حرية من نوع آخر
بقلم: عبدالواحد استيتو/المغرب
لدقائق طويلة، وقفت أمام زجاج النافذة تشاهد الشارع الممتلئ بالحياة·· المرئيات تبدو لك مشوهة، منكسرة بفعل المطر الذي يطرق الزجاج بإلحاح، لكنه لم يمنع هؤلاء القوم من الخروج· في بلدك، عندما ينزل المطر، تخلو الشوارع من المارة لكأن السماء تمطر حجارة لا ماء· عندها كان يحلو لك أن تخرج وتتمشى الهوينى، وحيدا كالقنفذ، مستمتع أيما استمتاع بوحدتك هذه· تحدث العالم ويحدثك، تسأله فيجيبك · عند عودتك تقول لك (منية) إنك مبتل ككتكوت يتيم، وأن الأنفلونزا هي آتية حتما لتقطن ثنايا جسدك· لكنك لا تكترث لهذا العطف المبتذل، فأنت تعرف مسبقا أنها ستقول ذلك وستحاول - ما أمكنها ذلك - أن تبدو في صورة الزوجة العطوف· تعرف - أنت - أنها تقول ذلك مرغمة· نوع من اللابد الذي ليس منه بد· وها أنت اليوم تهرب (هل هو هروب حقا أم مواجهة؟)·
آتيا الى عالم أرحب وأوسع· (لندن) ليست هي (طنجة) بالتأكيد (لندن) شاسعة، قاسية، عابثة·· لن ترحمك إن لم تعرف كيف تدبر أمورك فيها·
"ألن تكف عند دس رأسك في أوراقك البغيضة هذه؟"·
كانت تقولها منية في لحظات الغضب، حين كانت تفقد كل ميراث التعامل المؤدب الذي تعلمته، فتبدو لك صادقة أكثر من أي وقت آخر· لكنك لم تكن تحتاج لكل هذا لتدرك أنها تمقت رؤيتك وأنت تكتب· ما الذي تعرفه منية عن الإبداع؟ هكذا سألت نفسك يوما، ثم ما لبثت أن انفجرت ضاحكا بسخرية مريرة مختصرا أية إجابات أخرى قد لا تكون بليغة كما يجب· وتحين اللحظة التي لم تكن - رغم يأسك - تتمنى لها أن تجيء·· لحظة اتخاذ القرار·· ويتدخل بعض المتحذلقين محاولين أن يكونوا أكثر ودا من الآخرين··
"كذا أنت·· متسرع دائما"
"اصبر يا صديقي·· لربما تفهمك يوما"
"ألن تكف عن حماقاتك هذه؟"
"طلاق؟ يا لهذا الحظ المشؤوم"·
الأولى من طين والثانية من عجين·· هكذا كانتا أذنيك وأنت تستمع الى الآراء الأخرى· لم يكن ذلك عن تعنت أو عناد غبي· لكنك كنت قد استنفدت كل ما لديك من صبر، من أعصاب، من روية· وأنت لا تريد أن توذي أحدا، طبيعتك المرهفة لا تسمح لك· لذا اتخذت أقصر الطرق وأصعبها· لحسن الحظ أن زوجتك لم تكن حبلى بعد، كان هذا سيجعل الأمر في حكم المستحيل بالنسبة لك·
تاركا منية خلف ظهرك، ذكرياتك، مهنتك، أصدقاءك، أختك، وهي كل أسرتك الآن· تاركا كل ذلك، جئت الى لندن محولا كل رصيدك الى أحد بنوكها، عازما على معانقة معشوقتك، على الغوص في عالمها حتى النخاع·
"لسوف أكتب حتى تتوسل لي الأوراق أن أدعها وشأنها"·
وهاهي عاصمة الضباب توحي لك بالكثير، بعشرات القصص، بمئات الأشعار، بآلاف الخواطر، وها هي آلتك الكاتبة التي حملتها معك تنظر إليك في توجس هو الى الشوق أقرب·
تلتهم كل الطعام الذي حملته إليك خدمة الفندق· أنت لست جائعا، لكنك خائف، متردد· منذ طفولتك وأنت تدفن مخاوفك بأن تأكل وتأكل، تلوك الطعام، تمضغه بقوة· لكأنك تبلع كل خوفك معه· وبعد قيلولة طويلة، تنهض مستعيدا نشاطك، وتمارس هوايتك المحببة في السير تحت المطر· القطرات الحنونة تداعب وجهك بهدوء· الوجوه واجمة، العيون شاردة، لكنها على الأقل ليست فضولية· هنا، يرى الناس أنهم أولى بالمراقبة ولا يهتمون البتة بمراقبة الآخرين·
هآنتذ، أخيرا، تجلس خلف ذلك المكتب الصغير العتيق، تداعب أزرار الآلة الكاتبة ببطء· ليل لندن ليس صامتا كما يجب، لكنك لا تهتم· تزداد سرعة أناملك، تضغط على الأزرار في حنق، ثم بانسيابية، ثم بخشوع· بكل سعادة وحرية تكتب، وليل لندن الرائع لا يسألك أبدا لماذا تجالسه كل هذا الوقت؟