-لا ندعي في هذه الزاوية أننا نقدم الشخصية الثقافية، بكل أدوارها وإنجازاتها، وأعمالها، بقدر ما نكتفي هنا بتسليط بعض "الإضاءات" على جوانب تعريفية فقط، وبعناوين عامة لا تغني القارئ عن البحث للإلمام بالجوانب الأخرى الأهم والأكثر عمقا··
جنة القريني
ولدت الشاعرة جنة عبدالرزاق القريني عام 1956·
- في عام 1980 حصلت على ليسانس في الفلسفة- جامعة الكويت·
- عملت في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب·
- عضو رابطة الأدباء في الكويت·
- شاركت في معظم الأسابيع الثقافية والمناسبات الشعرية التي دعيت لها، داخل الكويت وخارجها·
- نشرت معظم قصائدها في مجلة (البيان) التي تصدر عن رابطة الأدباء، وفي الصحف المحلية والخليجية·
- تقول الشاعرة جنة: (الذي شجعني على اتساع دائرة التفكير رائدة مسيرتي الحياتية، الإنسانة التي حملتني إلى هذا العالم بأمانة من ذلك العالم العلوي، هي معلمتي الأولى ورفيقة دربي قبل أن تكون أمي· ومنذ ذلك الحين أخذت دائرة التفكير لديّ في الدوران، ثم ازداد نموها، فازدادت قدرتها على الدوران حتى بلغت ذروتها في الآن الحاضر)·
- استخدمت قصيدة (الأسير) للشاعرة جنة القريني في نهاية المسرحية الشعرية (في خندق الاحتلال) كختام للمسرحية التي تم عرضها في مناسبات الكويت الوطنية، وهي من بطولة الفنانة سعاد عبدالله، واخراج الفنان عبدالعزيز الحداد·
دواوينها الشعرية:
1- من حدائق اللهب (ديوان) صدر عام 1988، شركة الربيعان، الكويت·
2- الفجيعة (ديوان) صدر عام 1991- دار الكتب·
يتحدث الأستاذ حافظ محفوظ عن جنة قائلاً: (تعتبر جنة زوبعة شعرية مجنحة ذات وميض ابداعي أصيل، والقصائد القليلة التي نشرتها أو ألقتها حتى الآن، تؤكد انها عروس الشعر الكويتي المعاصر·
تأثرت جنة بكل ما كتبه جبران خليل جبران، وشغفت بروائع ذلك العبقري اللبناني الذي نافس الأمريكيين بلغتهم·
كما شغفت جنة بكتابات مي زيادة، لا سيما من خلال رسائلها الحميمة المتبادلة مع جبران)·
وعن شعرها يقول الدكتور أحمد مطلوب: (إن أهم ما يميز جنة القريني براعة التصوير؛ فقصائدها لوحات تصويرية، استمدت نسيجها من المجازات أو الانزياح الذي يكسب الشعر طاقة وجدة وبياناً وتأثيراً، ولعل قصيدة (مشوار) خير مثال على النزعة التصويرية، وهي تصور صباحاً من الصباحات التي تمر بالإنسان كل يوم):
يستيقظ صباح مجهول
كمئات صباحات مرت
يشب المشوار اليومي
من نوع فزع
يتمطي مشتعلاً بالسأم المجتر·
ويتابع قائلاً: (ومن ملامح شعرها رقة إيقاعه؛ فقد طافت في بحور الشعر الصافية، واستغلت قدرتها على التدفق وتصوير الحالة الشعرية، ولم تهمل القافية، فقد كانت تستند اليها في تحديد المعنى والايقاع، وقد تنوعت قوافيها في شعر التفعيلة (الحر)، وارتكزت على بعضها في قصائدها؛ ففي قصيدة (ملف الموظف 102) دعتها لفظة (المكان)، والتركيز عليها إلى أن تأتي بـ (الجدران) و(النسيان) و(الدخان)، وقد ترتكز كل لوحة في قصائدها على روي معين، وهذا يكسبها ايقاعاً جميلاً· وظهر التدوير في بعض المقاطع، وهو ظاهرة قديمة حديثة تجعل النفس يمتد في قراءة النص ذي الجمل المتتابعة المترابطة):
أشعل السيجارة الأولى
بوجه الساعة الثامنة الصبح
دخان من سفوح الروح يعلو
نحو سقف الغرفة المطلي بالوحشة
يمتد كأغصان الخريف
تصف الدكتورة سعاد عبدالوهاب ديوان جنة القريني الأول (من حدائق اللهب) فتقول: (هو الوثيقة التي ترسم أمامنا حدود عالم الشاعرة، وتدافعات انفعالاتها ومشاعرها، ودواعي اغترابها الذي تتردد أصداؤه في أكثر قصائد الديوان، على أن شعرها وجداني مغرق في الذاتية، حتى في تلك القصائد التي عبرت فيها عن مشاعرها تجاه أحداث خارجية، لهذا فإنه يعد وثيقة نفسية صادقة، تضع أمامنا ثوابت عالمها المثالي الذي اغتربت إليه، معلنة- صراحة وضمناً- رفضها للواقع الذي نعيشه نحن، والذي تعيشه هي·
إنها تتحدث عن (اغتراب اللحظة الطفلة في تيه وأسى) وتقول عن نفسها: (هدك الإعياء يتماً واغتراباً)، وحين تشهد جبال الأوراس في الجزائر، يقلقها شعور بالتقصير تجاه تلك البلاد البعيدة:
تعاتبني السماء هنا/على حزني على ألمي/على سأم اغتراب الروح
وترى الدكتورة سعاد عبدالوهاب ان رحلة الاغتراب عند جنة القريني هي نوع من العذاب، وهجرة من المألوف لكشف عالم جديد· تقول: (في كل السياقات يبدو الاغتراب، أو الغربة، نوعاً من العذاب، وليس الخلاص، ولكنها حين تناجي (قمر الغربة)، وتتوسل إليه أن يشرق، فإن الغربة هنا هجرة من المألوف، مألوف الفكر، ومألوف العادة، ومألوف الشعور رغبة في اختراق حجب الأسرار، للكشف عن عالم جديد، (فلتشرق كي أعرف حقاً معنى الاشراق) يتوازى الحلم بالكشف عن المجهول في رحلة الاغتراب عند جنة القريني، باكتشاف الذات)·
*****
في اختطاف (طائرة الجابرية) تصور الشاعرة محنة الطائرة، وأهوال الغزاة على شكل رسالة، تبعث بها المعاناة والحنين والتحدي، وندى الحب الملتصق بجفن الغيمة المزرقة الأنفاس إلى الأم المنتظرة الساهرة التي تتلهف لشوق اللقاء· تقول في قصيدة رسالة:
رغم هذا الألم الفالق أعصابي وهذا الوهن الصاعق الخناق في دمي
ورغم القيد والعتم/ولفح السمّ يا أمي·· سأتي/بسمة نوارة أو وردة رفرافة
في بيرق تروي لسمع الأرض/أهوال البرابرة الغزاة···
في أول صفحة من ديوان (من حدائق اللهب) تقدم الشاعرة نفسها عبر مقطوعة (التوأمان) على مرآة الذات، ومكونات النفس الثرية بعدد من المعاني الفلسفية، والمفاهيم النفسية، وتتلاحم مع قلقها وتندغم فيه، لذلك كانت قصيدة (التوأمان) مقدمة تعكس القلق المصاحب للمبدع:
كونان من غرابة
جئنا معاً
من فورة السكون/من تفجر البروق/كونان من تمرد
تفرد·· توجد·· كآبة/تضج في العروق/أنا وظل توأم لي/اسمه القلق
الشاعرة جنة القريني عاشت الصمود، وفجيعة الاحتلال، وضراوة الأحزان، وعاشت الأمل الكبير بعودة الكويت، ونصرة الحق، فكان ديوانها (الفجيعة) الذي صور أحداث الاجتياح للكويت الأبية، ورسم بشائر عودة الكويت لأهلها، وعرّى النهب والسلب واستباحة الدماء· تقول بأسى وغضب:
لم يُغن عنه دينه الذي اكتسب
في جيده حبلُ المسد
يمور في بطن الوقد
يصلى لظاها للأبد
ويل لكل من طغى
بدينه ومن كذب
وأزهق النفس التي- قد حرمت بلا سبب
*****
في قصيدة (صباح التحرير) تهتف جنة القريني فرحة بالانتصار والتحرير من ظلم الطغاة بعد كابوس مريع أحرق الفجر حتى جاء صباح الشمس، صباح كله خير لأرض تنبت الخير:
صباح الخير
منذ شهور
لم نشرب
صباحاً أبيضاً بكراً
صباح النور
- رغم مداخن الديجور-
يعلو في الذرى حراً
صباح الحب
يجلو غيمَ أحقادٍ
بدت تترى·
********************************
المصدر:أدباء وأديبات الكويت ( ليلى محمد صالح ).