لم تكد تبدأ حرب إدارة بوش على الإرهاب· لكن الحرب بين وزير الخارجية كولن باول ونائب وزير الدفاع بول وولفوفيتش هي حرب شرسة “بلا أسرى” على الأقل من جانب واحد· إبان الأسبوعين قبل الماضيين وجه باول وأنصاره مدافعهم نحو وولفوفيتش في وسائل الإعلام· فقبل أقل من أسبوع مضى رفض باول بحدة وصف وولفوفيتش لسياسة الإدارة بقوله إن وولفوفيتش يمكنه التحدث باسم نفسه فقط· ثم صرح نائب وزير الخارجية ريتشارد أرميتاج أن وجهة نظر وولفوفيتش غير ذات معنى· أما الصحافة فقد استغلت خلاف باول - وولفوفيتش·
الخلاف يتصل بالاستراتيجية وبالتكتيك في الحرب على الإرهاب· وولفوفيتش يريد اتباع نهج أوسع في الحرب، يركز على العمل العسكري في أفغانستان والخليج الفارسي لإطاحة طالبان ثم صدام حسين أخيرا· أما باول فيفضل الضغط الاقتصادي والدبلوماسي على القوة العسكرية· وتركيز باول ينصب على بناء التحالف، وفي هذا الجهد يرغب باول في بلوغ دول راعية للإرهاب (حسب الولايات المتحدة) مثل إيران وسورية وحتى الطالبان·
يمكن أن اتفق مع وولفوفيتش، لكن ينبغي أن يكون واضحا أن لدى كل من الطرفين حقاً· فأنت تحتاج الى اتباع الضغوط الدبلوماسية والعسكرية حتى تحارب الإرهاب بفعالية· لكنك تحتاج أيضا الى استعمال القوة الحربية· وهناك، كما يقول باول، خطر أن تفرط في استعمال القوة· لكن هناك أيضا، كما يقول وولفوفيتش، خطر أن لا تفعل غير القليل·
ويكون جيدا دائما أن تحوز كثيرا من الحلفاء باكبر قدر ممكن في اي حرب كما يقول باول· لكن هناك خطراً أيضا يتمثل في أن البحث عن الحلفاء، لا سيما ذوي الخلفيات الغامضة، يمكن أن يعوق العمل الفعال كما يؤكد وولفوفيتش· وعموما، هذا يمثل نقاشا جيدا وشرعيا ينبغي أن تجريه الإدارة· أليس صحيحا؟ حسنا، لا استنادا الى الفيالق الاعلامية الأمريكية، ففي صفحات الرأي اختار المعلقون أن ينحازوا الى هذا أو ذاك كعادتهم· لكن في صفحات الأخبار، يعتقد كبار المراسلين في “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” و”وول ستريت جورنال” أن باول على حق وأن وولفوفيتش هو مجرد مشاغب خطر· وبناء على ذلك، كرس هؤلاء أنفسهم لمصلحة حملة باول في تسفيه وولفوفيتش· فقد كانت التغطية الصحافية للخلاف في داخل إدارة بوش مشوبة دائما بنوعية من الانحياز الأخباري، وكانت موجودة دائما في طريقة تعامل الصحافيين مع الفريقين· في الكتابة عن باول، استعمل الصحافيون صفات مثل “صبور” و”هادئ” و”متروي” (في وول ستريت جورنال - عدد 21 سبتمبر) و”براغماتي” و”حصيف” (نيويورك تايمز - عدد 20 سبتمبر) و”مطمئن” و”حازم” (واشنطن بوست - عدد الأول من أكتوبر) أما وولفوفيتش فلم يطلقوا عليه أي صفة مادحة · فقد بدا “أيديولوجيا” (الواشنطن بوست)· وبالطبع هو “محافظ” (التايمز) أي التعبير الأكثر سلبية، وهذا التقسيمات الموروثة من الحرب الباردة هي غبية بقدر معين في إطار الوضع الحالي· فليس هناك أي شيء موروث أيديولوجيا بشأن استراتيجية وولفوفيتش، كما أن ليس هناك أي شيء براغماتي في استراتيجية باول· فأي “أيديولوجيا” يدعو إليها وولفوفيتش عندما يقترح محاربة الإرهاب في الخليج العربي كما في أفغانستان؟ وإذا كانت البراغماتية تعني رؤية العالم كما هو، فأي شيء هو “براغماتي” في إدراج “آيات الله” الإيرانيين والطالبان في الحرب الأمريكية على الإرهابيين الراديكاليين؟ وقد يعتقد الإنسان أن ذلك مجرد فانتازيا طوباوية·
الواقع أن كلمات مثل “براغماتي” و”أيديولوجي” تعني بالنسبة الى الصحافيين رمزا لـ “أنا اتفق معه” أو “أنا أخالف وولفوفيتش” وهذه الكلمات هي بدليل من التفكير الحقيقي· لكنه يزداد سوءا· فهو شخصي· فبالنسبة الى وولفوفيتش، ليس هذا الأخير، بالنسبة إليهم مجرد “أيديولوجي” و”محافظ”، إنما أرادوا لنا أن نعتقد أنه “انفعالي” “غير عقلاني” ومجرد شخص غير متوازن· وفي حين يحوز باول “الهادئ” استراتيجيات “حصيفة”، فإن لدى وولفوفيتش، حسب الصحافيين، مجرد “انفعالات”· وهذه الانفعالات ترقى الى جذور نفسانية· فقد قيل لنا إن وولفوفيتش “متحمس لمقاتلة الأعداء القدامى” كما لو أن صدام حسين هو عدوه الشخصي لا البلد· ويقال إن وولفوفيتش يتحرق غيظا من أن ممانعة باول عدم مهاجمة العراق·
إذا قرأتم التعليقات في الصحف لن تعرفوا أبدا أن وولفوفيتش موظف عام ممتاز خدم في أربع أو خمس إدارات بما فيها إدارة جيمي كارتر في السبعينيات سفيرا، ومساعدا لوزير الخارجية، ونائبا لوزير الدفاع، والآن نائبا لوزير الدفاع أيضا، ولن تعرفوا أيضا أنه في آخر مرة تنازع باول ووولفوفيتش بشأن السياسة كان باول على خطأ ووولفوفيتش على حق، فقد كان باول هو من حاول إقناع جورج بوش (الأب) في عام 1990 بعدم خوض الحرب ضد صدام حسين إنما بالاكتفاء برسم خط عند حدود المملكة العربية السعودية وبفرض عقوبات اقتصادية· وكان وولفوفيتش، مع برنت سكوكروفت (مستشار الأمن القومي آنذاك) وديك تشيني (وزير الدفاع انذاك) من أصروا على ضرورة طرد الجيش العراقي بالقوة من الكويت· ولا شك أن وولفوفيتش يتمتع الآن بمصداقية أكبر من مصداقية باول في المعركة الحالية·
كفاكم تسفيها إذن· إن النزاع بين باول - ارميتاج وولفوفيتش هو نزاع بين أشخاص جديين ذوي خبرة وحكمة متراكمتين· إنه نزاع يستحق الجدارة· فالأشخاص المعقولون يمكن أن يختلفوا بشأن ما إذا يجب مهاجمة صدام حسين، لكن خلافا للآراء الشخصية للصحافيين الأمريكيين ليس من غير المعقول النظر في هذه الفكرة بجدية· ولا شك أن ريتشارد أرميتاج ينظر فيها بجدية· فقبل ثلاث سنوات، انضم ارميتاج الى وولفوفيتش وريتشارد بيرل ودونالد رامسفيلد وروبرت زوليك في توجيه رسالة الى الرئيس كلينتون للضغط عليه حتى “يطيح صدام حسين ونظامه”· وعندما كان كلينتون هو الهدف· وقف أرميتاج جنبا الى جنب مع وولفوفيتش· والآن اتخذ أرميتاج الوفي جانب باول، حسنا، كل شيء عادل في الحب والحرب البيروقراطية· غير أن المراسلين الذين يغطون هذه المعركة يعملون بوساطة كود مختلف·
بقلم روبرت كاغان
عضو كبير في مؤسسة “كارينجي أندومنت” للسلام العالمي
(واشنطن بوست)