رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت11- 17شعبان1422هـ الموافق 27 أكتوبر- 2نوفمبر2001
العدد 1500

إما الإسـلام وإما الغـرب:
شـعار غــير مناسـب

بقلم: إدوارد سعيد

يدنو الإرهاب الفظيع من النوع الذي ضرب نيويورك (وبمستوى أدنى واشنطن) في عالم جديد من المهاجمين غير المرئيين، غير المعروفين والمهمات الإرهابية التي لا رسالة سياسية لها والتدمير العديم المغزى·

بالنسبة الى سكان هذه المدينة الجريحة، سيتواصل الإحساس بالرعب والخوف والشعور المقيم بالغضب والصدمة وقتا طويلا، ومثله الحداد الحقيقي والأسى مما فرضته هذه المذبحة القاسية على كثير من الناس·

كان النيويوركيون محظوظين لأن العمدة رودي جولياني، الذي يوصف عادة بأنه شخصية مرة في الصراع رجعية، بلغ مكانة تشرشلية بسرعة· فقد عبأ جولياني بهدوء ومن دون أي انفعال وبتعاطف استثنائي شرطة نيويورك البطلة ومصلحتي المطافئ والطوارئ لتؤدي دورا مذهلا إنما للأسف بثمن بشري عظيم، فقد كان جولياني أول صوت نادى بالابتعاد عن الذعر وعن الهجمات الشوفينية (المتعصبة) على الطوائف العربية والمسلمة في المدينة، وأول من عبر عن عقلانية الأسى، وأول من حض الجميع على استئناف حياتهم بعد الضربات المجلجلة·

لقد حملت شاشات التلفزيون الوطنية بلا شك الى كل منزل هول هؤلاء الإرهابيين المجنحين بلا انقطاع، بلا ترو وبلا تشذيب، وأكدت غالبية التعليقات، بل بالغت، في تصوير المنتظر بل المتوقع في ما كان يشعر به غالبية الأمريكيين: الخسارة العظيمة، الغضب، الغيظ، والشعور بالهشاشة المنتهكة، والرغبة في الانتقام والمعاقبة المنفلتة· وبمعزل عن التعبيرات الشكلية عن الحزن والوطنية، كرر كل السياسيين وكل الخبراء الموثوق فيهم كيف ينبغي أن لا نكون مهزومين، لا نكون مقيدين وأن لا نتوقف إلا حين نجتث الإرهاب· إنها حرب ضد الإرهاب كما يقول الجميع، لكن أين، وعلى أي جبهات، ولأي غايات ملموسة؟ ليس هناك أجوبة، باستثناء قول غامض إن الشرق الأوسط والإسلام هما ما ننهض ضده وإن الإرهاب ينبغي سحقه·

غير أن الأكثر إحباطا هو كم كان قليلا الوقت المخصص لمحاولة فهم دور أمريكا في العالم، وتدخلها المباشر في الواقع المعقد ما وراء الشاطئين (الشرقي والغربي) اللذين أبعدا أمريكا حتي اليوم عن بقية العالم بعيدة جدا· قد تعتقد أن أمريكا كانت عملاقا نائما لا قوة عظمى منخرطة دوما في الحرب، أو في نزاع معين في جميع أنحاء العالم الإسلامي· لقد صار اسم أسامة بن لادن وصورته حاضرين حضورا قويا في أذهان الأمريكيين بقدر يكفي لمحو أي تاريخ ربما كان له أو لأتباعه قبل أن يصبحوا رموزا لكل لعنة ومكروهين بالنسبة الى المخيلة العامة· هكذا، شحنت العواطف الجماعية باتجاه حرب تضاهي بصورة غير معقولة “الكابتن أهاب” في مطاردته “موبي ديك”، لا مثل ما يحصل الآن، أي أن قوة امبراطورية أصيبت بجراح في عقر دارها للمرة الأولى وهي تسعى الى مصالحها بانتظام في ما صار فجأة جغرافيا نزاع متغيرة الهيئة من دون حدود واضحة أو لاعبين منظورين· وهكذا دار ترويج للرموز المانوية (نسبة الى ماني الفارسي) والسيناريوهات القيامية مع العواقب المستقبلية·

التفهم العقلاني للموقف هو ما نحتاج إليه اليوم لا مزيداً من قرع الطبول· لكن جورج بوش وفريقه يريدان بلا شك الخيار الثاني لا الأول· أما بالنسبة الى غالبية الناس في العالمين العربي والإسلامي، فإن الولايات المتحدة، الدولة، هي مرادف للقوة المستكبرة، المعروفة بمساندتها السخية المنافقة  لا لإسرائيل وحدها، إنما لعدد من الأنظمة القمعية العربية، ولا مبالاتها حتى إزاء إمكانية التحاور مع الحركات غير الدينية، والناس الذين يتعرضون لمظالم·

في هذا السياق، لا تقوم نزعة معاداة الأمريكيين على كره الحداثة أو الحسد التكنولوجي: إنها تقوم حكاية التدخلات الملموسة، وعلى عمليات سلب معينة، وعلى حالة معاناة الشعب العراقي في ظل العقوبات والمساندة الأمريكية لاحتلال إسرائيل الأراضي الفلسطينية منذ 34 سنة· الآن تستغل إسرائيل بطريقة خبيثة الكارثة الأمريكية بزيادة ضراوة احتلالها العسكري وقمع الفلسطينيين· أما الأدبيات الخطابية الأمريكية فقد طغت عليها كلمات مثل “الإرهاب” و”الحرية” في حين أن مثل هذه الكلمات المجردة تخفي مصالح مادية خسيسة، ذلك أن تكتلات النفط، والدفاع، والتكتلات الصهيونية تعزز قبضتها على كل الشرق الأوسط، في حين أن هناك عداوة قديمة جدا (وتجاهلا) للإسلام تأخذ أشكالا جديدة كل يوم·

غير أن المسؤولية الفكرية تتطلب إحساسا نقديا بالواقعية· لا شك أن إرهابا حدث، وكل حركة مناضلة معاصرة تقريبا اعتمدت على الإرهاب ذات يوم· وهذا ينطبق على المؤتمر الوطني الإفريقي بزعامة نلسون مانديلا، على نحو ما كان لدى الآخرين بمن فيهم الصهاينة· أما قصف المدنيين العزل بطائرات الـ أف -16 وطائرات الهليكوبتر فهو ينطوي على الطبيعة والتأثير نفسيهما للإرهاب القومي التقليدي·

ما يسيء في كل إرهاب هو عندما يرتبط بتجريدات دينية وسياسية وأساطير مختزلة لا تنفك تنحرف عن التاريخ والمنطق· هنا ينبغي على الوعي اللاديني أن يحاول إثبات وجوده، سواء أكان ذلك في الولايات المتحدة أم في الشرق الأوسط، فلا قضية، ولا ديانة، ولا فكرة مجردة يمكن أن تبرر الذبح الجماعي للأبرياء، لا سيما عندما لا تكون غير حفنة من البشر ضالعة في مثل هذه الأعمال وترى أنها هي التي تمثل القضية من دون أي تفويض لأن تقوم بذلك·

فوق ذلك، ليس هناك إسلام واحد على نحو ما نرى المسلمين يتنازعون فيما بينهم، وهذا التنوع قائم في جميع التقاليد والأديان والأمم ولو أن بعض الملتزمين حاولوا أن يرسموا حدودا حول أنفسهم وأن يثبتوا عقائدهم· غير أن التاريخ أشد تعقيدا وتناقضا من أن يستطيع أن يمثله الديماغوجيون الذين هم أقل تمثيلا مما يظن اتباعهم أو خصومهم على حد سواء· المشكلة مع المتدينين والأصوليين هي أن أفكارهم البدائية عن الثورة والمقاومة بما في ذلك الرغبة في القتل والانتحار تبدو متصلة بالتطور التكنولوجي وبما يظهر أنه أعمال مرضية من الانتقام المرعب· ويبدو أن الانتحاريين في نيويورك وواشنطن ينتمون الى الطبقة الوسطى، إنهم متعلمون، لا لاجئون فقراء· ذلك أنه بدلا من أن يتولوا دورا قياديا حكيما يتطلب الثقافة والتعبئة الشاملة والتنظيم المتأني من أجل خدمة قضية، فإن الفقراء والقانطين ينخدعون بالتفكير الأعاجيبي والحلول الدموية السريعة مثل ما توفره تلك الأمثلة المخيفة المغلفة بضلال ديني·

من جهة ثانية، لا تشكل القدرة العسكرية الجبارة والقوة الاقتصادية ضمانة لوجود الحكمة والرؤية الأخلاقية فالأصوات المشككة والإنسانية لم تكن مسموعة في هذه الأزمة القائمة، مثل أن أمريكا تعبئ نفسها لخوض حرب طويلة في مكان ما هناك مع حلفاء اضطروا الى تأدية الخدمة على أسس غير ثابتة من أجل غايات غير دقيقة· ونحن نحتاج الى التراجع عن التخوم التخيلية التي تفصل أحدنا عن الآخر، وأن نعيد النظر في الأوصاف، النظر في الموارد المحدودة المتوافرة، وأن نقرر أن يشارك أحدنا الآخر مصيره على نحو ما فعلت الثقافات دوما على الرغم من الصيحات والاعتقادات النازعة الى القتال·

“الإسلام” و”الغرب” ليسا رايتين ملائمتين يمكننا اتباعهما بعمى· بعض الناس قد يجري وراءهما، ذلك أن يكون محكوما على الأجيال المقبلة بحرب طويلة وبمعاناة من دون وجود أي قضية ذات مغزى، ومن دون النظر الى “التواريخ” المترابطة للظلم والقمع، ومن دون محاولة الانعتاق المشترك والتنوير المشترك، فإنه يبدو أن ذلك مقصود أكثر من كونه ضروريا· إن رذل الآخرين لا يشكل أساسا كافيا لأي نوع من السياسات المحترمة، لا سيما الآن حتما حين يمكن التصدي لجذور الإرهاب في الظلم، وعزل الإرهابيين وردعهم أو تعطيلهم· وهذا يلزمه صبر وتعليم، لكنه يستحق الاستثمار أفضل مما تستحق المستويات الأعلي للعنف والمعاناة·

(الأوبزرفر)

طباعة  

هل حقاً لا شأن للإسلام بما يجري؟
 
صدام·· مشبوه أم مذنب؟
 
الحرب الجرثومية: متى تضرب أمريكا؟