رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 28جمادي الاولى-5جمادى الاخرة1422هـ الموافق 18-24-أغسطس2001
العدد 1490

وتد

 

ذات مساء

 

نشمي مهنا

في ساعة متأخرة من مساء غائم بالضباب، عدت إلى بيتي، أضأت المدخل، وأعملت المفتاح برفق، قبل أن أدفع بكفي الباب·· سمعت أصواتاً متشابكة، تتقاطع مع بعضها، تعلو هنا وتخفت هناك، أحاديث حادة، ونقاشات، وتراتيل، وأناشيد، وقصائد هادئة·

كيف ضم بيتي الصغير كل هذا الجمع المهرجاني؟! تساءلت·· دفعت الباب ببطء، مذهولاً متحفزاً لذهولٍ أكبر، فهدأ الضجيج قليلاً، أنرت الصالة·· لا أحد، تتبعت خيط الهسمات في الممر المفضي إلى الغرفة القصية!

وقفت ببابها - الشبيه بباب المبردات العمودية - أزحته إلى اليمين·· واستمعت (تعمدت ألا أضيء عتمتها):

- أنا بيت الضوء الذي لا يضاءُ:

قلقي شعلةٌ على جيل التيه

وحبي منارة خضراءُ

(أعاد كلماته بصوت عال، وبثقة كأنما يعطي من حوله تعليمات وأوامر) لم أتبين وجهه!

قاطعه آخر:

- أغني·· وهي أنفاسي

وأسكت وهي إنصاتي

وأظمأ·· وهي احراقيِ

وأحسو·· وهي كاساتيِ

أموتُ وحبها موتيِ

وأحيا وهي مأساتي

التفت إلى مصدر الصوت (كم أحببت قائل هذه الأبيات)، جلست على أرض الغرفة بهدوء، كي لا أقطع موسيقى أشعاره، خصوصاً أنه يرى الصوت!

من الزاوية الأخرى:

- عرفتُ شذاكِ فالتفتتْ

تسائلُ عنكِ أشواقيِ

كأنما هناك من يحتج على غلبة الشعر، وعَلا صوته في زاوية الغرفة:

- إن حياة الإنسان الواعية تتبادلها نظرتان، لكل نظرة منهما لحظتها، ولكل لحظة مقوماتها، أما إحداهما فهي حين يكون الإنسان على صلة عملية أو علمية مباشرة بشيء من كائنات الواقع وأما الأخرى فهي حين يخلو الإنسان إلى نفسه·

هناك آخر (عرفته من ملامح صوته وتخيلته مقطباً حاجبه كالعادة):

- يمكن كمّ الفم، يمكن تغيير الأيدي، يمكن الحد من نشاط الإنسان، ولكن لا يمكن توقيف مسيرة الروح، مسيرة الفكرة·

(إنه عبدالله النفيسي، يضيف كأنما يحدث نفسه وسط هذا الضجيج:

- الكاتب الحقيقي والمفكر الحقيقي هو الذي يذبح بسيف كلماته·

صوت آخر أعرفه جيداً إنه سليمان الخليفي يحاول شرح عقد قصته "فصول" وحوارات أبطالها:

"ابن زيدون" هو الوحيد الذي عرّف الجمع بشخصيته وأخذ ينشد لهجةٍ تاريخية عبقة، تمنيت ألا يتوقف:

إن تكن نالتكِ بالضرب يدي

وأصابتك بما لم أُرِدِ

فلقد كنتُ لعمري فادياً

لكِ بالمال وبَعْضِ الولَدِ

ضحك آخر بغيرة واضحة:

غدوتُ على اللذات منتهك الستْرِ

وأفضتْ بناتُ السرِّ مني إلى الجهرِ

آخر مختلف يقول:

ليست الكتابة سوى فعل الهدم الجميل الذي انتظره الوقتُ والمكانُ منذ طفولة الأشياء·

من الرف العلوي قال:

حين نطلق كلمة "الاقتصاد الإسلامي" لا نعني بذلك علم الاقتصاد الإسلامي مباشرة لأن هذا العلم حديث الولادة نسبياً ولأن الإسلام دين دعوة و··

شخصية أخرى قالت باعتداد:

علمتني الأيام والتجارب التي مرت بي أنه يحسن بالمرء - إلاّ إذا كان ذا مواهب خارقة - ألاّ يخوض معترك السياسة العملية قبل بلوغه الثلاثين·

وهناك·· بكآبة حادة قال آخر:

ويل قلبٍ يتمطَّى العمرَ

في درب الغيابْ

كان في الأصل وفي الطبع شهاباً

فاته وَمْضى الشهابْ

اختلطت الأحاديث، تشابكت أكثر فأكثر، كلمات في الاقتصاد والأدب والشعر والسياسة والفلسفة والدين، وصوت وحيد في العلوم وآخر في الجغرافيا، إنما أغربهم ذلك  القابع في الرف الأيسر يعرض آراءه بصمت·· ويرفع رسوماته الكاريكاتورية الساخرة في عتمة الغرفة، لم أعرف - ولم يعرف الحاضرون طريقته الهادئة في العرض إلا حين همس في أذني·

تشوقت أن أضيء ليلهم لأرى وجوههم، إنما ترددت، عرفت قليلاً منهم حينما نادوا بعضهم بأسماء وألقاب كالجواهري (الذي لم يهدأ وظل يواصل انشاد قصائده كنهر هادر)، وطه حسين، والعقاد (لم استحسن صوته وإن ظل عشقي له راسخاً) والمودودي وسيد قطب والمتنبي (صوته يتحرك بين جميع الشعراء وأهل السياسة والأمراء)·

كان مسائي جنة أصوات، إلى أيها أميل وأثني ركبتيْ أمتع قلبي وأتعلم؟!

غرائب تلك الجنة أن أصوات ساكنيها - رغم التشابك والمقاطعات - تصب نميرها في قلبي·· فيصفى كل صوت وتأتي الكلمات واضحة حرفاً حرفاً·

اقتربت أكثر للشعر وأهله·· فهذا صوت لا يخفى عليْ يقرأ مختارات من "المبحرون مع الرياح"، يقرؤها بهدوء بجانبه - صوت لراوٍ عن "زمن العزلة" وآخر يـ····

أضأت الغرفة·· تلاشت الأصوات جميعها·· لا أثر لهم سوى كتب هنا ومجلات هناك ودواوين ومجلدات، وأرفف مزدحمة·

(كم تمنيت أن أعود إلى مكتبتي·· فهل كانت "السهرة" تلك نداءً لي بالعودة؟!)·

 

هوامش:

الأصوات حسب التسلسل:

أدونيس - عبدالله البردوني - عمر أبو ريشة - د· زكي نجيب محمود - عبدالله النفيسي - سليمان الخليفي - ابن زيدون - أبو نواس - قاسم حداد - السيد محمد باقر الصدر - أدولف هتلر - خليل حاوي - د· خليفة الوقيان - إسماعيل فهد إسماعيل·

 

nashmi22@hotmail.com

طباعة  

اضاءات
 
قصة
 
عرض
 
مقال
 
توقظني تمنحني المحوَ وترحل
 
الأسبوع الثقافي الكويتي في اليمن أنشطة متكاملة ولقاءات رسمية وندوة أكاديمية تعطي دفعاً جديداً للعلاقات الثنائية
 
"العربي" في مركز البحوث والدراسات تفتش في ذاكرة الكويت
 
شعر
 
المرصد الثقافي