بعد وفاة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة إثر نوبة قلبية، خلفه ابنه الأكبر ولي العهد الشيخ حمد والذي كان حينها القائد العام لقوة دفاع البحرين· أشار الأمير الجديد أنه سيسير على خطى أبيه ومستمر في اقامة علاقات عسكرية وسياسية وثيقة مع الغرب· لم تكن واضحة حينها السياسات التي سيتبعها تجاه المعارضة وخصوصاً تجاه لجنة العريضة الشعبية، وهي لجنة متابعة من مختلف المجموعات والتي أطلقت حملة لاستعادة الحكم الدستوري البرلماني· ترتب على حدوث التغيير المفاجئ في الحرس، اعطاء الفرصة للمعارضة لتتقدم بمبادرات تصالحية تجاه الابن والوريث الشيخ حمد· وتمثلت هذه المبادرات في بيانات تعزية والدعوة لإيقاف موقت للاحتجاجات· إثر انقضاء يوم وهي فترة الحداد التقليدي· تحدث الأمير إلى شعبه وقال إن البلاد تدخل مرحلة تغير للأحسن في جميع المجالات· وفي خطابات لاحقة كرر الشيخ حمد ذات الرسالة وهي إخبار شعبه أن أولويته تنصب على تحقيق الوحدة الوطنية والأمن الداخلي من خلال التضامن فيما بين جميع المواطنين البحرينيين من دون تمييز وبغض النظر عن أصولهم ومذاهبهم· بالنسبة لمعظم البحرينيين فإن خطب الأمير المتشابهة لم تثر إلا القليل من التفاؤل فقد أعطيت وعود سابقة· وفي كل مرة تقدم فيها هذه الوعود كان المستقبل يبدو واعداً بالخروج من مأزق الانقسام الاثني العمودي والالتحاق بعالم جديد شجاع في دولة الأمة المتنورة· وتجاوزاً لعدم اللامبالاة السابقة فقد بادلت معظم أطراف المعارضة، اشارات الأمير المشجعة بالتعبير عن أملها بأن يتبع الأمير الجديد خطى الملوك الجدد في المغرب والأردن· وفي هذا السياق فإن التفكير التمنياتي يقوم على فرضية حاجة الشيخ حمد لبداية جديدة والتصدي للأجنحة المتطرفة في العائلة الحاكمة· إن العرض التالي محاولة لمراجعة مدى تحقيق الأمير للمهمات التي وضعها لنفسه وعهده·
" تحقيق الوحدة الوطنية بين جميع البحرينيين كانت من أولويات الشيخ حمد بعد اعتلائه الحكم"
"هناك اتفاق على تحديث الدستور للاستفادة من التجارب الديمقراطية للشعوب الأخرى"
"العزل المتعمد لليسار في جميع المفاوضات التمهيدية للميثاق أدى إلى اتهامات بأن الإصلاحات المقترحة لم تكن أكثر من صفقة بين العائلة الحاكمة والمجموعات الإسلامية"
"الميثاق البحريني قدم ضمانات كثيرة بالحقوق وأكد أن الشعب مصدرالسيادة"
"إلغاءقانون أمن الدولة وإطلاق سراح السجناء السياسيين أهم خطوات الإصلاح"
أمضى الشيخ حمد معظم الشق الأول لعهده في تقوية قبضته على الحكم·· وبالنسبة لمعارضيه فقد كان الاستمرار في اطار سياسات العهد السابق باعثاً للإحباط، لقد سار الأمير على خطى والده حيث رفض مقابلة أعضاء لجنة العريضة الشعبية واستبعاد أي حوار سياسي ذات معنى يؤدي إلى المصالحة الوطنية· وكما هو حال والده فقد ذكر عنه أنه لا يقبل تلقي العرائض· وبدلاً من ذلك ركز الأمير على تعبئة مصادر الشرعية الداخلية والخارجية والتي دعمت نظام والده· ويمكن ذكر بعض اهتمامات الأمير في تلك الفترة كما يلي: كما هو الحال مع العائلات الحاكمة الأخرى في مجلس التعاون الخليجي، فإن أي نزاع داخل الأسرة، هو مصدر خطر حقيقي للحكم وتهديد لاستمراره وازدهاره· وهو ما حدا بالشيخ حمد لاعطاء الأولوية للمحافظة على تماسك عائلته الحاكمة وحمايتها· وبالتالي تأكيد سلطته القيادية لها· هذا وقد جرت تحركات الشيخ حمد لضبط شؤون الأسرة الحاكمة بسلاسة· فخلال أيام من تسلمه الحكم عين الشيخ حمد ابنه ولياً للعهد وبالتالي صحح ميزان القوى ضمن القيادة السياسية· أما الخطوة الثانية لمضايقة عمه رئيس الوزراء، كانت في اخراجه لعمه الثاني الشيخ محمد من السلطة· أما الأخطر سياسياً فهو اتخاذ عدد من الإجراءات لتعزيز سلطته ضمن مجلس أسرة آل خليفة ومن ذلك تعيين أفراد موثوق بهم داخل الجناح المحسوب عليه لآل خليفة بمن في ذلك أبناؤه واخوانه في مناصب بالمجلس· وزيادة مخصصات أفراد أسرته· وبذل الأمير جهداً طوال السنة الماضية في مواقع قيادية في الحكومة والمؤسسة العامة· وأدت تعييناته الأخيرة إلى اتهامه من قبل ناطقين باسم المعارضة بأنها تدشن "خلفنة" جهاز الدولة الذي أضحى واضحاً· يرى مؤيدو ومعارضو الأمير الجديد انه يحتاج إلى وقت لموازنة سلطات عمه رئيس الوزراء، وتأكيد سلطته الواحدة على العائلة والدولة· فبالرغم من كل جهوده يبدو حمد متصالحاً مع نفسه من حيث عدم لجوئه إلى المواجهة وخياره بالتعايش مع عمه· أقدم الأمير كذلك على عدد من المبادرات لتطمين المؤسسة القبلية والدينية· وكلاهما حيويتان وتشكلان أعمدة يرتكز عليها حكم آل خليفة· استفاد الشيخ حمد في تعاطيه مع المؤسسين من التركة البريطانية في الإبقاء على علاقات وطيدة بين الأسرة الحاكمة من جهة والمؤسسة الدينية من جهة أخرى· استمرت العلاقات بين المؤسسة الدينية وأسرة آل خليفة بالرغم من التقلبات من وقت لآخر بسبب نشاطات المجموعات الدينية السرية بما في ذلك محاولات التحريض الأخيرة من الحوزات في قم والنجف وبعض جامعات القاهرة· أما بالنسبة للقيادات الدينية فإن هذه العلاقة لا تمكنهم من الاتصال بمركز السلطة فقط ولكنها تجعلهم مؤهلين كوسطاء نيابة عن أحبائهم ومريديهم· تشمل المنافع المحققة من هذا الدور الوسيط تأمين التوظيف وقروض الإسكان أو الحصول على قطعة أرض أو تأمين اطلاق سراح سجين· لقد أسهم نفوذ رجال الدين البارزين في بعض المناطق الريفية والمناطق السكنية في المدن في الحد إن لم يكن إنهاء الاضطرابات وغيرها من أعمال الاحتجاج التي اجتاحت البلاد منذ وصول الشيخ حمد إلى الحكم فقد أقدم الأمير على عدد من المبادرات التي تؤكد امتنانه من النتائج السياسية بفضل تعاون المؤسسة الدينية معه· ومن بين هذه المبادرات المبتكرة مبادرته استناداً إلى التعاطي مع الطائفتين، بإهداء الحسينيات الشيعية الخرفان وأكياس الرز خلال عاشوراء· وفي ظل استمرار جس النبض فقد أطلق الأمير سلسلة من التصريحات حول قضايا حقوق الإنسان ومن بينها الالتزام بإعطاء المرأة حقها في التصويت في الانتخابات البلدية وهو أمر له دلالة تاريخية· وفيما تؤكد بعض تحركات الأمير حمد مهارته التكتيكية فإنها أيضاً تكشف عن تردده في معالجة أسباب الأزمة التي عصفت بالبلاد والأخطر كون بعض تحركاته مصممة لارضاء الأطراف الدولية· وأثبت كونه شجاعاً وخلاقاً وإن لم يكن ذلك مثمراً دائماً في جهوده لتحسن صورة البحرين وجذب الاستثمارات الأجنبية· وفيما يتوجب الاعتراف بمهارات الشيخ حمد في مجال العلاقات العامة فإن بعض إجراءاتها الأولى تبدو غير مثمرة· ففي شهر يوليو، شاهد البحرينيون مسرحية المكرمة الأميرية عندما عرض الشيخ عبدالأمير الجمري الشخصية القيادية والمعتقل- على شاشة التلفزيون وهو يعتذر للأمير بعد يوم من الحكم عليه من قبل محكمة أمن الدولة بالسجن لمدة عشر سنوات وغرامة مليون دينار بحريني· إثر ذلك عفا الأمير عن الشيخ كبير السن الذي أهين· أكدت المحكمة الجائرة والحكم القاسي والذي لا سابق له، وما تبعه من عفو أميري إطروحات المعارضة تجاه النظام كونه لا يتحمل وجود معارضين بمن فيهم المعارضون الذين يدعون للاحتجاجات السلمية كحال الشيخ الجمري· اتخذت إجراءات أخرى مرتبطة بحقوق الإنسان· أعلن الأمير خلال السنة الأولى من حكمه عدة مكرمات حيث منح العفو عن بضع مئات من المعتقلين وأربعين منفياً واشترط من أجل الاستفادة من المكرمة الأميرية أن على الشخص المعني كتابة استرحام يعترف فيه بالندم ويؤكد أنه لن يشتغل بالسياسة وبسبب ذلك الشرط فقد رفض المئات من المعتقلين والمنفيين التجاوب مع عروض الشيخ حمد بالمكرمات المتكررة· أعلن الأمير مكرمة جديدة بمناسبة العيد الوطني حيث وعد بإعطاء الجنسية لكل من يستحقها وفي أكتوبر، أعلن الأمير عن تشكيل لجنة حقوق الإنسان من ستة أشخاص أعضاء في مجلس الشورى وأنيط بها دراسة القوانين والنظم سارية المفعول في البحرين وطلب منها اقتراح تعديلات في ضوء التزامات البحرين الدولية· أما الفعالية العلنية الجديرة الذكر حتى الآن فهي الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان في ديسمبر· في خطابه الأول بمناسبة العيد الوطني أعلن الأمير عن نيته لاجراء انتخابات بلدية· وأعلن أن المرأة ستشارك في هذه الانتخابات التي ستجرى لأول مرة· وفيما كان الأمير يحاول جاهداً إرضاء جميع الناس، فإنه سيكشف بسرعة انه غامر في مياه غير معروفة بدون ضمان القاعدة الشعبية لدعم تحركه، إلى جانب ضمانات أخرى· أما الخطأ الثاني فهو رفع سقف توقعات الخصوم والمؤيدين على السواء إلى مستوى لا يستطيع تحديثها بدون الاصطدام بعمه القوي· كانت كلمة السر في خطته الإصلاحية هي الملكية الدستورية وسلطة تشريعية من مجلسين· لم يكن المراقبون الأجانب حتى ذلك الوقت أدركوا أن المساومات داخل النظام قد قاربت على النهاية وأن الأمير بصدد اتخاذ القرار· على إثر خطى مثله الأعلى ملك الأردن حسين، فقد كلف الشيخ حمد في ذات الشهر اللجنة الوطنية العليا أكثر من عضو لتقديم اقتراحات بشأن الاصلاحات الدستورية ووضع تصور مفصل لآفاق عملية الاصلاح العويصة· أنجزت اللجنة الوطنية العليا مهمتها بسرعة، وفي ديسمبر قدمت الصيغة النهائية لمشروع ميثاق العمل الوطني وجاء في البيان الختامي للجنة ما يلي:
حيث إن دولة البحرين منذ إنشائها قد نجحت في وضع أسس الدولة العصرية على قواعد ديمقراطية، والمؤسسات الدستورية وسيادة القانون وحيث إن البحرين قد وصلت إلى مستوى بلد يدعي العدالة والمساواة بين مواطنيها وصيانة مصالحهم· وحيث إن صاحب السمو الأمير يمتلك الطموح لتحقيق طريق الديمقراطية في الحياة ووضع بناء متوازن يؤكد المشاركة السياسية الدستورية بين الشعب والحكومة، والفصل بين أفرع السلطات الثلاث الرئيسية وتعزيز آلية السلطة القضائية وإنشاء المحكمة الدستورية ومكاتب الرقابة المالية والإدارية فإن هناك عزيمة للتقدم تجاه الدولة وحيث إننا نقف على عتبة القرن الجديد التي أكملت تطورها المحلي والاقليمي والدولي الحديث· وحيث نتيجة تجربة الدولة في البحرين في المجال السياسي والاقتصادي خلال العقود الثلاثة الأخيرة تتطلب الأخذ بالاعتبار التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتشريعية والتمكن من مواجهة جميع التحديات القادمة ضمن التطورات الدولية المستقبلية· فقد تقرر اعتبار المكونات الوطنية والسياسية والدستورية لكيان الدولة وبالتالي تعزيز الملكية الوراثية الدستورية للنظام الحاكم حيث يخدم ملك البلاد شعبه ويمثل الكيان المستقل وتطلعاته نحو الازدهار· هناك اتفاق على الحاجة إلى تحديث دستور البلاد للاستفادة من التجارب الديمقراطية للشعوب الأخرى في توسيع دائرة المشاركة الشعبية في مهام الحكم والادارة· هذه التجارب التي بينت أن وجود مجلسين في الفرع التشريعي تسمح بالجمع بين ميزات حكمة وكفاءة أعضاء مجلس الشورى وتفاعل آراء الجهود من مختلف الأطراف للمجلس المنتخب وعلى غرار رديفه الأردني، فقد قدم ميثاق البحرين كمحاولة لتأكيد شرعية الأسرة الحاكمة من خلال تنازلات قدمت إلى مطالب المعارضة لإعادة العمل بالدستور والحد من تجاوزات سلطات الأمن· يتوجب هنا التذكير بأن الملك الأردني قد شكل أيضاً لجنة لصياغة الميثاق الوطني في أبريل، إثر أزمة شرعية تفاقمت بسبب أزمة مالية مزمنة مترافقة مع الضغوط الدولية وتصاعد المعارضة الإسلامية· عمد مؤلفو كلا الميثاقين الوطنيين بوصف الدولة بأنها ملكية دستورية حيث قرارات الحكومة عرضة لموافقة البرلمان المنتخب بالمجلس الاستشاري المعين والمعتدل· كما أن كلا من الميثاقين قد قدم على اعتبار أنه جزء عضوي من صفقة انفراج شملت التسوية عفواً عاماً تم بموجبه اطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين، وإعادة النشطاء السياسيين إلى أعمالهم في الحكومة والقطاع العام وإعادة جوازات السفر المصادرة والأهم إنهاء حالة الطوارئ والغاء محكمة أمن الدولة· وفي عمان كما في المنامة فقد ضمت صفقة الانفراج كعنصر جذب في استراتيجية وقائية من أهدافها الرئيسية استعادة الهدوء وتوفير الهدوء والاستمرارية السياسية للنظام دون تغيير في أي من دعائم النظام· إن الميثاق مقارنة بالدستور، يقدم ضمانات عديدة بالحقوق ويؤكد أن الشعب هو مصدر السيادة كما انه يؤكد ما يلي: لاحقاً للاستقرار الذي توفر بفضل الله للبحرين والانجازات التي تم تحقيقها والتحديات التي واجهتها بنجاح، وبعد أن وصلت إلى مرحلة النضج في مجال العلاقات الدولية وضمن إطار مؤسسات السيادة المستندة إلى المساواة بين مواطنيها والحرص على الاستقلال والوحدة الوطنية، فقد جاء الوقت المناسب للبحرين لتصبح من بين الملكيات الدستورية بنظام ديمقراطي تحقق تطلعات مواطنيها من أجل مستقبل أفضل· لقد تسبب ميثاق البحرين في ذات الاضطراب الذي أصاب الأردنيين قبل عقد من الزمان، فيما يتعلق بنظام الولاية السياسية· لقد أضيف عنصر اضطراب اضافي في البحرين نتيجة الغموض المحيط لصلاحية السلطة التشريعية ذات المجلسين· ما هي العلاقة بين البرلمان المنتخب والمجلس المعين المقترحين، من الناحية الاجرائية والسياسية؟ أما مصدر الاضطراب الآخر فهو نابع من استثناء اليسار من جميع الترتيبات التحضيرية لاطلاق عملية الاصلاح الأميرية· إن العزل المتعمد لليسار من جميع المفاوضات التمهيدية أدى إلى اتهامات بأن الاصلاحات المقترحة لم تكن أكثر من صفقة بين العائلة الحاكمة والمجموعات الإسلامية· وبالرغم من كل انتقاداتهم فقد انضمت مجموعات اليسار إلى حملة التعبئة التي أدت إلى اقرار الميثاق· أثبت الأمير حمد بن عيسى أنه تكتيكي بارع خلال النصف الأول من شهر فبراير فيما احتفظ لنفسه بدعم قادة الأجنحة الأساسية ضمن الأسرة الحاكمة فقد نجح في طمأنة فعاليات المعارضة ومجموعاتهم التي ازدادت شكاواها ونتيجة لذلك فقد عمد الأمير ومنتقدوه فيما بين قيادات المعارضة إلى عدم طرح الدور المستقبلي لمجلس الأسرة الحاكمة في مشروع الإصلاح المقترح· ومما هو جدير بالذكر أن مجلس الأسرة الحاكمة في مشروع الإصلاح الموجود قد أضحى جهازاً رسمياً في الدولة وله سكرتارية تنفيذية يرأسها أحد أفراد أسرة آل خليفة بدرجة وزير ويبقى انتظار معرفة تعاطي وعلاقة المجالس الثلاثة مع بعضها البعض· ومدى أهمية تعايشها في مشروع المملكة الدستورية· بدى الأمير حمد منتظراً نتائج الاستفتاء ولقد استطاع إرضاء جميع منتقدي نص الميثاق وكيفية صياغته والطرق المقترحة لإقراره· وأبدى البحرينيون بمن فيهم المعارضة شبه موافقة اجماعية وبالمقابل كانت هناك أصوات معارضة منخفضة بدأت تطرح تكهناتها عما إذا كان فجر الديمقراطية في البحرين قد بدأ أخيراً· لم يستمع أحد لأصوات المتشككين القلائل في تحذيراتهم بأن ما يجري "عملية خداع كبيرة" أطلقها الراديكاليون المتبقون في أوساط المعارضة البحرينية ومع تباين الحماس للمشروع من قبل الجميع بدءاً بولي العهد وانتهاء بـ "البدون" فقد اشترك الجميع في غناء المديح للأمير، وخطواته الجريئة واطلاق ما يسمى بعملية الدمقرطة في البحرين· وفيما كانت وتيرة الاسترخاء السياسي تكتسب زخمها، فقد عمت البلاد حالة من الابتهاج العارم من قبل الحاكم والمحكومين· من بين الإجراءات التي أقنعت معظم المتشككين وحولت البلاد إلى ما يشبه الكرنفال، المرسومان الأميريان في فبراير بالغاء قانون أمن الدولة والغاء محكمة أمن الدولة· كما ذكر الأمير حمد انه ستجرى انتخابات تشريعية ولكنه وحسب ما جاء في جريدة ميدل ايست انترناشونال (Middle East International) عدد فبراير، فإنه من الصعوبة للبحرين أن تتطور إلى ديمقراطية كاملة خلال ثلاثة أعوام، بدون وجود مؤسسات مدنية شرعية· وأحزاب سياسية واتحادات عمال، إلا إذا وافق الأمير على تشريع ذلك مسبقاً وقد عبرت المشاركة الكثيفة في الاستفتاء العام على الميثاق عن الدعم الشعبي لمبادرات الأمير حيث ذكر أن عدداً من البحرينيين قد صوتوا لصالح النسخة المنقحة من ميثاق العمل الوطني حيث أعلن الكل أنهم فائزون، وعلى هذا فقد عرض الأمير على المعارضة الموالية البرلمان مقابل مشاركتهم النشطة في تعبئة الدعم الشعبي واضفاء الشرعية على مشروع الملكية الدستورية أو كما قال نزيه أيوب، إن البحرين تتجه من دولة قاسية إلى دولة قوية· فالأولى تستخدم العقوبة والقسر فيما تحقق الثانية أهدافها بوسائل مدنية· وبالرغم من الابتهاج الوطني يبقى الميثاق كما هو وثيقة مربكة، إن لغته الغامضة وعيوب أخرى قد تصبح محل تجاذب ما بين النظام والمعارضة وداخل كل من النظام والمعارضة· رغم ذلك فإن الميثاق البحريني كما في مثيله الأردني، يمكن أن يوفر للأمير المزيد من الوقت لمعالجة مشاكل دولته الملحة، وتعزيز مركزه مقابل خصومه ضمن الأسرة الحاكمة· إضافة إلى ذلك بسبب الآفاق البعيدة المدى التي يطرحها الأمير فإن ذلك قد ينفس الضغوط الملحة على نظامه ويعطيه مساحة أوسع للتحرك·
عقبات أمام الإصلاح السياسي
" هل خطت البحرين خطواتها الأولى للتحول الديمقراطي كما تدعي وسائط الإعلام الرسمية
- بعد أشهر من الاستفتاء فإن معظم فصائل المعارضة مازالت تعيش ابتهاجاً حول عملية الاصلاح السياسي ودور الأمير في هذه العملية· لقد عددت حركة أحرار البحرين وهي فصيل المعارضة الأكبر في حركة لا تخطئها العين، عشرة إجراءات رئيسية، فخلال الأشهر الماضية، تفاعل الأمير ايجابياً لمطالب أساسية طرحها شعب البحرين· واتخذ كذلك خطوات لفتح قنوات الحوار مع القوى السياسية النشطة داخل البلاد وخارجها· وتشمل الخطوات الرئيسية للإصلاح ما يلي· إلغاء قانون أمن الدولة ومحكمة أمن الدولة··· إطلاق سراح جميع المعتقلين والسجناء السياسيين، السماح لمعظم المنفيين بالرجوع إلى وطنهم والوعد بالسماح للآخرين بأسرع وقت ممكن، السماح للمواطنين بمناقشة القضايا السياسية وبحرية أكبر في التعبير مقارنة بالماضي، السماح للمواطنين بتشكيل منظمات غير حكومية مهمة لتنشيط المجتمع المدني، تدشين عملية جديدة لترسية العقود العامة لتجنب ممارسات الفساد، رصد مخصصات مؤقتة للعاطلين عن العمل والسماح للجنة من المواطنين بمراقبة عمل وزارة العمل فيما يتعلق بايجاد أعمال للعاطلين، السماح بتشكيل اتحاد عام للعمال واتحاد آخر للمرأة، تخفيض رسوم الدراسة الجامعية، الإعلان عن خطط مستقبلية لتحسين الأوضاع السكنية، تعليق "صوت البحرين"- عدد يوليو· أما إذا خطت البحرين الخطوة الأولى تجاه الانفراج السياسي أو إذا رغبت في عملية الديمقراطية، فإن ذلك محل جدال· فهناك أسباب عديدة لتشكيك البحرينيين، حيث تشير التطورات إلى تهاوي تجربتي المغرب والأردن في الإصلاحات بمراسيم· ففيما يحتفل المغرب بالذكرى الثالثة لصعود الملك محمد السادس على عرش العلويين أضحى واضحاً أنه فشل في تحقيق وعوده· ومثله في ذلك مثل نظيره البحريني، فقد أثار اعجاب الجمهور بسرعته في اتخاذ اجراءات فيما يتعلق بمزيد من الحريات واطلاق سراح المعتقلين السياسيين وضحايا الاضطهاد ومهارته في التعامل مع المجموعات الإسلامية وطرد وزير الداخلية السابق الأمر الذي رحب به كدليل عملي على رغبته في التغيير· لكن هذا التقدم قد توقف مؤخراً مما جعل المجتمع نافد الصبر حيال الحاجة إلى تغيير حقيقي يتوقعه، الأسوأ هو الاشارات المنذرة بالخطر في التجربة الأردنية· فبالرغم من مرور إحدى عشرة سنة للانفراج السياسي، فإن ما ترتب على الانفراج السياسي فإن الأردن قد عزز قدرة النظام على منع التمرد و/أو الدمقرطة أيضاً حيث تم ضبط المعارضة من خلال مجموعة من الآليات البيروقراطية والقانونية تعليقاً على تجربة الانفراج المسيطر عليه في العالم العربي في بداية العقد السابق، فقد لاحظ كرامر (Kramer -) انها تفتقد إلى المتطلبات الأساسية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية للديمقراطية الليبرالية "مثل القطاع الواسع للمجتمع المدني واعتماد الحكومة على التعبئة الداخلية للموارد بدلاً من النفط أو الدين السياسي وبيئة إقليمية مستقرة" لهذا فإن الانفتاح البحريني ليس استثناء" وعلى أية حال فقد قدمت بعض الأحداث خلال الأشهر الأخيرة دفعا للحديث عن عملية الدمقرطة في البلاد وفي ذات الوقت فتحت الباب لاحتمال إعادة تشكيل النظام السياسي المحلي· لاحظ الدارسون المختصون بالمنطقة الاختلاف بين الحاجة المتزايدة للحرية والمشاركة من ناحية وعدم توفر مقوماتها من ناحية أخرى· وشخصوا العقبات التي حفزت السلبية تجاه الدمقرطة والتحول الديمقراطي في (الدولة التسلطية)· ويلاحظ سيسلسي مونجا في بحثه العميق لعملية التحول الأفريقية ثماني ظواهر تعيق التحول الديمقراطي في أفريقيا وهذه هي ضعف التنظيم السياسي، قوة البدائل والتعاضدات البديلة، محدودية الحقل السياسي، محدودية المجتمع المدني، سيطرة الدولة على وسائط الإعلام، الثقة في مصادر الدعم الخارجي، الفساد في المؤسسات التي تعتمد العلاقات الشخصية· يمكن للدارسين للشأن البحريني الاستفادة من تشخيص مونجا لهذه المشاكل· فيجب علينا الاعتراف بأن إصلاح بعض هذه الظواهر التي تعيق الديمقراطية قد يستغرق أجيالاً عدة· فلا يمكن الإقدام على الإصلاح السياسي الجدي- ناهيك عن عملية الدمقرطة- من دون إزاحة هذه العتبات· فبالرغم من كل المديح الذي أزجي للأمير ومشروعه للإصلاح السياسي والدمقرطة، فإن التغيير الذي أدخله لا يزال ضعيفا بوضوح، وهو رهينة عدد من العوامل بما في ذلك ميزان القوى داخل الأسرة الحاكمة· رغم ذلك هناك سوابق دالة تكشف عن نزاعات جدية داخل الأسرة الحاكمة، وخصوصا في شرائحها العليا· ورغم أن مشكلات آل خليفة معروفة للعلن· فقد بقيت الأسرة موحدة تجاه الخارج· لقد لاحظت أن تماسك الأسرة الحاكمة سيبقى مفتاح مستقبل النظام· ومستقبل الانفتاح في البحرين· أما عما إذا كان الأمير يعتمد على هذا التماسك أو أنه والبلاد مستعدان لتحمل تبعات ذلك ماليا وسياسيا وأمنيا، فإن ذلك سيحدد وتيرة واتجاه عملية الإصلاح· هل ستصمد هذه الوحدة أمام الضغوط التي ستطفو حتما على السطح حالما يبدأ تأثير الإصلاح السياسي على امتيازات الأسرة الحاكمة· إن إحدى نقاط الضعف الأساسية في عملية الإصلاح في البحرين أنها بدأت كمبادرة أميرية· وباختصار فإن وعود الدمقرطة تبقى عرضة للمراسيم الأميرية· ويبقى الأمير حتى الآن الوحيد القادر على رسم مستقبل عملية الانفراج· وحدوده، وكثافته ومداه كما أن لديه السلطة لتحديد القوى الاجتماعية والمعارضة التي يمكن شمولها أو إقصاؤها من المشاركة النشطة في عملية الانفراج، بالمقابل فإن خيارات الأمير ستتأثر بالتجاذبات غير المحلولة داخل الأسرة الحاكمة ومن بين التجاذبات الأكثر غموضا، النزاع بين الأمير وعمه رجل البلاد القوي بدون منازع طوال ثلاثة عقود· هناك مجموعتان من العوامل تؤثر في تشكل خيارات الأمير· الأولى هي مدى قدرة المعارضة الدينية وغيرها في المحافظة على جبهة موحدة ذات مصداقية والمحافظة على سيطرتهم على جماعاتهم ومناطقهم· أما الثانية فهي مدى قدرة النظام والمعارضة المؤيدة له للتحول السلس تجاه تقنين وتفعيل ميثاق العمل الوطني وإعادة العمل بالالتزامات تجاه الدستور· إن تاريخا طويلا من التعامل الفوقي يؤكد وجود عقبات كبيرة وغير متوقعة على هذا الطريق· إن رفع سقف التوقعات قد حفز كلا من الأمير ومعارضته المتبهجة لتغيرات دراماتيكية، حيث يرجح أنه لن يتم الوفاء بها من خلال الإصلاحات التي ستتوقف بقيام مجلس نيابي منتخب وملكية دستورية· لقد دفع كلا من الأمير والمعارضة الموالية، كلا بدوافع مختلفة، بسقف التوقعات بالتغيير الى مستويات غير معقولة· فالبرغم من المحدودية الأولية المفروضة على القضايا الاجتماعية والسياسية التي تتأثر "بالتحرير المسيطر عليه، وبالرغم من السيطرة المتشددة فقد اكتسبت عملية التحرير زخمها الخاص بها· ومع تزايد أعداد الناس الذين أضحوا واعين لسلطتهم المدنية الجماعية، فإنهم يميلون الى العمل لتوسيع مدى التحرير بالضغط من أجل مطالب إضافية وقد تكون مطالب بعيدة المدى· من جانب الأمير فإن الحرس القديم قوي جدا بحيث لا يمكن تجاهله· فالبرغم من التصريحات المتبهجة وبالرغم من تغيرات طفيفة في المرتبة المتوسطة لضباط الأمن، فقد بقي النظام القديم على حاله· لا يستطيع أحد التنبؤ متى يتحرك الحرس القديم أو الأمير نفسه للقيام بحركة تصحيحية عندما يرتأون أن الأوضاع خرجت من إطار السيطرة· أما محفزات "الحركة التصحيحية" فقد تكون تخفيضا ضروريا لامتيارات الأسرة الحاكمة عندما يتم انتخاب مجلس وطني والذي يبدأ بمراقبة عوائد الدولة المالية وأبواب صرف الميزانية· والحركة التصحيحية لا ينظر لها من قبل العناصر المتذمرة من الحرس القديم كتهديد وحيد للمشروع الحالي بالتحرير المسيطر عليه· هناك تهديدات أخرى ناتجة عن تنامي مطالب الديمقراطية الشبيهة بكرة الثلج المتدحرجة، الأمر الذي يعتبر مضراً بالنسبة للحرس القديم· وإن الانفتاح الحالي عائد جزئيا الى حركة مستديمة ذات قاعدة وطنية، تهدد باختراق التجزئة الاجتماعية التي فرضها النظام القديم· لقد توفر للنظام القديم استخدام التقسيم القائم في المجتمع وإجهاض كل الفرص للتفاعل العمودي داخل المجتمع لعقود كذخيرة استراتيجية للمحافظة على الحكم· إن تنامي المطالب الديمقراطية الشبيهة بكرة الثلج المتدحرجة، سيطرح مطالب متنافسة وغير ممكن التوفيق بينها أحيانا، من قبل ممثلي المجموعات والمجموعات الفرعية الاثنية، وما بين سكان المدن والقرى وما بين التعاضدات القبلية والمذهبية والى جانب تهشم ما تبقى من واجهة وحدة المعارضة، فإن التطورات قد تمكن النظام مرة أخرى أن يشهر واحدة من أدواته الأكثر تجريباً وفعالية· وبكلمات أخرى فإن تبني سياسة وطنية أصبح مطلباً مسبقاً لادامة الاصلاحات السياسية وتطورها· لا شك أن ذلك مكون ضروري لقدرة الأمير وغيره من القيادات السياسية لإدامة المستوى المطلوب من التفاعل والثقة وكذلك القدرة· وسيسهم في التخلص من أشكال التجزئة الاجتماعية التي دعمت النظام القديم طويلاً· في تعميم أجري أخيراً للاصلاحات السياسية التي أطلقها الملك محمد السادس في المغرب استنتج عبدالسلام المغراوي انها لا تزال رمزية ولاحظ أن الملك محمد السادس قد عين فريق عمل جاد من الاصلاحيين ولم يعلن عن برنامج متماسك للاصلاح· وهناك ثلاث علامات تؤكد عدم قدرة الملك الجديد بإصلاح النظام التسلطي الذي ورثه· يبدو أن مبادرته عفوية أكثر من كونها استراتيجية واضحة المعالم· كما انه يلتف على العملية المطلوبة والمؤسسات الرسمية لصنع القرار، ويخفف من هدفه المعلن بإقامة دولة النظام والقانون· ثالثاً إن مبادرات الملك محمد السادس الشخصية تعيد انتاج -بطريقة مختلفة- صورة الحاكم المستبد العادل· ولاتزال الآلية الاقطاعية في ممارسة السلطة السياسية مستمرة في المغرب· إذا ما نظرنا إلى التجربة المغربية ونظيرتها الأردنية فبالمقارنة أدخل أمير البحرين بعد سنتين من حكمه، تعديلات في نظامه· لا شك أن العديد من البحرينيين ممتنون له لإصلاح أمورهم كثيراً· لكن عملية الإصلاح السياسي للشيخ حمد بن عيسى لم تؤثر في تغيير منتظم· وبغض النظر عن تواضعه واهتمامه بمستقبل البلاد، يظل أمير البحرين مثله مثل الملك محمد السادس والملك عبدالله الثاني رهائن النظام القديم وسياساته ومؤسساته·
المقال عن موقع الديمقراطي
geocities. com/aldemokrati/ index.htm
ورقة قدمها د· عبدالهادي خلف باللغة الانجليزية في ندوة نادي الخليج الثقافي
في لندن - يوليو 2001