رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 26 رجب-3شعبان 1422هـ الموافق 13-19 أكتوبر 2001
العدد 1498

الإرهاب الكيميائي والبيولوجي: أي خطر؟

الطائرات الصفراء لرش مبيدات الحشرات هي منظر مألوف في بيدفيل (ولاية اركنساس) مثل شاحنات المزارعين تماماً· وفي هذا الوقت من السنة، تئز محركات الطائرات فوق الحقول التي تحيط هذه البلدة الريفية الصغيرة، ترش الرذاذ الكيميائي فوق مزروعات القطن والأرز والصويا· لكن ذلك لم يحصل هذا الأسبوع (قبل الماضي) فقد أدت تقارير عن اهتمام أحد خاطفي الطائرات بقيادة طائرة رش إلى تغذية المخاوف من الإرهاب البيولوجي فأمرت الإدارة الفيدرالية للطيران (في الولايات المتحدة) إلى وقف تحليقها· ثم ألغي الحظر لكن أهالي القرية مازالوا خائفين بشدة من أن يتساقط عليهم رذاذ الجدري والانثراكس وغاز الخردل من السماء·

الخائفون ليسوا أهالي البلدة وحدهم· ذلك أن الأمريكيين أخذوا يخزنون أقنعة الغاز والمضادات الحيوية· لكن كيف هي الطريقة المرجحة لأن يستعمل الإرهابيون الأسلحة الكيميائية أو البيولوجية؟

الطريقة الممكنة إنما، في الوقت الراهن على الأقل، هي الجواب الغامض المطمئن من كثير  من الخبراء· فكما يشير جوليان بيري روبنسون من جامعة ساسكس يتوقف الهجوم بالأسلحة الكيميائية أو البيولوجية على ثلاثة عناصر: الوصول إلى المواد الخام، المهارات التقنية لنشرها، والرغبة في إحداث تدمير شامل· العنصر الأخير ليس موضع شك· لكن العنصرين الأولين يصعب تحقيقهما·

إن الجمع بين مواد خطرة بكميات تكفي لقتل الآلاف ليس رخيصاً ولا سهلاً· وعلى سبيل الدقة، يمكن شراء بعض المواد الكيميائية الخطيرة مثل الفوسفات العضوي من المتاجر أو الاستيلاء عليه حين نقله بالشاحنات، والمواد السامة الأشد خطراً مثل غاز الخردل يمكن تصنيعها بطريقة سهلة لكن العناصر القاتلة الحقيقية أي غازي الأعصاب السارين والسومان يصعب تصنيعهما كثيراً·

حتى أن تطبيق الوصفة الأساسية يتطلب وقتاً ومعرفة· وعلى نحو ما يقول هيلتون لايتنبرغ من مركز الدراسات الدولية والأمنية في جامعة ميريلاند يعتبر تصنيع المواد الكيميائية (أصعب بكثير من كيمياء الطبخ: فهو يتطلب قدراً كبيراً من الخبرة بشأن كيفية استعمال المواد الحفازة في التفاعلات وعند أي درجة حرارية مثلاً· فقد استثمرت جماعة "أوم شينريكيو" اليابانية نحو 30 شخصاً وما يناهز 30 مليون دولار لإنتاج السارين، وعلى الرغم من ذلك كانت المواد السامة التي أطلقتها في مترو طوكيو عام 1995 نقية بنسبة 20 في المئة فحسب·

بمعزل عن الصعوبات العلمية هناك العوائق الصناعية· ذلك أن إحداث ضرر عظيم يلزمه كثير من المواد الكيميائية، وهكذا يكون المطلوب هو منشأة صناعية لا مجرد مغطس (بانيو) في قبو منزل· وإذا كانت بضعة جزيئات سارين تكفي لقتل شخص واحد فإن إنتاج تركيز يكفي لهجوم في الهواء الطلق يلزمه تصنيع مئات الكيلو غرامات من المواد الكيميائية·

أما الهجمات في المناطق المغلقة فلا يتطلب غير قدر أقل من المواد الكيميائية غير أن كلا النوعين يعرض المتعاملين به للمخاطر خلال التحضير والنقل· وهذا خطر يردع أي شخص باستثناء الانتحاري·

العناصر البيولوجية يصعب كثيرا تحويلها أسلحة للتدمير الشامل· فليست جميع سلالات الانثراكس والطاعون قاتلة بالقدر نفسه· أما تربية البكتريا المطلوبة في المختبر وابقاؤها نقية وشرسة فهي عملية صعبة· أما أصعب مهمة فهي استنادا إلى ديفيد فرانتس الذي يرأس قسم الدفاع الكيميائي والبيولوجي في معهد أبحاث (ساوثرن، رييدش اسنتيتوت) في فريدريك (ولاية ميريلاند) فهي الحصول على البكتيريا الجيدة· فالبكتيريا والفيروسات لا يمكن أن تخترق عميقاً في الرئة (وأن تحدث الضرر) إلا إذا تحولت رذاذا ناعماً· وتحويل هذه الزراعة السائلة إلى رذاذ دقيق يتطلب طاقة عالية· إن تفجير رأس حربية قد يمثل إحدى طرق الهجوم الكيميائي لكن هذا يؤدي على الأرجح إلى قتل معظم البكتيريا·

لا عجب في أن الذين فضلوا أسلوب التدمير الشامل اختاروا الطرق "الأبسط" أي الخطف والقصف· لكن هذا قد يتغير مع تشديد الإجراءات الأمنية· وفي حال حصول ذلك، يعتقد فرانتس أن الأسلحة الكيميائية هي الأرجح لا الأسلحة البيولوجية، لما كانت آثارها مباشرة ومؤكدة·

الاستثناء المخيف ربما يكون الجدري· فهذا الفيروس شديد العدوى·

ولما كان المرض قد قضي عليه تماماً قبل 20 سنة، فإن مناعة غالبية الناس معدومة، وهكذا يكون انتشاره سريعاً· وهناك مستودعان رسميان وحيدان في العالم لفيروس الجدري في الولايات المتحدة وروسيا· وتملك أمريكا 7.5 ملايين جرعة تلقيح حالياً، وقد أمرت بتحضير 40 مليون جرعة على سبيل الاحتياط·

منذ عام 1998، أنفقت الحكومة الفيدرالية أكثر من الضعف على الدفاع ضد الأسلحة البيولوجية والكيميائية، فأنشأت وكالة جديدة داخل "مراكز السيطرة على الأمراض" وزادت المخزون الوطني للأدوية الأساسية للتعامل مع أي هجوم· واستناداً إلى ما ينصح به تقرير حديث لمنظمة الصحة العالمية، فإن الطريقة الأفضل للتصدي للإرهاب البيولوجي هي الرقابة الجيدة والرد السريع· فالأطباء والممرضون يحتاجون إلى تدريب حتى يكشفوا الأعراض غير العادية والإفادة عنها فوراً لسلطات الصحة العامة التي ينبغي عليها بدورها أن تتعرف بسرعة على الأنماط المرضية غير العادية·

ليست أمريكا، مثل غالبية البلدان، مستعدة للمبادرة بردة فعل سريعة، فهي لا تحتاج إلى هجوم إرهابي حتى تصل إليها أمراض جديدة مثل فيروس النيل الغربي أو الايدز·

(الايكونوميست)

طباعة