تخترق الحياة الزوجية مجموعة من التكتمات يطبع كلا الزوجين ميلا نحو الاحتفاظ بأسرار ما قد يحدث له أو يتعلق به، بعيداً عن الطرف الآخر، فيؤسس بذلك كل منهما لحياة ولمملكة تلفها السرية ويحيط بها الكتمان· ترى لماذا يخفي كل منهما أسراره عن الآخر؟ وما هذه الأسرار؟ وكيف يتعايش الزوجان مع أسرارهما؟
مبلغ الأجرة، المتعارف من النساء، الانفاق خارج البيت الزوجي، أماكن قضاء الوقت خارج المنزل·· أمور ومواضيع يفضل الكثير من الأزواج الاحتفاظ بها بعيداً عن آذان زوجاتهم، ما السبب يا ترى؟ هل يساعد الاحتفاظ بها كأسرار على تماسك بنيان الأسرة والحياة الزوجية على الخصوص؟ ما الأسباب الموضوعية التي يقدمها لمثل هذه التكتمات؟·· أموال مقتصدة من أجرة كل شهر، تفاصيل ومبالغ مصاريف على ألبسة أو مشتريات شدت اهتمام الزوجة، مساعدات مالية مقدمة للوالدين، أقساط جمعيات “دارت” وأمور أخرى تمثل أهم الأسرار التي تتكتم حولها الزوجات، وتسيج حولها طوقاً من السرية التي توازيها سرية أخرى يحيط بها الزوج بعض أموره الخاصة·· تلك الأسرار وهذه تؤسس لمشاعر تكاد تشاركه كل العلاقات الزوجية دون أن ترقى في سريتها إلى درجة الخيانة بين الأزواج، ولا أن تسف إلى حد الجهر بها لشريك العمر، كيف يتعايش الأزواج مع أسرارهم الثنائية؟ وما مدى درجة الإقناع التي تصل إليها أسباب كل منهما في إخفائه لأسراره الخاصة؟
الأكيد، أن لكل شخص دائرة من الكتمان يحتفظ بها لنفسه، وقد لا يكاد يشاركه فيها حتى أقرب الناس إليه، أصدقاؤه، زوجته، والده·· أسرار مكتوب على الغرفة، حيث تقبع “ممنوع الدخول” أو “هنا يوجد خطر” وهذه الأسرار لا ترتبط بوضع، أو شخص أو ظروف محددة، كما أن الكثير منها يعد بحكم طبيعته سراً، أي أنه لا يقبل غير السرية في الاحتفاظ به وتلقيه، وهذا النوع من الأسرار لا تتكسر أسوار سجنه، وإن تغيرت ظروف الشخص الحياتية، فكلنا يحتفظ بأسرار تعود إلى طفولته أو مراهقته، ولا أحد منا على استعداد للبوح بها لأي كان مهما دنا من نفسه· كل ذلك قد يدخل في دائرة المسلم به والمقبول بل البديهي، لكن أن تقوم أسرار خاصة بعد الزواج، يبقى المستهدف منها في الأساس هو شريك الحياة الطرف الآخر، فهو ما يبعث على الاستغراب والتساؤل حول وجاهة قيام هذه الأسرار وحول طبيعة العلاقة الزوجية بعد قيامها، هل تتهدد يا ترى هذه العلاقة أم تراها لا ترقى لأن تشكل خطراً على أمنها الدائم·
يختلف الأزواج والزوجات حول أسباب التكتم وإن كانوا يشتركون في الكثير منها، كما يعددون أسرارا كثيرة بينهم وبين شريك الحياة· إنهم يبوحون بها لكونها لاترقى لأن تشكل أسرارا في مواجهة الغير، بل هي كذلك فقط حين يتعلق الأمر بالزوج/ الزوجة·
لكنهم قبل هذا وذاك يجمعون على الحذر، ويلمسون فيها وجهاً من أوجه الخيانة، فهذه الأخيرة لا تقتصر على الخيانة الزوجية بالمعنى المتعارف عليه، أي الخيانة الجنسية· خيانة الزوجة لزوجها، وخيانته هو لها وإنما تتسع لتشمل كل ما يحتمل القيام به بميثاق العلاقة الزوجية المبني ضمنياً ومبدئياً على الإخلاص المتبادل بين الزوجين، فما هذه الأسرار التي لا ترقى لأن تضرب ميثاق الزوجية في أحد أركانه؟
تتخذ هذه الأسرار في الغالب طبيعة مادية ومالية وتدور في الأساس حول إخفاء الزوج مثلاً المبلغ الحقيقي لأجرته عن علم زوجته على اعتبار أن الأمر شأن لا يخصها، بل يكفي أن يتحمل مصاريف البيت ولا حاجة لها إلى معرفة كم يتاقضى زوجها، خصوصاً إن كانت ربة بيت لا تخرج للعمل خارج المنزل· وتصرح الكثير من الزوجات بأنهن يجهلن كم يتقاضى أزواجهن ولئن كان بعضهن لم يطلب يوماً من الزوج البوح بمبلغ أجرته فإن بعضهن الآخر، وبرغم طلبهن ذلك لا يجدن الآذان الصاغية، بل إن بعضهن يواجه دائما بأرقام غير صحيحة سواء تعلق الآمر بالأجرة أو بالمصاريف، كما هو الشأن بالنسبة لخديجة (41 سنة، ممرضة): “لا يصرح لي زوجي أبداً بما يصرفه خارج البيت، وكلما طلبت منه معرفة ثمن الملابس التي يقتنيها، وهي كثيرة، بادر بإعطائي مبلغاً أدرك حال سماعه بأنه غير صحيح·· ومع مرور الوقت تعودت على التظاهر بتصديق الرقم المصرح به في البداية ومفاجأته بالسؤال نفسه بعد أشهر وأسابيع·· وحينها تكون المفاجأة إنه ينسى المبلغ الذي أخبرني به بدءا ويقول الرقم الصحيح أو على الأقل يقدم رقماً آخر أعلى بكثير·· وبرغم تأكيدي له بأن أمر اقتنائه للملابس لا يغيظني أو يغضبني إلا أنه لا يتراجع أبداً عن أكاذيبه”·
وتيرة الكذب نفسها أو التكتم يواجهني بها فيما يتعلق بأجرته فبرغم علمي بالسلم الذي يوجد عليه زوجي في الوظيفة التي يشتغل بها إلا أنه يصر على إخفاء ورقة الأداء حالما تصل إلى المنزل، كما أنه يغضب كثيراً إن بادر أحد بفتح ظرف بريدي وصل إلى المنزل، حتى وإن كنا نعلم بأنه يتعلق بالهاتف مثلاً أو بالتزامات منزلية”·
ولا تخفي خديجة أن سلوك زوجها فيما يتعلق بالمال يثير استغرابها بل وريبتها في مدى إخلاصه لها، وأن كانت لا تملك أي دليل، على قيام زوجها بعمل يعد من قبيل الخيانة·
الواقع نفسه تعيشه الكثير من النساء مع أزواجهن الذين يصرون على إخفاء خبايا المال خشية أن تطمع زوجاتهن بالمزيد من المصروف أو أن يفتضح أمر إنفاقهم خارج البيت، وإن أصبح هذا الإنفاق من قبيل البديهيات حين يتعلق الأمر مثلاً بالقمار أو التعاطي الكبير للسكر·
أما الزوجات فلا تخفي الكثيرات منهن بعض أسرارهن المرتبطة بالخصوص بأقساطهن الشهرية، بمصاريفهن في الملابس وأشياء أخرى تثير غضب الكثير من الأزواج وحنقهم بخصوصها· طبيعة أخرى للأسرار بين الأزواج، هي تلك المتجلية في أصدقائهم (أصدقاء الزوج الذين لا تقبلهم الزوجة خصوصاً النساء منهم) وهو ما يعتبره البعض من قبيل الأهداف النبيلة التي يستمر ببقائها بنيان الأسرة مرصوصاً ومتماسكاً·