طقوس الاحتفال الأخير
هيام حافظ محمد
وحيدة تركتني وسط كل هذا الخراب···
الريح تعوي في الخارج، وتصفع الأشجار وكل شيء بقوة مدمرة·· والظلمة تلف الكون بسواد حالك··
والسماء ترسل أمطارها لكأنها تنتقم من الأرض وتريد إغراقها·· كل ما في الكون غاضب ثائر، وأنا أتكوم داخل كوخي المتهالك، أضم ركبتَيْ بيدي النحيلتين، وأكاد أتحول كرة متداخلة لعلي أحظى بنذر يسير من الدفء حول موقد تنازع آخر ألسنة النار فيه·· والضوء الخافت في قنديلي يجاهد كي يستمر متأرجحا ينشر على الجدران الباردة أشباحا شيطانية تتراقص باضطراب··
أتذكر؟!·· هنا في هذا المكان نفسه، قبل زمان مضى، كيف كنا نضحك مستمتعين بدفء اللقاء·· أتذكر حين احتفلنا بذكرى لقائنا الأول، طلبت منك أن نسهر على ضوء الشموع·· قلت لي حينذاك: الشموع تنشر أشباحها وأنت تخافين الأشباح··
حدقت في عينيك الصافيتين وقلت: لا شيء في الدنيا يخيفني وأنا معك·· واليوم تمر الذكرى نفسها·· ذكرى لقائنا الأول، الذكرى التي لم ننفك عن الاحتفال بها لسنوات كثيرة·· ولكل احتفال كان هناك طعم خاص ونكهة مميزة كنا نبتدع طقوسا مختلفة تضفي رونقا وسحرا مميزين كل مرة·
لكن الفرق شاسع جدا بين اليوم والاحتفالات السابقة·· كنا نحتفل معا، والآن أنا وحيدة أجتر ذكرياتي لحظة بلحظة·· يسكنني الصقيع وتلفني الخيبة وتدور بي أعاصير الوحدة والوحشة·· تركتني وحيدة حتى الألم·· وحزينة حتى الموت··
لكن من قال إني لن احتفل اليوم بأهم مناسبة مرت في حياتي؟!··
من قال إني لن احتفل بموتي؟!··
تجتاح العواصف الكون في الخارج·· وتجتاح رأسي عواصف الذكريات·· تضرب الأمطار زجاج كوخي وتكاد تكسره·· يزداد عويل الريح مع ازدياد العتمة··
فجأة ألملم أطرافي وأقرر البدء بطقوس احتفالي··
وأقرر الذهاب إلى المقبرة
هل تعرف كيف يسير الإنسان في كوابيسه؟!··
هل جربت السير في عكس اتجاه الريح المجنونة؟!··
هكذا كنت أسير، أستجمع كل ما تبقى في داخلي من قوة وعزيمة وأستدعي قوى أخرى من عالم لامرئي فأتقدم خطوة، وإذا بالعاصفة تعيدني خطوات الى الوراء··
أتذكر؟ ذات شتاء كنا نسير في شوارع المدينة التي نسيتنا اليوم، كان المطر يبلل شعري ووجهي، طلبت مني أن نسرع في المسير ونحتمي بالجدران،··· ضحكت وقلت لك إن أكبر متعة عندي هي السير تحت المطر برفقتك·· طوقت كتفي بقوة وتابعنا المسير··
ها أنذا أسير تحت المطر·· وأي مطر هذا؟ إنها حجارة تقذف بها سماء غاضبة·· أسير وحيدة كئيبة لا أحد يطوق كتفي ولا معطف أدس رأسي فيه··
أجاهد لأقاوم الريح اللعينة·· أدفع نفسي فتدفعني·· أشق لخطواتي ممرا في المياه التي أغرقت الشوارع·· العتمة شديدة ومرعبة·· ذات مساء أردنا أن يكون احتفالنا مع البحر·· أتذكر؟·· قلت لك أريد أن أشهد البحر على حبي لك·· وقفت على الشاطئ بحيث تلامس الأمواج قدمي وصرخت بأعلى صوتي: اشهد يا بحر على حبي له·· أحبه·· أحبه·· ضحكت الأمواج مني وحملت صدى صوتي معها وارتدت عائدة··
أترى ما زالت تحفظ سري؟! أترى ما زالت صرختي تدوي في أعماق البحر؟
أسير·· أسير كمن يسير في نومه، من أين تأتيني هذه القوة لمواصلة المسير؟···
في النهاية أصل الى باب المقبرة··
هل ثمة قوة خفية قادتني برغم العتمة الشديدة؟
أهي غريزة الموت أم الحياة؟
أهو الإصرار على نفخ الروح في الذكريات التي دفنتها هنا؟ أم الرغبة في قتل ما تبقى من الروح في جسدي؟
كيف وصلت الى المقبرة في هذه العاصفة المدمرة والظلمة الحالكة؟
لست أدري!
كل ما أدريه أن إصراري على لقاء شبحي الغائب كان أقوى من أي شيء آخر·· أسير بين صفوف البلاطات البيضاء·· أتلمس طريقي مندفعة/متهالكة، طامحة/ يائسة، أتعثر أحيانا وأصطدم بشواهد القبور، وأحيانا أخرى أكاد أسقط في برك الماء··
تخيفني أصوات قادمة من بعيد، لكنها لا تثنيني عن المضي بحثا عن شبحي·· تتراءى لي طيوف غير واضحة تظهر تارة وتختفي أخرى··
هل كل سكان القبور يخرجون ليلا بعد أن شبعوا من الهجوع نهارا؟··· الآن أذكر في آخر احتفالاتنا حين انتزعتني لحظة حزن عابر من عالمنا السعيد حدقت في وجهي وسألتني عن سبب دمعة تحتبس في عيني·· سألتك: هل سنفترق يوما؟·· أيمكن أن تفنى سعادتنا في زمن ما؟·· هل ستذكرني إذا ما اختطفني الغياب؟··
مسحت دمعتي التي انفلتت، وابتسمت ابتسامة حائرة وقلت: لن يفرقنا شيء·· لا تفسدي فرح الحضور بالحديث عن ألم الغياب·· دفنت رأسي في صدرك وقلت: لن أفكر بعد اليوم في الفراق·· وسأحتفل معك كل عام·· كل عام·· حتى آخر العمر··
لماذا تسكنني الذكريات الى هذا الحد؟·· لماذا صارت هوائي وجلدي؟ لماذا صارت جزءا من دمي؟···
لماذا أتعقب حلمي القتيل حتى المقبرة؟
لماذا أصر على نبشه والاحتفال معه بعد كل ما حدث؟!··· أسئلة كثيرة تعصف برأسي، ولا وقت للتفكير طويلا فيها ولا في الإجابة عليها· كيف رأيتك وعرفتك في هذا الظلام؟ أيضا لست أدري···
أكنت تنتظر قدومي؟،، لكأنك متيقن من أني لن أخلف بوعدي وسأحتفل معك بهذه الذكرى برغم كل شيء··
ها أنذا أقترب من شبحي الذي صار بلا ملامح·· يقودني قلبي إليه·· جالسا على حافة القبر كان·· يمد يدا باردة يمسح بها على شعري المبتل بالماء:
- كنت واثقا من أنك ستأتين·· أعرف وفاءك وإصرارك ومؤمن أكثر بجنونك·· ولكنك مخطئة!···
- مخطئة؟!··
- أجل! لقد قدر عليك أن تبقي وحيدة، كتب الغياب علينا، فلماذا تعاندين الأقدار؟··
- ولكني جئت لأحتفل معك، لنحتفل معا بيومنا الخالد··
- لم يعد هناك مسوغ للاحتفال، أنت تخدعين نفسك وتصرين على العيش في الأوهام··
- بل أنا أعيش الواقع بكل أبعاده وسأبقى كذلك··
- مجنونة أنت، كما كنت دائما، تحملت كل هذا العناء لتحتفلي مع شبح؟ لتعيشي لحظات في عالم غير حقيقي؟··
- ولكني راضية بجنوني، ومصرة على الاحتفال معك·· ألن نرقص معا؟···
تقربني منك أكثر وتحدق في وجهي المتعب، تمسح دموعا اختلطت بماء المطر تشفق علي من جنوني، وتطلب مني أن أعود من حيث أتيت·
ألتصق بك، وأعلن: لن أتركك بعد الآن، سأبقى معك··
- بل ستعودين إلى مكانك·· كل إلى مكانه·· أنتحب بصوت عال، وأضغط بقوة على يديه:
- أتوسل إليك·· أريد أن أبقى هنا·· الحياة في الخارج موت من نوع آخر··
يصمت شبحي عن الكلام بينما أصابع يديه تتغلغل في شعري، وتطوف على خطوط وجهي، تبثني حنانا وإشفاقا يرفض لسانه الإقرار بهما·· أغيب في نشيجي وألمي وقتا لا أعلم مداه·· ولا أعود لوعيي إلا على قبضة حجرية هائلة لشبح مارد عملاق يزمجر بصوته المدوي وهو يمسك بي:
- أنت·· ماذا تفعلين هنا؟·· من سمح لك بالدخول إلى عالمنا؟··
أحاول التمسك بشبحي الصامت لكنه ينتزعني منه بعنف ويقذف بي خارج المقبرة مقهقها ساخرا··
- إياك أن تعودي وتقلقي راحة المقيمين هنا··
ثم يغلق باب المقبرة ويختفي في داخلها··
أستجمع أفكاري المشتتة وقواي الخائرة·· أحاول فهم ما جرى ويجري· أجرجر خطواتي عائدة·· العاصفة هدأت، لكن الأشجار المحطمة تسد الطريق، وبقايا الحطام المتناثرة في كل مكان تنبئ عن مدى شدتها وقسوتها·
يكاد الفجر ينبلج حين أصل إلى كوخي·· أفتح بابه المكسور وأدخل، أقترب من الموقد بحثا عن بعض الدفء فلا أجد سوى الرماد البارد·· أنكفئ على نفسي وأتحول إلى ما يشبه الكرة·· قنديلي يلفظ أنفاسه الأخيرة·· أحدق في بقايا الأشباح المتراقصة على الجدران الباردة وأقرر: غدا سأعود إلى زيارة المقبرة·