور وزير الثقافة اللبناني د· غسان سلامة ود· محمد الرميحي أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب وعدد من السفراء العرب وحشد من المثقفين والمهتمين·
في بداية حفل الافتتاح ألقى د· محمد الرميحي كلمة نيابة عن الشيخ أحمد الفهد الأحمد الصباح وزير الإعلام تحدث فيها - بعد الترحيب - عن لبنان كوطن للثقافة والصمود، حيث قال: "هذا البلد الشقيق شاغل العرب والدنيا، حيث اشعاعه نحو الشرق والغرب في وقت السلم، وفي الحرب والمعارك حيث صموده ومقاومته وانتصاره على الاحتلال الإسرائيلي ومؤامراته انتصارا مدويا باهرا"·
وأضاف: "لو قدر لنا أن نستضيف كل ألوان الطيف الإبداعي في لبنان لما كنا ترددنا ولما كنا لننتهي من برامجها الثرية على مدار العام"·
وعن تشابه الدورين الثقافيين لكل من الكويت ولبنان قال: أن ليس مصادفة أن تكون بيروت ثم الكويت عاصمتين للثقافة العربية، وأن ثمة عشقا مشتركا للثقافة والحرية والحوار والنشر، موضحا أن هذا التماثل قد وجد صداه في العلاقات المميزة بين البلدين فكان وقوف لبنان مع الكويت في مختلف محطات الاستقلال والنمو، وكانت من أوائل الأصوات التي أدانت الغزو العراقي الغاشم للبلاد، وكان لبنان دائما عضدا للكويت في مختلف قضاياها وحقوقها على كل الأصعدة وكان لبنان دائما وجهة الكويتيين·
وأضاف: "إنها الفرادة التي لا يذكر لبنان إلا وتذكر معه فرادة نعيشها وبخاصة مع ثقافته وفنونه، مع قصة اختراع الحرف وأساطير الحب ومغامرات التاريخ والحضارات، مؤكدا على أن في حضرة الدكتور غسان سلامة وزير الثقافة اللبناني نتذكر روايات البحر والانتشار وأن سلامة يمثل تلك القيم بامتياز فهو بحر من الثقافة الفرانكوفونية بخاصة إنه أستاذ في الاغتراب وأنه من الذين يضيفون الى منصبهم قيمة ولاينالون من معطياته شيئا، كما أنه واسع المعرفة، متبحر في الثقافات، مهيب بتواضعه لم يصبه المنصب بغرور وهو المفكر والمحلل ندا لكل السياسيين دون أن يكون بالضرورة واحدا منهم·
"مازة" ثقافة
ثم ألقى د· غسان سلامة وزير الثقافة اللبناني كلمة بالافتتاح جاء فيها: "لقد قصد اللبنانيون بلدكم منذ أكثر من نصف قرن وعملوا فيه وما زالوا وأنتم قصدتم بلدنا في أشهر الصيف مضيفا: "إن اشتراكنا في هذا الموسم الثقافي الكويتي كعاصمة للثقافة العربية كان عن اقتناع، الاقتناع هو بهويتنا العربية الأصيلة التي دفعتنا الى أن نكون منذ سنين عاصمة للثقافة العربية وأن نصفق لاختيار الكويت عاصمة من بعدنا، ولأن نشارك بها أيضا، لأن الإنتاج الثقافي اللبناني في مختلف المجالات إنتاج يفوق حجم بلادنا بكثير في مجال الكتابة والنشر والأغنية والموسيقى والفن التشكيلي والمسرح···"·
"إن الفينيق قد عاد وحلق بعد سنوات الحرب الجائرة، لذلك كنا أمام مشكلة مستعصية··· كيف نقدم للكويت الشقيقة غيضا من فيض؟ بماذا نمثل أنفسنا بينكم؟"·
وأضاف: "لذلك قررنا وأنتم تعلمون أن ما نقدمه لكم هو بعض صحون هذه "المازة" من فن تشكيلي ومسرحي وشعري وفكري" مشيرا الى أن دعوتنا الحقيقية هي أن لا تكتفوا بهذا الأسبوع الذي تكرمتم فسمحتم لنا بتنظيمه في أرجاء بلادكم وإنما أن تشاركونا في حياتنا الثقافية على مدار العام بتكرار زيارتكم الى بلادنا وتكرار اشتراك مبدعيكم الى جانب مبدعينا بمختلف النشاطات التي نقوم بها·
محاضرة "العرب في حوار الثقافات"
قدم د· غسان سلامة وزير الثقافة اللبناني بعد حفل الافتتاح محاضرته القيمة التي تناول بها بعض المشاهد للسياسة الدولية الحالية، بعد انهيار الأحلاف الاستراتيجية، وتغير سياسة القطبين الدوليين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي)، وظهور تغييرات من حيث اختفاء الاختلافات والتباينات الأيديولوجية، وحلول النزاعات الثقافية مكانها·
وتحدث د· سلامة في البداية قائلا: لقد شهد النظام الدولي في العشر سنوات الماضية انهيارا للاحلاف الاستراتيجية، لا سيما لمنظومة الدول الشرقية وعدد من الأحلاف الأخرى، وبانهيار الاتحاد السوفييتي تضعضع موقع الفكر الاستراتيجي في مجمل الفكر وكان الفكر الاستراتيجي والى حد ما الفكر العسكري مسيطرا الى حد كبير على دراسة العلاقات الدولية لفترة طويلة من الزمن خلال الحرب الباردة، لأن التصادم الدولي كان تصادما الى حد كبير محكوما بصراع بين كتلتين تتميزان بصورة أساسية بأيديولوجيتين مختلفتين وبتحالفين عسكريين فتيين ومع انتصار أحد هذين الحليفين على الآخر فإن ما حصل ليس فقط عملية انهيار المنظومة السوفييتية والى حد كبير حلف فرصوفيا، والى حد أكبر الفكر الاشتراكي والطريقة الستالينية، هذا حصل وهذا أمر حقيقي لكن ما حصل أيضا هو التدني المستمر في موقع الحسابات الاستراتيجية والعسكرية في مجمل الفكر المتعلق بالنظام الدولي، يعني إذا قارنا الأدبيات في مجال العلاقات الدولية بين السبعينات والتسعينات· مثلا فماذا نرى، إن كتابين أو ثلاثة في العلاقات الدولية في السبعينات كانت تهتم بالمواضيع الاستراتيجية والعسكرية في التسعينات تدنى هذا الأمر الى نسبة قد لا تتجاوز العشر أو الخمس عشرة في المئة من تلك الأدبيات·
انتهاء الأحلاف والأيديولوجيات
وأضاف د· سلامة: "إذا ما حصل ليس انتهاء حلف، ما حصل هو تقلص في أهمية الفكر الاستراتيجي والعسكري خصوصا في دراسة العلاقات الدولية، تقلص أيضا أمر آخر هو موقع الأيديولوجيات في العلاقات الدولية كان الصراع، وكما تذكرون زيارة خروتشوف الشهيرة الى الأمم المتحدة كان الصراع أيديولوجيا الى حد كبير، كان صدام أيديولوجيات· كانت الدول الكبرى تتنافس على بلداننا واستقطاب بلداننا على استقطاب مثقفينا· على استقطاب مدارسنا الفكرية بحيث ندمج الى هذا الحد أو ذاك في الصراع القائم بين الأيديولوجيتين اللتين كانتا تتصارعان على النظام الدولي، الآن إذا رأيتم العلاقات الدولية وإذا ذهبتم الى الأمم المتحدة لسماع خطابات المندوبين في الجمعية العمومية التي تبدأ بعد ثلاثة أشهر من الآن وإذا قرأتم الأدبيات الرسمية والأكاديمية حول العلاقات الدولية فإنكم ستشهدون بسرعة شحا واضحا في الكتابات الأيديولوجية·
إذا رأينا تقلصا حقيقيا في الفكر الاستراتيجي العسكري، ورافقه هبوط كبير في الميزانيات العسكرية لدى الدول الكبرى، هناك عدد كبير من الدول في التسعينات شهدت هبوطا تجاوز أحيانا 40 أو 50 في المئة في ميزانيته العسكرية، ونشهد شحا أكبر في الصراعات أو الخلافات ذات الطابع الأيديولوجي ولكن الطبيعة وطبيعة الفكر بالذات لا تحب الفراغ لذلك عندما يتقلص أمر، وفي هذه الحالة عندها يتقلص أمران، أي الاستراتيجية العسكرية من جهة والأيديولوجيا من جانب آخر فإن الفراغ لا يبقى فراغا، رأينا أن الثقافة طوعت واستعملت ودخلت لملء هذا الفراغ·
إن أهم الكتب الصادرة في العالم في عشر السنوات الماضية لا تدور لا حول الأيديولوجيات ولا حول الفكر العسكري، أهم الكتب التي أثارت أكبر قدر من الجدل، وترجمت الى عدد كبير من اللغات هي كتب تتناول بصورة أساسية مسألة علاقة الثقافة والسياسة·
إذا رأينا أن الثقافة لم تعد معطى ترفيا، لم تعد كما قال الشاعر في القرن التاسع عشر، ما يبقى لك عندما تفقد كل شيء، باتت في صلب الاهتمامات السياسية حول عدد من القضايا التي تمحور حولها دخول الثقافة الى السياسة، وأولا مسألة الهوية، والخلافات العرقية والأثنية القائمة على الهوية الثقافية لعدد كبير من الدول·
ورأينا أيضا وجودا للثقافة في صراع الحضارات وحوارها، وهو أمر شغل بال صانعي القرار وصانعي الفكر بكثرة في السنوات السبع الماضية لا سيما منذ صدور كتاب صموئيل هنتغتون عن صراع الحضارات ولكن، ربما هذا أهم، رأينا أن الثقافات التي كانت الى حد كبير في ذهننا عندما كنا على مقاعد المدرسة، كنا نعتبرها أنها بعيدة إن لم تكن عدوة للاقتصاد، فإذا بالثقافة تصبح في صلب الحركة الاقتصادية الحديثة والمعاصرة، كانت الثقافة عندما كنا على مقاعد الدراسة هي ما يفزع إليه من لا يريد أن يدخل باب الاقتصاد والتجارة والصناعة والزراعة، أصبحت الثقافة اليوم في الدول المتقدمة هي القطاع الاقتصادي الأسرع نموا· وإذا شاهدتم العدد الأخير من مجلة فورتشن حول أغنياء العالم لوجدتم أن أكبر فئة بين أصحاب البلايين في العالم حاليا هم الذين يسيطرون على وسائل الإعلام أو على وسائل الاتصالات· وإذا رأيتم اسهام مختلف القطاعات الإنتاجية في الدخل القومي لأي بلد متقدم، ورأيتم أن الزراعة وصلت الى حد توقفت عنده، وتنمو ولكن بوتيرة بطيئة، والصناعة التقليدية أيضا، لكن هناك قطاعين في نمو مستمر ينفخان بورصة نيويورك ثم يعودان ويقلصانها هما اقتصاد المعرفة واقتصاد المتعة، أو اقتصاد الترفيه - إذا شئتم -، إذا وضعتم اقتصاد المعرفة واقتصاد الترفيه معا لوجدتم القطاعين الأكثر والأسرع نموا حاليا في الدول المتقدمة وأيضا في بعض الاقتصادات المتوسطة النمو، ماذا يعني هذا الأمر؟
يعني أنه في المجال الفكري حلت النزاعات الثقافية مكان الصراعات الأيديولوجية، وفي مجال تفسير النزاعات والبحث عن وسائل حلها، فالنزاعات تكاثرت وفاقت المئة منذ الحرب الباردة، فإن الثقافة ومشاكل الهوية حلت والى حد كبير مكان الفكر العسكري التقليدي·
إنه كي تتمكن من أن تلجأ الى هويتك الأصلية عليك أن تعيد إنتاجها، وهذا الأمر يؤدي الى مسألة إعادة التراث وهذا الأمر بدوره يؤدي الى نزاعات خطيرة، وقد يوصف بأن هذه النزاعات في السابق بين البعيد والقريب لكنها في عصرنا الحديث صارت نزاعات بين القريب والقريب أي بين أبناء مدينة سراييفو مثلا ومقدونيا وبين أبناء بيروت داخل بيروت فتحولت النزاعات الى مذابح لأن العنصر الثقافي دخل في قلب المجتمعات المندمجة جزئيا وفرق بينها وأصبح عالمنا يندمج في قطاعات ولا يندمج في أخرى·
ولذلك عندما نقول إنه يمكن للحضارات أو الثقافات أن تتجاور ويجب أن يأخذ بعين الاعتبار سيرورة العولمة وعلينا أن لا ننطلق بأن الثقافات لا تتجاور· وعن الحوار الثقافي بين الدول حدد الدكتور غسان سلامة شروطا ثلاثة لنجاحها أهمها:
الاعتراف بالآخر ككيان كامل بمعنى أن اختلافه عني لا يضعفه بشيء فهو كامل مثلي وأن الاختلاف ليس عنوان نقصان بل هو مجرد اختلاف لا يؤدي الى أي معط·
إن تقدم على خطورة محاولة فهمه لماذا يفكر ويأكل وينتج وفكره بهذا الشكل تؤدي الى الاعتراف بوجوده ومحاولة تفعيل فهمهم·
وهو الأصعب أي هو الدخول في حوار حقيقي ويعني هذا مجازفة فمن يعتقدون أن الحوار هو بديل عن الصراع مخطئون فالحوار أصلا صراع من نوع آخر لأنه هو أصلا حوار مع الذات وليس مع الآخر وأن تقبل الدخول في مجازفة الدخول التي تؤدي الى تغيير قناعات·
وقال عن مسألة مقارنتنا كعرب مع دول وثقافات ديمقراطية "إننا وجدنا أمامنا معضلة فلسفية وهي معضلة هويتنا العربية والتي سينساها منذ الخمسينات والستينات وسلمناها للأحزاب السياسية ومنعنا عنها أي نمو ثقافي حتى بتنا في حالة نجد أن العالم يقدم على الوضع الثقافي في صلب السياسة والاقتصاد بينما نحن أصحاب فكرة جديدة وهي الفكرة العربية وبناء الذات الوطنية لكن السياسيين تصرفوا بإراداتهم حتى وجدنا أنفسنا في مشكلة الآن·
نقول للآخر إننا عرب ونحن عاجزون ويصعب علينا الآن أن نتجاوز المعيار اللغوي لهذه الفكرة ونحن اليوم أمام تحدي الذات، تحدي حلولنا أما الأحزاب السياسية وغيرها لإنقاذه، هذه الفكرة من الضياع لأنها فكرة مثمرة ذهبت لغير أصحابها وحان الوقت لكي نستعيد هذه الفكرة من الأيدي التي استولت عليها"·
-----------------------------------
د· سلامة في سطور
- مثقف له حضور عربي ودولي تولى مناصب عدة:
- وزارة الثقافة اللبنانية في أكتوبر الماضي وكلف بالتحضير للقمة التاسعة للفرانكفونية·
- يحمل دكتوراه في الأدب ودكتوراه في العلوم السياسية·
- عمل أستاذا للعلاقات الدولية في جامعة القديس يوسف وفي الجامعة الأمريكية في بيروت·
- انتقل للعمل في جامعة باريس الأولى ثم مديرا للأبحاث في المجلس الوطني للبحوث العلمية CNRS وفي معهد العلوم السياسية في باريس·
- شارك في تأسيس وعضوية اللجنة العلمية لكرسي الدراسات الأوروبية المتوسطية في المعهد الجامعي الأوروبي في فلورنسا·
- عمل مستشارا للبرلمان اللبناني في مجال تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي 425 ومستشارا للحكومة اللبنانية غداة مفاوضات السلام في مدريد وواشنطن وساهم بصفات متعددة في الجهود التي أدت الى اتفاق الطائف·
- عمل عضوا في مجلس إدارة معهد العالم العربي في باريس وفي اللجنة الاستشارية للاونيسكو حول "ثقافة السلام" ومجلس CEDEJ في القاهرة ومجالس عربية أخرى·