رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 8-14 جمادى الأولى1422هـ الموافق 28 يوليو - 3 أغسطس 2001
العدد 1487

قرءاة في نص
عندما رأى ما رآه الغائب
السبتي يشرخ ليل الحلم·· فتنساب الرؤية

"الناس نيام حتى إذا ماتوا·· انتبهوا"، أو بمعنى شعري: رأوا ما لم يره أهل الحياة الدنيا، فالموت ربوة، الغائب خلفها قد رأى ما رأى، عالم غيبي شفاف تمنعنا غشاوة ما عن رؤية تفاصيله··

لكن ماذا عن شاعرنا علي السبتي الذي اعتلى بنصه الجديد ربوة، وأصغى للظى··؟!

يظل السبتي بكتاباته الشعرية مفاجئاً - دائما - بجديده، ويظل لأكثر من نصف قرن محتفظا بوهج قصائده، ممسكا بخيوط علاقته العشقية مع تلك القصيدة، التي اعتادت منه هذا الوصال الطوعي، دون تكلف·

علاقة خاصة جدا ومنفردة، بين السبتي وقصيدته، قد تطول بينهما ليالي الصمت ولا يستدعيها، فينتظرها الى أن تمل من جفوتها ودلالها، وهي - وقد اعتادت منه تلك الطباع - لا تتداعى على قلبه حتى تشتعل شوقا·· فيطلق بعدها عبارات الفرح والتهليل بصوته المتهدج العميق·· "وعادت الأشعار"···

في نصه الجديد - معنى وزمنا - لا يلتفت السبتي الى زخرف الألفاظ والكلمات، ولا الى صخب التفعيلات، وموسيقاها، هو فقط يملي على ورقته البيضاء كتلة مشاعر وأحاسيس، ورؤية·

في قصيدته "رأيت الذي رأى··!" كأنما ينبّهنا السبتي في عنوانها الى رؤى تحققت ببصيرة "الرؤية"، فتكشفت رؤاه التي يحلم بها عن مشهد حقيقي مثَل أمام عينيه·

خُيّل الي أنه تبع آثار خطوات غائب، راغبا في كشف سر حنينه للغياب واستجلاء صورة ضبابية، تخفي وراءها هوة جاذبة، تأسر قلوب النوّم·· لينتبهوا، ويبدأوا رحلتهم الأخيرة··

يقول عن "الغائب":

"كان بين الطريقين يبحث عن مخرج للعذاب

فرأى ما رأى ثم·· غاب

غمرته النمال فغاص بتل التراب··!"

أن يكون الغياب "عموديا" بلا آفاق، بل حُجب من تلال الرمال، فلا بد أن يكون نداء الأرض الأزلي، وشهوة تربتها الوحشية في نهش أجسادنا، و"غائبنا" كذلك، إنما يبرر شاعرنا مغامرة "الذي كان بين طريقي" الحياة والموت، بنورانية المشهد الذي رأى "ما رأى·· ثم غاب"·

ثم يعود الشاعر الى نفسه، وموقع قدميه، ووقوفه وحيدا يرقب ذلك الغياب "الغامض"، ثم ينتبه الى ما حوله، من جموع بشر تمور بالحركة، والازدحام، فتشف - بعين الشاعر - الصدور عن أمان، وخواطر، ورغائب، وحياة تتلظى·· "وأنا قد رأيت الذي قد رأى

وقفت على ربوة لأرى

وأصغي لما يتلظى بتلك الصدور

دمٌ بالحياة يفور"·

بعد أن يصدمنا في بدء عبارته الشعرية بحرف "الواو"، و"الأنا" للفت انتباهنا إليه، ويعلمنا بنقل المشهد المراد تصويره "عن حالته" عما سبقه من مشهد صوّر ذلك "الغائب"·

ثم يستأنف حديثه عن عالمه الذي تلبسه، وغيّبه مرة أخرى عما حوله، ليعود متوحدا و"مبتهجا" الى "حديث الذي قد رأى ما رأى ثم غاب"··

كأنما عزاءه أتاه من حديث داخلي، دار بينه وبين الغائب، طمأنه فيه بسلامة طريق الرحلة والسفر والغياب، ووصوله الى حدائق النور·

في مقطعه الثالث يذكرنا السبتي (أو يذّكر نفسه ويطمئنها) بمرور الزمن وثبات الضياء إذ "رأى" ضياء الغائب، يشرق بـ "بسفر الحبيبة"، لم يُخفه سواد السطور، بل كتب له رسالة أخوية، أوصلت لعين السبتي وقلبه أن "غائبه" لم يحمل معه من هموم دهره شيئا، وأنه قد أحيل الى بنفسجة عاطرة، في تلك التربة التي غاص بها·· ويقول في رسالته أن الطيور العابرة تهد جدار الظلام (الذي غيّبه)، وتعبر نحو الضفاف الأخرى، كما أن النوارس تظل ترفرف على أمواجها رغم عنف ذلك الموج وشراسته، مثل "النورس الغائب" الذي ألف وجه الموت ولم يخش منظره وهو يفتت أرواح البشر·

في مقطعه الرابع والأخير يخفت صوت الشاعر قليلا، ويهدأ من عنفوان صراعات الغائب، وفورة مشاهده العائدة، قد يكون مثقلا بالحزن المقترب للختام، إنما لم يعد كما بدأ جازما، أو موقنا في رؤيته:

سفائن من أبحروا قد تعود المساء

مع النجم حين يشيع الضياء

وأوشك أبصر ذلك الذي قد رأى ما رأى ثم غاب

يعود·· ويفتح مقتدرا مخرجا للعذاب·

وأيضا يعود السبتي بمعناه الدائري، حيث ينتهي بمثل ما بدأ، وفي بحث الغائب عن مخرج للعذاب، لكنه يخفّف من صدق رؤاه بكلمة "أوشك"، بعد أن كان يؤكد "وأنا قد رأيت"··!

هذا جديد شاعرنا الكبير علي السبتي، "الشيخ" الذي تلتقط حمامات الشعر الحذرة حبّاتها بين كفيه، دون أن يشد عليها أصابعه بقبضة، الى أن تأتيه طواعية وبألفة· كما لا يمكن أن اتخيّل بمحاولاتي هذه لقراءة نصه سوى أن يكون الغائب شقيقه فقيدنا هاشم السبتي·

ن· م

 

رأيت الذي رأى···!

 

كان بين  الطريقين يبحث عن مخرجٍ للعذاب

فرأى ما رأى ثم·· غاب

غمرته النمال فغاص بتل التراب··!

***

وأنا قد رأيت الذي قد رأى

وقفت على ربوةٍ لأرى

وأصغي لما يتلظى بتلك الصدور

دمٌ بالحياة يفور

أمدّ يدي للعيون أصافحها

وأسمع مبتهجا في زحام الطريق

حديث الذي قد رأى ما رأى ثم غاب

حديث النشور!

***

وأمس بسفر الحبيبة ضاء الذي هو خلف السطور

قرأت به كيف يحتمل الحرّ ما خلفته الدهور

وكيف ترفّ بنفسجةٌ تنشر العطرَ بين القبور

وكيف تهد ركام الظلام وتعبر نحو ضفافِ الأماني

صغار الطيور

وأن النوارسَ لا ترهبُ الموجَ وهو يفتت صمّ الصخور

***

سفائن من أبحروا قد تعود المساء

مع النجم حين يشيع الضياء

وأوشكُ أبصر ذلك الذي قد رأى ما رأى

ثم غاب

يعود·· ويفتح مقتدرا مخرجا للعذاب

طباعة  

إضاءات
 
ترجمات
 
خبر
 
إصدارات
 
وتد
 
يزور بيروت·· لأمسية "البلمند" ولـ "حوارالعمر"·· أم لشيء آخر!
محمود درويش: "هـلأ مِشْ وقت مزح" الإسرائيليون لم ينتهوا بعد من حرب الـ 48

 
المرصد الثقافي