رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 28جمادي الاولى-5جمادى الاخرة1422هـ الموافق 18-24-أغسطس2001
العدد 1490

قصة

طـب شـعـبـي

 

عبدالرحمن الحلاق

 

ثمة أصوات متداخلة مرتبكة، واضحة تارة ومبهمة تارة أخرى، تتدافع في أذني فتقلق نومي، إلا أن ما جعل الصحو يتسلل الي عبارة قالتها إحداهن:

- ألن توقظوا الصغير لينام في غرفة أخرى؟ إن استيقظ بنفسه ورأى شيئا فلن يتسنى له نسيانه أبدا·

ردت عليها أمي بصوت متقطع:

- لا تزعجوه فهو صغير ولا يعرف شيئا·

تساءلت عما يجري؟ وعن الذي لا أعرفه؟، ولم اجتمع هذا الحشد الصغير من النسوة؟ وزاد في فضولي ذلك الشيء الذي إن رأيته فلن أنساه·

تصنعت الاستغراق في النوم، ورحت أسمح لجفني بالانفراج قليلا لأرى ما يجري، يساعدني في ذلك ابتعاد فراشي في أقصى الغرفة، فقد كانت الفراش تمد على الأرض ليلا لتطوى في الصباح··· رأيت في تلك الليلة ما لا يمكن أن أنساه فعلا·

كانت أمي تذرع الغرفة جيئة وذهابا يتقدمها بطن ممتلئة، تسند طرفه بيد وطرف ظهرها بالأخرى، تند عنها تأوهات وأنات توجع، استيقظ عقلي من نومه مستنفرا كل قواه يريد الفهم، لكني بقيت كما أخبرتهم أمي لا أدرك شيئا مما يدور حولي، أعرف هؤلاء النسوة واحدة واحدة، إنهن جاراتنا اللواتي يجالسن أمي عصر كل يوم على باب الدار، يتكملن ويتجاذبن أطراف الحديث، فتعرف في ساعة أخبار نسوة الحي وأحيانا أخبار نسوة الأحياء المجاورة، وتعرف أنواع الطبخات لهذا اليوم كلها، كما تعرف أيضا بعض الأخبار المبتورة عن أشياء سرعان ما يلحظن انتباهك لها فيطردنك من أنسهن، رغم أني ما كنت لأهتم بأحاديثهن قدر اهتمامي بمجرد الجلوس بجانب ركبة أمي، كنت أحسها واحة أمان·

إلا أن ثمة عجوز بينهن لم أرها من قبل، شمرت عن ساعديها وراحت توزع أوامرها على الموجودات وكن ينصعن لها بانقياد تام تكرر بين الفينة والأخرى عبارة واحدة:

- ساعة وينتهي كل شيء·

أختلس النظر الى ساعة الجدار، لا أدرك فيها شيئا فأبي ما زال يماطل كلما طلبت منه أن يعرفني على هذه الآلة العجيبة، أعاود اختلاس النظر الى أمي التي استلقت على الفراس· تجلس قبالتها وبين قدميها المنفرجتين هذه المرأة العجوز· تصرخ أمي فأتجمع على نفسي كمن يتوقع صفعة، تلقم جارتنا أمي طرف اللحاف، لماذا تريد أم عبدو إسكات أمي بهذه الطريقة؟ وهذه المرأة العجوز ما زالت منذ ساعات تقول:

- لقد حمي الطلق واقتربنا من النهاية·· ساعة وينتهي كل شيء·

فجأة انبثقت يد صغيرة جدا من بطن أمي فجحظت عيناي لآخر مدى تغلفهما إشارة استفهام كبيرة، لكن يد العجوز أعادتها وهي تقول:

- يجب أن يخرج الرأس أولا·

ولا تكاد تنهي جملتها حتى تنبثق اليد ثانية فتعيدها من جديد، ترى ما الذي يختبئ في بطن أمي؟ ولماذا لا يستجبن لصراخها واستغاثاتها، للمرة الأولي أرى أمي تتألم، أردت البكاء لكني خفت أن ينكشف أمري، خاصة وأنهن على ما يبدو قد نسين هذا الصغير النائم، وما كان يهدئ من روعي قليلا تلك الغفوة القصيرة التي تغفوها أمي بين الصرخة والأخرى، وكأنما تستيقظ لتصرخ ثم تعود لغفوتها ومع كل صرخة كانت اليد تنبثق خارجة فتصر العجوز على إعادتها· اقترحت الحاجة "وطفه" أن تنقل أمي الى المستشفى لكن العجوز اعترضت مكررة جملتها:

- ساعة وينتهي كل شيء··· استبدلن الماء الحار فقد برد هذا··· بعد قليل يقلب الولد على رأسه فيخرج بسهولة·

لم أدرك أي ولد، قلت في سري لن أقلب على رأسي، ولن أخرج من الغرفة فأنا نائم، ومع الصرخة التالية انبثقت قدم صغيرة حمراء فسارعت العجوز لإعادتها وهي تزعق:

- أتريد ملاعبتنا؟

انثالت فوق رأسها ضحكات وتعليقات حول ولد يحب اللعب من صغره، وهذا ما جعل الطمأنينة تداخلني قليلا فقد أيقنت أني لست المقصود، نعم فأنا كبير ولست صغيرا، على الرغم من أني بقيت كما يقول المثل الشعبي "مثل الأطرش في الزفة"، وما زاد في حيرتي إصرار العجوز على إعادة اليد أو القدم وعلامات الحزم بادية على وجهها·

بدأت النسوة بتمتمات لم أتبينها جيدا لكن كنت أسمع اسم الله يتردد على ألسنتهن، وأيديهن ترتفع وتنخفض، يختمن كلامهن المبهم بكلمة "يارب" لحظتها شعرت بشيء من الخوف خصوصا وأن صرخات أمي قد بدأت تزداد وتعلو طالبة الخلاص، ودون أن تنتبه أي منهن سحبت طرف اللحاف وتدثرت به، لم أترك شعرة من رأسي دون دثار، أردت أن أعرف ما يجري فقط عن طريق السمع، وها هي العجوز من جديد تهدد وتتوعد:

- إن كنت رجالا بصحيح أخرج رأسك أولا·

لن أخرج رأسي من تحت اللحاف، وما عادت معرفة ما يجري تشندي فمنذ ساعات يتكرر نفس الكلام الحركات، ولم تحدث أية مفاجأة، مللت مما يجري وبدأ النوم يداعب أجفاني من جديد فاستسلمت لسلطانه وبقايا من كلمات العجوز تتسلل عنوة الى أذني:

- لن تخرج إلا برأسك أولا·

وبين الفينة والأخرى أجفل من صرخة توقظني فأعاود النوم مرغما ولم أصح إلا في الصباح على صوت والدي وهو يرفع الأذان وفي حضنه طفل صغير، نهضت من فراشي واقتربت منه، انتظرته ريثما ينهي الأذان، قبلني على خدي قبلة وهو يقول لي:

- مبروك صار عندك أخت صغيرة·

ركضت الى أمي، كانت مشرقة الوجه باسمة، ضمتني الى صدرها، غمرتني ديمة حنان، قبلت وجهها وأنا أقول:

- لقد خفت كثيرا، لماذا كنت تصرخين في الليل؟

شدتني الى صدرها، دون أن تنبس ببنت شفة، وبقي السؤال يحيرني لفترة طويلة·

طباعة  

اضاءات
 
عرض
 
مقال
 
توقظني تمنحني المحوَ وترحل
 
الأسبوع الثقافي الكويتي في اليمن أنشطة متكاملة ولقاءات رسمية وندوة أكاديمية تعطي دفعاً جديداً للعلاقات الثنائية
 
وتد
 
"العربي" في مركز البحوث والدراسات تفتش في ذاكرة الكويت
 
شعر
 
المرصد الثقافي