عـنوان قـديم
باسمة العنزي
حين وصلت الى نهاية الطابور عند حاجز الجوازات في المطار أدركت أنها بخطوتها المرتبكة اقتربت من عالم تظلله الأشجار اليابسة وتملؤه الشواهد، عالم الإخفاق والاستسلام، الكبرياء والملل، بحقيبة سفر تتكدس فيها الأشياء المستهلكة وشعور بانقباض في الصدر· تقترب أكثر متسائلة:
- (ما الفرق حين لا أجدك؟)·
وصلت الى المدينة صباحا كالابنة الضالة دون أن يستقبلها أحد، حتى سائق سيارة الأجرة التي أقلتها من المطار لم يكلف نفسه عناء ترديد عبارات الترحيب المجانية، الجملة الوحيدة التي نطق بها بعد اكتشافه نفاد الماء من الزجاجة قربه كانت:
- (الحر شديد والماء شحيح)·
- (كيف يشح الماء في بلد يحلي مياه الخليج؟)·
همست لنفسها ساخرة·
كانت تنظر للخارج بعين جديدة، لاحظت أن التلوث ازداد كثافة فوق أسطح البنايات وطبقة جديدة من الدخان الأسود تظلل المدينة، حركة السير البطيئة وقطرات العرق على رقبة السائق وحذاؤها الضيق أشعروها بطول الوقت·
- (الى أين نتوجه؟)·
سألها السائق·
في آخر اتصال هاتفي قال لها:
- (من سقط قبل الآخر أنا أم أنت؟)·
كانت تفرد الصحف والمجلات التي يكتب بها أمامها على الطاولة المستديرة وتمضي مساءها تفتش عن رائحتها فيما كتب، في المقابل كانت تخفي قصائدها الخجلى وخواطرها الطفولية عنه في الأدراج المقفلة حتى لا يشعر كم هي مزهوة بحياتهما القصيرة معا، رغم ذلك كانت موقنة أن أصابعه المخترقة الأضلع والممسكة بعضلة القلب لن تنسحب سوى بتمزيق شيء ما·
عندما غادرت مسكنها الصغيرة كان البحر هائجا، وغيوم سوداء تسد الأفق لذا ضاع مركبها بين الموانئ وتشعبت تفاصيل الغرق·
- (الأرض الضيقة تتسع ليأسي دون نهاية وأنت الأمل المفرد تعبرين جسر الهروب)·
قال لها ذات مساء وهي تكشف له عن رغبتها الأخيرة·
احتاج الأمر الى كثير من العذاب والامتناع حتى تمكنت من تركه نصف واع لألمه، حاملة أمتعتها الى منزل العائلة، حيث لم يبد أحد اهتماماً بقرارها الأخير·
- (أن تحبي يعني أن تمنحي دون مقابل)·
كان يكرر على مسامعها هذه العبارة بعد كل ثورة منها على أنانيته·
الشيء الوحيد الذي له معنى هو الإحساس بصخب الحياة، معه تنقضي أيامها بدون علمه، ولا علمها، والإفصاح عن أوجاعها أمامه بلا جدوى، لذا كان عليها أن تغسل آثار حب لم تعشه جيدا·
- (الى أين نتوجه سيدتي؟)·
سألها السائق للمرة الثانية·
كانت بحاجة للحظة إحباط أخيرة حتى تدرك أنه لم يعد هناك مبرر لوجودها وسط فوضى عالمه، الرجل الذي قلب كل شيء فيها كإعصار لم يعد ذا تأثير عليها، أفرغ روحه ببطء من محتواها ليفقد سحره· سأمها الثقيل والعميق من عزلتها التي حاصرت نفسها بها من أجله جعلها على حافة هوة، وفي لحظة القفز الحاسمة اختارت القطيعة·
ولأن لقاءهما الأول في معرض الطوابع البريدية ذلك الشتاء كان صاعقا كان لا بد لقطيعتهما الصيفية أن تكون موجعة· في الأيام الأولى لهروبها رأت الأشياء من حولها وقد فقدت جاذبيتها وانسحبت منها ألوانها الجميلة·
(إن فقدت كل شيء برحيلك فعزائي في امبراطورية الصور التي جمعتنا)·
قال لها ذلك قبل أسابيع في آخر اتصال هاتفي·
في خطوتها الأولى نحو الخارج كانت تنظر يمينا ويسارا وفكرة واحدة تسيطر عليها: ماذا لو فشلت في التحرر (من سطوة تأثيره عليها؟، وبعد ربع ساعة كانت سيارتها البيضاء تجتاز شوارع واسعة ومضاءة بعيدا عنه)·
كانت مهملة كقطعة نقدية قديمة مخبأة في درج مظلم مع عشرات الأشياء الصغيرة المنسية، لم يستطع الفنان فيه أن يحتويها باهتمامه وحنانه، في كل مرة تقترب فيها يبتعد لتفقد جزءا من كبريائها المزيف كما يحلو له تسميته·
بعد غياب شهور طويلة تتساءل الطفلة فيها عن الطيور الملونة التي قضت نحبها في الأقفاص فاردة أجنحتها والأوراق الصفراء المتساقطة حول إناء الورد وبيوت العنكبوت في الزوايا والملح الذي رسم خيوطا متعرجة على الأسقف العالية متحديا محاولتها النسيان، وحده الملح الذي ذاب في تعب الجفون وتناثرت ذراته الباقية على سطح الورق الأبيض كان شاهدا على بدايتهما·
(لن تتجاوزي ماضيك معي مهما حدث)·
قالها بثقة تميز بها دائما قبل أن توصد بابه محاولة الهروب من سطوته والبدء من جديد·
( الى أين نتوجه سيدتي؟)·
سألها السائق للمرة الثالثة بحدة·
تخرج يدها من النافذة النصف مفتوحة تطلب منه أن ينعطف يمينا وعند بداية الشارع تطلب منه التوقف· تمد بصرها بعيدا، تلمحه يتجه للخارج ويده تمسك بيد شابة أنيقة على وجهها الشاحب ابتسامة عريضة·
(يبدو أنني أخطأت العنوان)·
تمتمت لسائق التاكسي، وهي تخفي وجهها بيد فقدت خاتمها·